حجم الخط:

محتوى الدرس (11)

المبحث الثاني والعشرون: المشركون والدعوة

أساليب المشركين في محاربة الدعوة الإسلامية:

لم تزل أصداء تلك الصيحة ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴿ ٢١٤ ﴾ ﴾ مدوية في جنبات أم القرى، حتى نزل قوله تعالى: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿ ٩٤ ﴾ ﴾ [الحجر: 94] فقام الرسول ﷺ مشمرًا عن ساعد الجد، صادعًا بالحق، داعيًا إلى هجر الأوثان، مسفهًا عقول المؤمنين بها، مبينًا حقائق الإسلام، داحضًا الأباطيل العقدية التي تعشعش في عقول أهل الجاهلية.

عندما رأت قريش أن أثر هذه الدعوة لم يكن محدودًا كما كان الحال مع من دعا إلى نبذ الأصنام قبل محمد ﷺ، أمثال زيد بن نفيل وورقة وابن صيفي، قامت في وجه محمد ﷺ ومن تبعه، وأخذت تمارس شتى أساليب ووسائل الترغيب والترهيب، لصدهم عن هذا الطريق الذي هدد مصالحهم، التي يجنونها من وجود الحرم في أرضهم، وحط من تكبرهم على غيرهم، ووقف أمام شهواتهم في السيطرة واقتراف السيئات والموبقات. وقد كان أكثر هؤلاء من أصحاب النفوذ والمصالح.

من أبرز تلك الأساليب:

الأسلوب الأول: محاولة التأثير على عمه أبي طالب:

وهذا أول أسلوب لجأ إليه المشركون حتى يكفّ أبو طالب الرسول ﷺ عن الدعوة أو تجريده من جواره - أي حمايته - فقد ذهبت مجموعة من أشرافهم إلى عمه أبي طالب وقالوا له: إن ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفَّة أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه، فقال لهم أبو طالب قولًا رفيقًا وردهم ردًا جميلًا فانصرفوا عنه [ابن إسحاق].

الأسلوب الثاني: التهديد بمنازلة الرسول ﷺ وعمه أبي طالب:

ولما مضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه، يُظهر دين الله ويدعو إليه، غضبت منه قريش، وعادوه وحقدوا عليه وأكثروا من ذكره، وحض بعضهم بعضًا ومشوا إلى عمه مرة أخرى، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنًا وشرفًا ومنزلةً فينا،وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا. وأقسموا بأنهم لن يصبروا على أفعاله حتى يكفه عنهم أو ينازلوه وإياه في ذلك، ولم يطب نفسًا بإسلام رسول الله ﷺ لهم ولا خذلانه، ولذا أبلغ الرسول ﷺ بالذي قالوه، وطلب منه أن يبقي عليه وعلى نفسه ولا يحمله من الأمر ما لا يطيق [ابن إسحاق].

وفي رواية ضعيفةلابن إسحاق:أن الرسول ﷺ ظن أن عمه قد ضعف عن نصرته، ولذا قال له: «يا عَمِّ، والله لو وضعوا الشمسَ في يميني والقمرَ في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهِرُهُ الله أو أَهْلِكَ فيه، ما تَرَكْتُهُ»، ثم بكى رسول الله ﷺ وقام من عند عمه، فلما ولَّى ناداه عمه، فقال: «أقبل يا ابن أخي»، فلما أقبل قال له: «اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أُسْلِمُكَ لشيء أبدًا». وفي رواية أخرى لابن إسحاق [بسند حسن] من حديث عقيل بن أبي طالب: أن أبا طالب أرسل عَقِيْلًا إلى النبي ﷺ، فلما حضر الرسول ﷺ قال له عمه: «إنَّ بني عمك هؤلاء قد زعموا أن تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم، فحلق رسول الله ﷺ ببصـره إلى السماء، فقال: «أَتَرَوْنَ هذه الشمس؟» قالوا: نعم، قال: «فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا منها شعلة»، فقال أبو طالب: والله ما كَذَبَنا ابن أخي،فارجعوا». وهذه الرواية هي الصحيحة.

ومن أبرز الحكم والعبر في هذين الأسلوبين، أن هذا الموقف القوي للرسول ﷺ من قومه ينسجم مع ما أمر به من البلاغ. أما موقف أبي طالب فعجيب حقًا، ولم يجد ابن كثير [في البداية] تفسيرًا له سوى قوله: (إن الله تعالى قد امتحن قلبه بحب محمد ﷺ حبًا طبيعيًا لا شرعيًا. وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى، ومما صنعه لرسوله من الحماية، إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه. ولتجرؤوا عليه، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه، وربك يخلق ما يشاء ويختار.

وقد قسم خلقه أنواعًا وأجناسًا، فهذان العمان كافران: أبو طالب وأبو لهب. ولكن هذا يكون يوم القيامة في ضحضاح من نار، [إشارة إلى الحديث المتفق عليه عن العباس رضي الله عنه أنه قال: «يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: نعم، هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». والتخفيف عنه بسببه، والضحضاح: ما رق من الماء على جه الأرض، ما يبلغ الكعبين] وذلك أي أبو لهب في الدرك الأسفل من النار، وأنزل الله عزوجل فيه سورة في كتابه تتلى على المنابر وتقرأ في المواعظ والخطب تتضمن أنه سيصلى نارًا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب).

وظل أبو طالب طوال حياته ينهى الناس عن إيذاء الرسول ﷺ ويحميه وينأى عن الدخول في الإسلام. وقد روي أن الآية: ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ۖ ﴾ [الأنعام: 26]، قد نزلت فيه [تفسير الطبري وابن الجوزي].

الأسلوب الثالث: الاتهامات الباطلة لصد الناس عنه:

من تلك الاتهامات:

أ- اتهموه بالجنون. وفي ذلك نزل قول الله تعالى: ﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴿ ٦ ﴾ ﴾ [الحجر: 6]. وقد أجابهم الله في آية القلم: ﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴿ ٢ ﴾ ﴾ [القلم: 2]. وحكى عنهم في قوله: ﴿ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ﴿ ٥١ ﴾ ﴾ [القلم: 51].

ب- اتهموه بالسحر. وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿ ٤ ﴾ ﴾ [ص:4]، ﴿ وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ﴿ ٨ ﴾ ﴾ [الفرقان:8].

وقد تَحيَّرَ الوليد بن المغيرة فيما يصف به القرآن. فعندما أوشك دخول موسم الحج جمع فريقه من عتاة المعاندين، فقال لهم: «يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فاجمعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا...».وعلى الرغم من استبعادهم أنه كاهن أو شاعر أو ساحر إلا أنهم اتفقوا على أن يقولوا للناس إنه ساحر، لأنه يفرق بين الأقارب، فأنزل الله عز وجل في الوليد: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴿ ١١ ﴾ ﴾ [المدثر: 11]، ثم أخذوا يتلقون الناس يحذرونهم من أمر محمد ﷺ. وشاء الله تعالى أن تصدر العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها [الطبري: التفسير].

وكان مثل هذه المواقف من أسباب إسلام الناس في المواسم. وما روي في قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي الدليل على ذلك [ابن إسحاق].

وخلاصة قصته: أنه عندما قدم مكة ورسول الله ﷺ بها، مشى إليه رجال من كفار قريش، وكان الطفيل رجلًا شريفًا شاعرًا لبيبًا، فقالوا له: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل [اشتد أمره، ومنه الداء المعضل أو العضال والمعضلة] بنا، وفرق جماعتنا وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه ولا تسمعن منه شيئًا. فما زالوا به حتى وضع كُرْسَفًا [قطنًا] في أذنيه، ولكن أراد الله عز وجل أن يسمع من النبي ﷺ عندما كان يصلي عند الكعبة، فيسلم، ويسلم قومه. إلخ.

جـ- واتهموه بالكذب، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴾ [ص: 4]، ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ۖ ﴾ [الفرقان: 4].

د- واتهموه بالإتيان بالأساطير. قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿ ٥ ﴾ ﴾ [الفرقان: 5].

هـ- وقالوا إن القرآن ليس من عند الله، وإنما هو من عند البشـر ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ﴾ [النحل: 103].

و- واتهموا المؤمنين بالضلالة... ﴿ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ ﴿ ٣٢ ﴾ ﴾ [المطففين: 32]. [من هؤلاء المؤمنين: عمَّار، وبلال، وخبَّاب، كما ذكر ابن الجوزي في زاد المسير (9/ 60)].

الأسلوب الرابع: السخرية والاستهزاء والضحك والغمز واللمز والتعالي على المؤمنين:

يقول الله تعالى عن سخريتهم من الذين آمنوا: ﴿ وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴿ ٥٣ ﴾ ﴾ [الأنعام: 53]. وروى البخاري: أن امرأة قالت للرسول ﷺ ساخرة مستهزئة: «إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثًا!»، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَالضُّحَىٰ ﴿ ١ ﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ﴿ ٢ ﴾ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ﴿ ٣ ﴾ ﴾ [الضحى:1- 3].

وروى البخاري أن أبا جهل قال مستهزئًا: «اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم»، فنزلت: « ﴿ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿ ٣٢ ﴾ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿ ٣٣ ﴾ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [الأنفال: 32- 34].

وذكر ابن إسحاق [في السيرة] حديث الإراشي الذي اشترى منه أبو جهل الإبل، ومطله بأثمانها، ودلالة قريش إياه على رسول الله ﷺ لينصفه من أبي جهل، استهزاء لما يعلمون من العداوة بينهما. وعندما جاء الإراشي إلى الرسول ﷺ شاكيًا، مشى معه إلى أبي جهل، وأخذ له بحقه. وعندما سألت قريش عن صنيعه هذا، قال: (ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب عليَّ بابي، وسمعت صوته، ملئت رعبًا، ثم خرجت إليه، وإن فوق رأسه لَفَحْلًا من الإبل، ما رأيت مثل هَامَتِهِ [رأسه] ولا قصْـرَتِهِ [أصل عنقه] ولا أنيابه لَفَحْلٍ قَطُّ، والله لو أبيت لأكلني).

وقال الله تعالى عن ضحكهم وغمزهم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴿ ٢٩ ﴾ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴿ ٣٠ ﴾ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ﴿ ٣١ ﴾ ﴾ [المطففين: 29- 31].

وثبت من طرق صحيحة [في مسند أحمد ومصنف ابن أبي شيبة وسيرة ابن إسحاق] أن أشراف قريش اجتمعوا يومًا في الحجر يتذاكرون أمر الرسول ﷺ وما جاء به. وبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ ليطوف بالبيت، فلما مرَّ بهم غمزوه ببعض القول ثلاث مرات، فقال لهم: «يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح...»، وقد فزعوا من هذا الموقف.

ومن منطلق الاستعلاء والسخرية، قال المشركون للنبي ﷺ: «لا نرضى بمجالسة أمثال هؤلاء - يعنون صهيبًا وبلالًا وخبابًا - فاطردهم عنك»، فهمَّ النبي ﷺ بذلك طمعًا في إسلامهم وإسلام قومهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿ ٥٢ ﴾ ﴾ [الأنعام:52]، [الطبري: التفسير، أثر 13258، صحيح].

ومر الرسول ﷺ يومًا بجماعة من زعماء قريش فهمزوه واستهزؤوا به، فغاظه ذلك، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ [الأنعام:10]، [ابن إسحاق].

ومن كبار المستهزئين والساخرين: الأسود بن عبد المطلب بن أسد، [ابن إسحاق]، الأسود بن عبد يغوث بن وهب الزهري، الوليد بن الغيرة المخزومي، العاص بن وائل السهمي، [ابن هشام]، الحارث بن الطلاطلة الخزاعي [ابن إسحاق]. وروى أبو نعيم، من حديث ابن إسحاق، أن الله تعالى أنزل فيهم: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴿ ٩٥ ﴾ ﴾ [الحجر: 95]. وروي أن جبريل ﷺ رمى في وجه الأسود بن عبد المطلب ورقة خضراء فعمي.

ومر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه [أي أصابه مرض الاستسقاء] فمات من ذلك. ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى جرح بِأَسفل كعب رجله، وكان أصابه قبل ذلك بسنين، فانتقض به فقتله. ومر به العاص بن وائل، فأشار إلى أخمص رجله فخرج على حمار له يريد الطائف فربض به حماره على نبات خفيف فدخلت في أخمص رجله منها شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فتحرك القيح فيه فقتله [ابن إسحاق، مرسل صحيح].

والوليد بن المغيرة هو القائل: أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها؛ ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف، ونحن عظيما القريتين![يعني مكة والطائف]، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ [الزخرف:31]، وللمفسرين أقوال أخرى في الرجلين المعنيين في الآية. [انظر: تفسير ابن كثير (7/ 212- 213)].

ومن كبار المستهزئين الساخرين - أيضًا -: أبو جهل وأمية بن خلف والنضـر ابن الحارث والأخنس بن شريق وأبي بن خلف [ابن هشام، وغيره].

الأسلوب الخامس: التشويش:

كان المشركون يتواصون بينهم بافتعال ضجة عالية وصياح منكر عندما يقرأ القرآن، حتى لا يسمع فيفهم فيترك أثرًا في عقل نقي وقلب طيب. وفي ذلك قال المولى عز وجل: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴿ ٢٦ ﴾ ﴾ [فصلت:26].

الأسلوب السادس: طلبهم أن تكون للرسول ﷺ معجزات أو مزايا ليست عند البشر العاديين:

من ذلك قولهم: ﴿ وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴿ ٧ ﴾ أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ۚ ﴾ [الفرقان:7- 8].

وقولهم: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ۙ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ ﴾ [يونس:15].

ورد عليهم الله تعالى في الآية نفسها: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿ ١٥ ﴾ ﴾ [يونس:15].

وقولهم: ﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴿ ٩٠ ﴾ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا ﴿ ٩١ ﴾ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ﴿ ٩٢ ﴾ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ ۗ ﴾ [الإسراء: 90- 93]، ولذا قال لهم الرسول ﷺ كما جاء في الآية نفسها: ﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴿ ٩٣ ﴾ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا ﴿ ٩٤ ﴾ ﴾ [الإسراء: 93- 94].

وسألوه أن يسيِّر لهم جبال مكة، ويقطع لهم الأرض ليزرعوها، ويبعث لهم من مضى من الآباء الموتى، أمثال قصي، ليسألوه عن صدق محمد. ورد الله تعالى عليهم في قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ ﴾ [الرعد:31]، أي لا أصنع من ذلك إلا ما شاء الله [الطبري: التفسير].

ولقد كان طلبهم على وجه العناد، لا على وجه طلب الهدى والرشاد. فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا، قال تعالى: ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ ١٠٩ ﴾ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿ ١١٠ ﴾ ۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴿ ١١١ ﴾ ﴾ [الأنعام: 109- 111]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ ﴾ [الإسراء:59].

وروى أحمد، [في المسند، بسند جيد]، من حديث ابن عباس قال: سأل أهل مكة رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحي عنهم الجبال فيزدرعوا - أي يزرعوا مكانها - فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا هلكوا كما أهلكت من قبلهم الأمم، قال: «لا، بل أستأني بهم»، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ ﴾ [الإسراء:59].

وروي أنهم طلبوا منه أن يجعل صخرة معينة ذهبًا لينحتوا منها وتغنيهم عن رحلتي الشتاء والصيف. وروى مسلم أنهم طلبوا أن يريهم آية، فأراهم القمر قد انشق.

الأسلوب السابع: المساومات:

لقد حاولت قريش من خلال هذا الأسلوب أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق، وذلك بأن يترك المشركون بعض ما هم عليه، ويترك النبي ﷺ بعض ما هو عليه. قال تعالى: ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴿ ٩ ﴾ ﴾ [القلم:9].

وعندما قالوا له اعبُد آلهتنا يومًا ونعبد إلهك يومًا، أنزل الله تعالى سورة الكافرون: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿ ١ ﴾ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿ ٢ ﴾ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿ ٣ ﴾ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ﴿ ٤ ﴾ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿ ٣ ﴾ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴿ ٦ ﴾ ﴾ [الكافرون: 1- 6]، وحسم هذه المساومة الهزلية.

لقد ساوموا عمَّه فيه، حين اقترحوا على عمه بأن يعطوه عمارة بن الوليد بن المغيرة بدلًا عن محمد ﷺ فيأخذوه ويقتلوه [ابن هشام].

وعندما اشتكى [مرض] أبو طالب وبلغ قريش ثقله [شدة مرضه] قال بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا، فإنا والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا. وعندما جاء وفدهم إلى أبي طالب، قال لمحمد ﷺ: يا ابن أخي، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليعطوك وليأخذوا منك. فقال رسول الله ﷺ: «نعم كلمة واحدة يعطونيها يملكون بها العرب وتدين لهم بها العجم -وفي رواية: تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية-» ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة!قال: «نعم». فقال أبو جهل: نعم وأبيك عشر كلمات، قال: «تقولون لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه». فصفقوا بأيديهم استنكارًا ثم قالوا: يا محمد تريد أن تجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟! إن أمرك لعجب!

ثم قال بعضهم لبعض: ما هذا الرجل بمعطيكم شيئًا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دينكم حتى يحكم الله بينكم وبينه. ثم تفرقوا؛ فأنزل الله فيهم أول سورة (ص)... [أحمد: المسند، بسند صحيح].

الأسلوب الثامن: سب القرآن ومنزله ومن جاء به:

روى البخاري ومسلم وغيرهما في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ﴿ ١١٠ ﴾ ﴾ [الإسراء:110]، أن ابن عباس قال: «نزلت ورسول الله ﷺ مختف بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع المشركون ذلك سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ﴾ ، أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ﴿ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ﴾ عن أصحابك فلا تسمعهم، ﴿ وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ﴿ ١١٠ ﴾ ﴾ [الإسراء:110]».

وروى ابن إسحاق [في السير]، أن رسول الله ﷺ كان إذا جهر بالقرآن وهو يصلي تفرقوا عنه وأبوا أن يسمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يستمع من رسول الله ﷺ بعض ما يتلو وهو يصلي، يسترق السمع دونهم فَرَقًا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم ولم يستمع، وإن خفض رسول الله ﷺ صوته، فظن الذي يستمع أنهم لم يسمعوا شيئًا من قراءته، وسمع من دونهم، التفت إليه يستمع، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ﴾ فيتفرقوا عنك، ﴿ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ﴾ ، فلا يسمع من أراد أن يستمعها ممن يسترق ذلك دونهم لعله يرعوي إذا استمع إلى بعض ما يسمع فيقتنع به ﴿ وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ﴿ ١١٠ ﴾ ﴾ [الإسراء:110].

وعندما كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، أخذ المشـركون يسبون الله عز وجل عدوًا بغير علم، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ ﴾ [الأنعام:108] [الطبري: التفسير].

وهذا النهي عن سب آلهة المشـركين وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين [ابن كثير: التفسير].

ومن هذا القبيل - وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها - ما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه»، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: «نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه». وقوله ﷺ لعائشة رضي الله عنها: «لولا حداثة عهد قومك بالكفر، لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم...». وكان هذا الحديث سندًا لابن الزبير في بناء الكعبة على قواعد إبراهيم [متفق عليه].

الأسلوب التاسع: الاتصال باليهود للإتيان منهم بأسئلة تعجيزية للرسول ﷺ:

أوفدت قريش نفرًا منهم إلى المدينة، على رأسهم: النضـر بن الحارث وعقبة ابن أبي مُعَيْط، ليأتوا من اليهود بأسئلة تعجيزية فيطرحونها على الرسول ﷺ. فقالت لهم يهود: سلوه عن أهل الكهف وعن ذي القرنين والروح. ولكن الله تعالى أبطل كيدهم عندما أنزل قرآنًا في شأن الإجابة عن أسئلتهم. [أحمد: المسند، بسند صحيح].

الأسلوب العاشر: الترغيب:

أرادت قريش أن تجرب أسلوب الترغيب، فأرسلت عتبة بن ربيعة، الذي قال للرسول ﷺ: «يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا لعلك تقبل بعضها: إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد شرفًا سوَّدناك علينا فلا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد ملكًا ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رِئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ».

وروى ابن إسحاق [في السيرة بسند مرسل حسن] أن النبي ﷺ لما فرغ من قوله تلا صدر سورة (فصلت) إلى قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ [فصلت:13]. وعندها وضع عتبة يده على جنبه وقام كأن الصواعق ستلاحقه، وعاد إلى قريش مخبرًا إياهم بأن ما سمع ليس بشعر ولا سحر ولا كهانة، واقترح على قريش أن تدع محمدًا وشأنه. وفي رواية البيهقي [في الدلائل]، وابن أبي شيبة [في مصنفه] وابن حميد [في المنتخب، حسن] من حديث جابر، زادوا: «وإن كان بك الباءة زوجناك عشـر نسوة تختار من أي أبيات قريش شئت».

وفي رواية [عند الحاكم والبيهقي في الدلائل، بأسانيد تعتضد]، إن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله ﷺ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه، فقال: «يا عم إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالًا»، قال: «لم؟»، قال: «ليعطوك، فإنك أتيت محمدًا لتعرض لما قبله..»، ثم قال عن القرآن الذي سمعه من محمد ﷺ: «ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمرٌ أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته...».

الأسلوب الحادي عشر: الترهيب:

كان أبو جهل، إذا سمع عن رجل قد أسلم وله شرف ومنعة، أنَّبه وأخزاه، وقال له: «تركت دين أبيك وهو خير منك! لَنُسَفِهَنَّ حُلُمَكَ، ولَنَضُعِفَنَّ رأيك، ولنضعن شرفك»، وإن كان تاجرًا قال له: «لَنُكَسِّدَنَّ تجارتك، ولنهلكن مالك»، وإن كان ضعيفًا ضربه وأغرى به [ابن إسحاق في السيرة].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة