المبحث الثاني: هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة
عندما علم المشركون بما تم بين الرسول ﷺ والأنصار في بيعة العقبة الثانية، وعندما رأوا المسلمين يهاجرون إلى المدينة زرافات ووحدانًا، خشوا من تجمع المسلمين بالمدينة، وخروج الرسول ﷺ إليهم ليقودهم نحو تحقيق ما يريد، ولذا قرروا التخلص منه ﷺ.فعقد زعماؤهم اجتماعًا خطيرًا في دار الندوة، ليتشاوروا في أنجع الوسائل للتخلص من الرسول ﷺ.
وقد ذكر القرآن الكريم مضمون الآراء التي طرحت في ذلك الاجتماع. قال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال:30] [أحمد: المسند، وحسن ابن كثير في البداية إسناده. [ليثبتوك: ليسجنوك].
وجاءت الأحاديث والآثار مفصلة ما أجملته هذه الآية. فإضافة على ما جاء في رواية ابن عباس عند أحمد في سبب نزول الآية ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ﴾ [الأنفال:30] هناك رواية أخرى عن ابن عباس عند ابن إسحاق [في السيرة] فيها تفصيل أكثر عن هذه المؤامرة [ورواه الطبري في تاريخه موصولًا من حديث ابن إسحاق، بسند حسن].
ففي هذه الرواية أنهم عندما اجتمعوا في دار الندوة للتشاور في أمر رسول الله ﷺ جاءهم إبليس في صورة رجل شيخ، مدعيًا أنه من أهل نجد، قال إنه سمع بالذي اجتمعوا له وأراد أن يشاركهم الرأي والنصيحة فأذنوا له... [يذكر السهيلي في الروض (2/229) أنه ادعى ذلك، لأنهم قالوا لا يدخلن معكم في المشاورة أحد من أهل تهامة، لأن هواهم مع محمد].
وعندما دارت المناقشة واقترح أحمد المؤتمرين أن يحبسوا الرسول ﷺ، قال الشيخ النجدي: «لا والله، ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب هذا الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم...».
ثم اقترح أحدهم أن ينفوه، فدحض النجدي الاقتراح مبينًا أن حسن حديث الرسول ﷺ ومنطقه الذي يأسره القلوب سيجذب الناس إليه ويغلب بهم قريشًا. وأخيرًا اقترح أبو جهل أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شابًا نسيبًا وسيطًا فيهم، ويعطى كل واحد منهم سيفًا صارمًا، فيضربون جميعًا بأسيافهم محمدًا ضربة رجل واحد، ليتفرق دمه بين القبائل، ولا يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فيرضوا بالدية.
أيد النجدي هذا الاقتراح، ووافق عليه الجميع، وتفرقوا على ذلك ولم يبق إلا التنفيذ. [لم تحدد الرواية الساعة التي اجتمعوا فيها، هل كانت ليلًا أم نهارًا، ولم نقف على المدة الزمنية بين اتخاذ قرار القتل وبين الشروع في التنفيذ].
ثانيًا: الإذن بالهجرة، والتخطيط لها ثم الشروع فيها:
بعد اتخاذ هذا القرار، أتى جبريل ﷺ رسول الله ﷺ وأخبره به، وأمره بعدم المبيت على فراشه هذه الليلة، والهجرة.
روى البخاري والطبري [في التاريخ، بسند حسن]، من حديث ابن إسحاق أنه عندما أذن للرسول ﷺ وأمر بالهجرة جاء متقنعًا إلى منزل أبي بكر رضي الله عنه في وقت لم يعتد أن يزوره فيه، في نحر الظهر - أو النهار - وهو أشد ما يكون في حرارة النهار. وعندما أخبر أبو بكر بقدومه، علم أن قدومه في تلك الساعة وبتلك الكيفية، إنما هو لأمر خطير.
وعندما أذن له أبو بكر بالدخول، طلب أن يخرج من عنده حتى لا يعرف ما يقول له، وطمأنه أبو بكر بأن من عنده هم أهل الرسول ﷺ، ثم أخبر أبا بكر بأن الله قد أذن له بالهجرة، وطلب أبو بكر أن يصحبه، فأكد له ما سبق أن ألمح له به من قبل. وأراد أبو بكر من الرسول ﷺ أن يأخذ إحدى الراحلتين، فوافق الرسول ﷺ، ولكن على أن يدفع ثمنها.
إن قول أبي بكر للرسول ﷺ بأن من عنده هم أهل الرسول ﷺ يريد بذلك عائشة وأسماء رضي الله عنهما، وهما مسلمتان، وعائشة رضي الله عنها قد عقد عليها الرسول ﷺ، فهي زوجته، فلا خوف منهما. وقد صرح بهذا المعنى موسى بن عقبة في روايته، [عند ابن حجر في الفتح]، فقال: «أخرج من عندك، قال: لا عين عليك، إنما هما ابنتاي»، وفي روايته عن ابن شهاب، قال: «قالت عائشة: وليس عند أبي بكر إلا أنا وأسماء» - وفي رواية ابن إسحاق [في السيرة، ووصلها الطبري في تاريخه، بسند حسن]: «إنما هما ابنتاي».
عند لقاء الرسول ﷺ بأبي بكر أخذا في وضع خطة للهجرة تبطل كيد الكافرين. وكانت الخطة كالآتي، كما ذكرها البخاري وابن إسحاق:
1- أن يخرجا ليلًا إلى غار ثَوْر [البخاري]، في الجهة الجنوبية الغربية من مكة، وفي هذا تمويه على الكفار، لأن أنظارهم ستتجه للبحث عن الرسول ﷺ في الجهة الشمالية - جهة المدينة.
2- أن يمكثا في الغار لمدة ثلاثة أيام [المصدر نفسه، وغيره]، حتى يخف الطلب عنهما.
3- استأجرا دليلًا ماهرًا عارفًا بمسلك طرق الصحراء، ليقودهما إلى المدينة، وهو عبد الله بن أُرْقُد [و: أريقط تصحيف] الدَّيْلي، وكان مشركًا. واستكتماه الخبر. واتفقا معه على أن يلحق بهما في غَار ثور بعد ثلاثة أيام. ودفعا إليه بالراحلتين اللتين اشتراهما أبو بكر، وكان يعلفهما لهذا اليوم [البخاري].
4-أعدت لهما أسماء زادًا ووضعته في جراب، وقطعت من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق، وفي رواية: ذات النطاقين [البخاري؛ ابن إسحاق: السيرة؛ ابن سعد].
5- وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتسمع لهما ما يقوله الناس عنهما في النهار، فيأتيهما به بالليل في الغار، ثم يرجع إلى مكة في السَّحَر، ليصبح مع قريش. [البخاري وابن إسحاق في السيرة].
6- وأمر مولاه عامر بن فُهَيْرَة أن يرعى غنمه نهاره ثم يُريحَها عليهما في الغار إذا أمسى، ليطعما من ألبانها [البخاري]، ويذبحا منها للأكل، ويزيل بها آثار أقدام عبد الله ابن أبي بكر. [ابن إسحاق: السيرة].
7- وأمر أسماء أن تأتيهما من الطعام بما يصلحهما في كل مساء [المصدر نفسه].
8- وانطلق رسول الله ﷺ إلى علي بن أبي طالب،فأمره أن يتخلف بعده بمكة ريثما يؤدي عن رسول الله ﷺ الودائع والأمانات التي كانت عنده للناس، إذ لم يكن أحد من أهل مكة له شيء يخشى عليه إلا استودعه عند رسول الله ﷺ لما يعلمون من صدقه وأمانته. [ابن إسحاق في السير معلقًا، ووصله الطبري في تاريخه بسند حسن].
9- وأمره أن ينام على فراشه ويتسجى ببرده الخضرمي الأخضر، الذي ينام فيه، وطمأنه بأنه لن يصل إليه منهم شيء يكرهه، وذلك للتمويه [أحمد: المسند، بسند حسن؛ الحاكم؛ ابن إسحاق: السيرة، وهو حسن بشواهده].
10- وأمر أبو بكر عامر بن فُهَيْرَة أن يصحبهما في هجرتهما ليخدمهما ويعينهما في الطريق [البخاري].
لقد أمر الله الرسول ﷺ بهذه الهجرة بعد أن مكث في مكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه [البخاري]. وعندما أمره بالهجرة، أنزل عليه قوله تعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ﴿ ٨٠ ﴾ ﴾ [الإسراء:80] [أحمد: المسند، بسند صحيح]. وكان ما أراده من الله له في هذا الدعاء الموجز المعبر، والذي اختاره له الله ليجعله مفتاحًا للطمأنينة.
أما في الجانب الآخر، فقد اختار زعماء قريش في ندوتهم أحد عشـر زعيمًا يمثلون قبائل قريش المعادية للإسلام، فقضوا نهار يومهم ذاك في الإعداد لتنفيذ القرار الذي اتخذوه في دار الندوة.
ومع علم الرسول ﷺ بهذا القرار، لم ينس أن يقوم بعمل إيماني بطولي، يعد بمفهومنا المادي اليوم (مغامرة)، بل قال عنه الذهبي (منكر)، أي غير منطقي. وهو أنه ذهب في تلك الليلة مع علي إلى الكعبة، وأمره أن يصعد على منكبه إلى فوق الكعبة، ليرمي صنم قريش الذي كان من نحاس وموتد بأوتاد من حديد. وعندما كان علي يعالج الصنم ليفكه، كان الرسول ﷺ يقول: «جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا».
وتمكن علي من فكه ورميه وتكسيره، وانطلقا ولم يرهما أحد، ولم يرفع الصنم بعد ذلك [الحاكم، وصححه ووافقه الذهبي وأنكر متنه].
وهذا التصرف عندنا لمن المعجزات الدالة على عناية الله سبحانه وتعالى برسوله ﷺ.
فلما كانت عَتْمَةٌ من الليل اجتمع القوم المنوط بهم تنفيذ الخطة على باب الرسول ﷺ يترقبون نومه، ليثبوا عليه، وكان معهم أبو جهل، ليطمئن على سير الخطة، ويشجعهم على التنفيذ. ومما كان يفعله بهذا الصدد:السخرية من محمد ﷺ والتشكيك في دعوته، فتراه يقول لهم: «إن محمدًا يزعم أنكم إذا تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم،ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها» [ابن إسحاق: السيرة، وسنده مرسل حسن].
وبينما هم على هذه الحالة خرج عليهم رسول الله ﷺ، وقد سمع كلام أبي جهل، فأخذ حفنة من تراب، ثم قال: «أنا أقول ذلك، أنت أحدهم، فجعل ينثر التراب على رؤوسهم وهم لا يرونه، لأن الله قد أخذ على أبصارهم، وهو يتلو الآيات من سورة (يس): ﴿ يس ﴿ ١ ﴾ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ﴿ ٢ ﴾ ﴾ ... إلى قوله تعالى: ﴿ فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ [يس:1-9]. وتركهم على هذه الحالة، ثم خرج» [ابن إسحاق: السيرة].
قال السهيلي: (...فذكر بعض أهل التفسير السبب المانع لهم - أي الكفار - من التقحم عليه في الدار مع قصر الجدار، وأنهم إنما جاءوا لقتله، فذكر في الخبر أنهم هموا بالولوج عليه، فصاحت امرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض: والله إنها للسبة في العرب أن يتحدث عنا أنَّا تسورنا الحيطان على بنات العم، وهتكنا ستر حرمتنا، فهذا هو الذي أقامهم بالباب حتى أصبحوا ينتظرون خروجه، ثم طمست أبصارهم عنه حين خرج..). وعبارة الشامي [في السبل]: (..أن بعض أهل السير ذكروا السبب المانع من ذلك مع قصـر الجدار)، فذكر هنا أن المصدر هو أهل السير وليس أهل التفسير كما عند السهيلي.
وعندما خرج أبو بكر كان يحمل معه كل ماله، وقدره خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم [ابن إسحاق في السيرة، بسند حسن].
وفي طريقهما إلى الغار، وقبل أن تختفي مكة عن الأنظار، نظر إليها الرسول ﷺ بعاطفة مشحونة بالذكريات، تدل على حبه لها لما بها من رموز في حياته. فكيف لا يحبها وقد أحبها الله عز وجل وجعل بها بيته المقدس، وفيها أرسله الله إلى العالمين.
وقف ينظر إليها وهو يقول: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك لما خرجت» [الألباني: صحيح الترمذي].
وقال عنها في رواية أخرى: «ما أطيبك من بلد وأحبك إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك».
أما المتآمرون، فعندما رآهم أحد الناس أمام الباب، سألهم عن سبب وجودهم أمامه، فأخبروه الخبر، فأعلمهم أن النبي ﷺ قد خرج فلم يصدقوه، لأنهم يرون عليًا نائمًا على فراش النبي ﷺ، فظنوه محمدًا ﷺ. ولم يكتشفوا الحقيقة إلا عندما قام علي من الفراش في الصباح [ابن إسحاق: السيرة، مرسلًا، يعتضد بغيره].
وعند هذا أخذوا في وضع الخطط للعثور عليه، ومن ذلك:
1- إلقاء القبض فورًا على علي وضربه وسحبه إلى الكعبة، ثم اعتقاله بعضًا من الوقت، لحين التحقيق معه، للوصول إلى معلومات تفيدهم في العثور على الرسول ﷺ. ولكنهم فشلوا معه [المباركفوري والمنصورفوري ولم يحددا المصدر].
2- جاء نفر منهم إلى منزل أبي بكر رضي الله عنه وفيهم أبو جهل، لعلهم يجدونه هناك ويفعلون به مثلما فعلوا بعلي. فخرجت إليه ابنته أسماء، فسألوها عن والدها، فقالت: إنها لا تدري أين هو، فغضب أبو جهل لهذا الجواب، فلطمها لطمة طرح منها قُرْطَها [ابن إسحاق: السيرة].
3- وضعوا جميع الطرق النافذة من مكة تحت المراقبة الدقيقة.
4- قرروا منح جائزة مقدارها دية كل من الرسول ﷺ وأبي بكر رضي الله عنه لمن يعثر عليهما حيين أو ميتين [البخاري، ابن إسحاق: السيرة، وقال إن الجائزة مئة ناقة لمن يرد الرسول ﷺ إليهم].
5- استأجروا قصاص الآثار، ليتبعوا آثارهما حيثما حلا [ابن حجر: الفتح. وقال ابن حجر في الإصابة (3/293): (ذكر أبو سعيد -في شرف المصطفى- أن المشركين كانوا استأجروا كُرْز ابن علقمة لما خرج النبي ﷺ مهاجرًا، فقفا أثره حتى انتهى إلى غار ثور، فرأى نسج العنكبوت على باب الغار، فقال: «إلى هنا انتهى أثره، ثم لا أدري أخذ يمينًا أو شمالًا أو صعد الجيل»]).
روى البيهقي [في الدلائل] وغيره [منهم الحاكم، مرسلًا على شرط الشيخين، وابن حجر في الفتح، ابن هشام، وابن كثير في البداية، يتقوى بشواهده] أنهما عندما انطلقا إلى الغار جعل أبو بكر يمشي ساعة بين يدي الرسول ﷺ وساعة خلفه، وعندما فطن له سأله عن السبب، قال يا رسول الله: «أذكر الطَلَبَ، فأمشي خلفك، ثم أذكر الرَّصَدَ فأمشـي بين يديك»، فقال له الرسول ﷺ: «يا أبا بكر، لو كان شيء أحببت أن تكون دوني؟»، قال: «نعم، والذي بعثك بالحق ما كان لتكون من ملمة إلا أحببت أن تكون لي دونك».
أما الخبر الذي يروى عن عمر وفيه أن رسول الله ﷺ عندما خرج من مكة ليلًا ومعه أبو بكر فجعل يمشي مرة أمامه ومرة خلفه يحرسه، وعندما حفيت قدما الرسول صلى الله عله وسلم حمله على كاهله إلى فم الغار، وسده أحجار الغار بقدمه، والحيات تلسعه، ودموعه تسيل على الرسول ﷺ...هذا الخبر قال عنه الذهبي [في السيرة]: (وهو منكر، سكت عنه البيهقي [في الدلائل]، وساقه من حديث يحيى بن أبي طالب، أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي.... وآفَتُهُ من هذا الراسبي، فإنه ليس بثقة، مع كونه مجهولًا، ذكره الخطيب في تاريخه فغمزه).
وقال ابن كثير [في البداية] عن هذا الحديث بعد أن ساقه من رواية البيهقي المشار إليها: (وفي هذا السياق غرابة ونكارة).
وزاد الدكتور السعود [رسالة الهجرة] بعد قول ابن كثير هذا: (نعم، لأنه أيضاً في سنده فرات بن السائب - ضعفه أبو حاتم وأبو زرعة - وقال أبو حاتم: منكر الحديث. وقال البخاري: تركوه، منكر الحديث؛ فهذا الخبر ضعيف منكر).
وعندما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر للرسول ﷺ: «مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار»، فدخل فاستبرأه، ثم تذكر أنه لم يستبرئ الجحر الذي فيه، فقال: «مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ»، فدخل فاستبرأ، ثم قال: «انزل يا رسول الله»، فنزل الرسول ﷺ إلى الغار [البيهقي في الدلائل، مرسلًا؛ الحاكم، مرسلًا، صححه ووافقه الذهبي]. [والاستبراء: التأكد من سلامة المكان من الآفات الضارة].
ركبت قريش في كل وجه يطلبون النبي ﷺ. وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم، ويجعلون لهم الجعل العظيم، وأتوا على جبل ثور الذي فيه الغار، الذي فيه النبي ﷺ، وصعدوا فوقه، وسمع الرسول ﷺ وأبو بكر أصواتهم، فأشفق أبو بكر وأقبل عليه الهم والخوف والحزن، وقال: «يا رسول الله ﷺ لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصـرنا تحت قدميه». فقال النبي ﷺ: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما»[متفق عليه]. وفي هذا نزل قول الله تعالى: ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ ﴾ [التوبة:40] [متفق عليه].
وحمى الله نبيه في الغار من كل سوء. ومن أدلة حماية الله له ولصاحبه: ما روى أحمد [في المسند، بسند حسن] أن قريشًا اقتفوا أثرهما، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت. فقالوا: لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه. وروي مثله عن الحسن البصري، وزاد فيه أن النبي ﷺ كان يصلي في تلك اللحظات وأبو بكر يرتقب [ابن كثير: البداية، حسن بشواهده].
ومرت أيام الغار بسلام، إلا ما ذكر من أن حجرًا أصاب يد رسول الله ﷺ فقال:
| «هل أنت إلا أصبع دميت |
| وفي سبيل الله ما لقيت» |
وقد رويت بعض الأخبار الواهية فيما يتعلق بفترة وجود النبي ﷺ وأبي بكر رضي الله عنه بغار ثور، ومن أشهرها:
1- ما رواه ابن سعد والبزار [في كشف الأستار] من أن الله أمر شجرة فنبتت في وجه النبي ﷺ فسترته، وأمر الله العنكبوت فنسجت على وجهه فسترته، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقعتا بفم الغار، وأن فتيان قريش عندما وصلوا إلى قدر أربعين ذراعًا من فم الغار، نظر أولهما فرأى الحمامتين، فرجع فقال له أصحابه: «مالك لم تنظر في الغار؟» قال: «رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار، فعرفت أن ليس فيه أحد»، فسمع النبي ﷺ قوله، فعرف أن الله قد درأ عنه بهما فَسَمَّتَ [أي بارك بالدعاء] عليهن وفرض جزاءهن وانحدرتا في حرم الله فأفرختا، وأن نسل حمام الحرم منهما.
2- روى بعض أهل السير أن أبا بكر لما قال للرسول ﷺ: «لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا تحت قدميه»،قال النبي ﷺ: «لو جاؤونا من ههنا لذهبنا من هنا»، فنظر الصديق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر، وإذا البحرقد اتصل به، وسفينة مشدودة إلى جانبه [ابن كثير: البداية].
3- ما روي من أن أبا بكر قال لابنه عبد الله: «يا بني إن حدث في الناس حدث فأت الغار الذي رأيتني اختبأت فيه أنا ورسول الله ﷺ فكن فيه، فإنه سيأتيك فيه رزقك غدوة وعشية [البزار، كما في البداية]».
4- ما روي من أن رجلًا من المشركين جاء حتى استقبل رسول الله ﷺ بعورته يبول، فقال أبو بكر: «يا رسول الله: أليس الرجل يرانا؟» قال: «لو رآنا لم يستقبلنا بعورته». [الهيثمي: المجمع].
5- ما روي أن أبا بكر عطش في الغار، فقال له رسول الله ﷺ: «اذهب إلى صدر الغار فاشرب»، فانطلق أبو بكر إلى صدر الغار فشرب منه ماء أحلى من العسل وأبيض من اللبن وأذكى رائحة من المسك، ثم عاد، فقال رسول الله ﷺ: «إن الله أمر الملك الموكل بأنهار الجنة أن أخرق نهرًا من جنة الفردوس إلى صدر الغار لتشرب». [السيوطي: الخصائص].
ولما انقطع الطلب عنهما، جاءهما الدليل - ابن أرقد - بعد ثلاث ليال من بقائهما في الغار ومعه الراحلتان. وكان معهما عامر بن فهيرة. انطلق الأربعة إلى المدينة، عن طريق الساحل [البخاري وابن إسحاق في السيرة].
بعد أن اتخذ الرسول ﷺ جميع الأسباب التي في مقدور البشر لينجو من الأعداء، كان مطمئنًا، ولسانه رطب بذكر الله، بالدعاء، بينما أبو بكر يكثر الالتفات؛ حرصًا منه على سلامة الرسول ﷺ. [البخاري].
وعندما حانت ساعة المقيل في يومهم ذاك، وخلا الطريق، رفع الله لهم صخرة طويلة لها ظل، لم تأت عليها الشمس، فنزلوا عندها، وسوى أبو بكر بيده مكانًا تحتها، وبسط عليها فروة، وطلب من الرسول ﷺ أن ينام، وخرج هو ليراقب المكان، فإذا هو براع مقبل بغنمه إلى الصخرة، يريد منها مثل ما أرادوا. وتكلم معه أبو بكر ليعرف أمره، فعرف أنه رجل من أهل مكة. ورضي أن يحلب لهم من شاة له. وطلب منه أبو بكر أن ينظف الضرع قبل الحليب، وكره أن يوقظ الرسول ﷺ للشـرب، فانتظره حتى استيقظ، فشرب حتى رضي أبو بكر، ثم أمر بالرحيل. [البخاري].
وكان الرسول ﷺ يردف أبا بكر معه على راحلته، وكان إذا سأل أحد أبا بكر في الطريق عن الرسول ﷺ، يقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب السائل أنه يعني الطريق، وإنما كان يعني سبيل الخير. [البخاري].
وروى البخاري ومسلم من حديث سُرَاقَة بن مالك المدلجي أنهم مروا في طريقهم بحي بني مُدْلج، فرآهم رجل منهم، فجاء إلى مجلس من مجالس قومه وفيهم سراقة بن مالك، فقال: «يا سراقة، إني قد رأيت آنفًا أَسْوِدَة بالساحل، أراها محمدًا وأصحابه». قال سراقة: «فعرفت أنهم هم: فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنَّك رأيت فلانًا وفلانًا، انطلقوا بأعيننا»، ثم لبث في المجلس ساعة، ثم قام فدخل داره، وأمر جاريته أن تخرج بفرسه إلى ما وراء الأَكَمَةِ، ثم تجهز هو وتسلل إلى مكان فرسه، فركبها وانطلق بها. وعندما دنا من محمد ﷺ وأصحابه، عثرت به فرسه، فنزل عنها وأخرج الأزلام، فاستقسم بها ليعرف: هل يضرهم أم لا؟ فخرج السهم الذي يكره، وهو ألا يضرهم، ولكنه عصـى فركب فرسه، وعندما انطلق إلى أن وصل مكانًا يسمع منه دعاء الرسول ﷺ ساخت يدا فرسه في الأرض حتى بلغتا الركبتين. فنزل عنها ثم زجرها، فنهضت. وعندما انتزع الفرس يديه من الأرض، تبعهما دخان كالإعصار، فعرف حين رأى ذلك أن رسول الله ﷺ قد منع منه، وأن أمره سيظهر، فاستقسم بالأزلام، فخرج الذي يكره، فناداهم بالأمان، فوقفوا، فركب فرسه حتى جاءهم، ووقع في نفسه حين لقي ما لقي من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ، فأخبر الرسول ﷺ أن قومه قد جعلوا فيه الدية، وأخبرهم أخبار ما يريد الناس، وعرض عليهم الزاد و المتاع، ولكنهم لم يطلبوا منه شيئًا سوى أن الرسول ﷺ طلب منه أن يخفي عنهم. وسأل سراقة أن يكتب له كتاب أمان، فأمر عامر بن فهيرة، فكتب له ما أراد في رقعة من جلد، ثم مضوا.
روى البخاري بسنده إلى أبي بكر رضي الله عنه: «ارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا منهم أحد غير سراقة بن مالك بن جُعْشُم على فرس له، فقلت هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله، فقال: لا تحزن، إن الله معنا».
وعندما رجع سراقة إلى قومه، جعل يقول لهم: «قد استبرأت لكم الخبر. قد كُفِيْتُم ما ههنا». [البخاري].
وهكذا كان أول النهار جاهدًا عليهما وآخره حارسًا لهما.[البخاري].
وكان كتاب الأمان مع سراقة إلى أن جاء به الرسول ﷺ، عندما فرغ من غزوتي حنين والطائف، فوفاه له رسول الله ﷺ،وقال: «يوم وفاء وبر».ويومها أسلم سراقة. [ابن إسحاق في السيرة بإسناد حسن].
روى ابن حجر [في الإصابة] وابن عبد البر [في الاستيعاب] وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال لسراقة بن مالك: «كيف بك إذا لبست سواري كسـرى؟» قال: فلما أتي عمر بسواري كسرى ومنطقته وتاجه، دعا سراقة بن مالك فألبسه إياهما، وكان سراقة رجلًا أزب كثير شعر الساعدين، وقال له: ارفع يديك، فقال: الله أكبر، الحمد الله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، الذي كان يقول: أنا رب الناس، وألبسهما سراقة بن مالك بن جُعْشُم، أعرابي من بني مدلج، ورفع بها عمر صوته».
وذكر ابن إسحاق [من رواية ابن بكير كما ذكر البيهقي في الدلائل] أبياتًا من الشعر يحرض فيها أبو جهل قوم سراقة على سراقة، ورد عليه سراقة أيضًا بأبيات من الشعر [ابن كثير: البداية].
ثم مر رسول الله ﷺ وصحبه في مسيره ذلك بخيمتي أم مَعْبَد الخُزَاعِيَّة، فسألوها إن كان عندها طعام، فاعتذرت بالجدب، فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة قرب الخيمة، فسألها عنها، فقالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال: «هل بها من لبن؟» قالت: «هي أجهد من ذلك». فاستأذنها في حلبها، فأذنت له قائلة: «إن رأيت بها حلبًا فاحلبها». فمسح رسول الله ﷺ بيده ضرعها، وسمى الله ودعا، فدرت، فدعا بإناء لها، فحلب فيه، فسقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب وحلب فيه ثانيًا، حتى ملأ الإناء وتركه لها، ثم ارتحلوا.
وعندما جاء زوجها أبو معبد ورأى اللبن عجب من ذلك، فأخبرته بالذي حدث من محمد ﷺ، فقال: «والله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلبه»، وطلب منها أن تصفه له، فوصفته له، وعندما سمع وصفها، قال: «والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إنْ وجدت إلى ذلك سبيلًا»، وأصبح صوت بمكة عاليًا يسمعونه ولا يرون القائل:
| سلوا أختكم عن شاتها وإنائها |
| فإنكم إن تسألوا الشاء تشهد |
[الحاكم، بسند حسن لغيره]. [ويأتي نص وصفها للنبي ﷺ في فصل الشمائل].
ومرَّ الركب في طريقه بعبد يرعى غنمًا، فطلبوا منه طعامًا، فاعتذر لهم بأن لا لبن في شياهه، إلا شاة - أو عناقًا - جف لبنها قريبًا، فاستأذنه الرسول ﷺ، فمس ضرعها فحلبت، ورووا منها جميعًا، وعندما رأى الراعي ذلك أسلم، وطلب أن يتابع الرسول ﷺ، ولكن الرسول ﷺ طلب منه أن يأتي عندما يسمع بظهوره، يعني بعد التمكين [الحاكم؛ ابن كثير: البداية].
وروى أحمد [المسند، بسند حسن]، عن ابن مسعود رضي الله عنه والطيالسـي [منحة المعبود، بسند صحيح]، قال: كنت غلامًا يافعًا أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط بمكة، فأتى عليَّ رسول الله ﷺ وأبو بكر، وقد فرا من المشركين، فقال: أو فقالا: «عندك يا غلام لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن، ولست بساقيكما، فقال: «هل عندك من جذعة لم يَنْزُ عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم، فأتيتهما بها، فاعتقلها [أمسك بها]أبو بكر، وأخذ رسول الله ﷺ الضرع، ودعا، فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها، ثم شرب هو وأبو بكر، ثم سقياني،ثم قال للضرع: أقلص، فقلص. فلما كان بعد أتيت رسول الله ﷺ فقلت: علمني من هذا القول الطيب، يعني القرآن، فقال: «إنك غلام مُعَلَّم»، فأخذت من فيه سبعين سورة، ما ينازعني فيها أحد».[ابن كثير: السيرة].
ويذكر ابن كثير أن هذه القصة وقعت قبل الهجرة بمدة طويلة .
ولقوا في طريقهم ركبًا من المسلمين كانوا تجارًا قافلين من الشام، فيهم الزبير ابن العوام رضي الله عنه، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر رضي الله عنه بثياب بيض. [البخاري].
وعندما وصلوا العرج، احتاجوا للاستفسار عن الطريق، فدلهم أحد القاطنين على الطريق وبين لهم أن الطريق القريب عليه لصان من قبيلة أسلم، يقال لهما: (المهانان)، ولم يبال الرسول ﷺ بهما، وعندما لقيهما عرض عليهما الإسلام، فأسلما، وسماهما (المكرمان)، وطلب منهما القدوم عليه في المدينة [عبد الله بن الإمام أحمد: الزوائد على المسند].
وروى البزار [كشف الأستار] وابن الأثير [أسد الغابة] يسنديهما إلى بُرَيْدَة بن الحُصَيْب الأَسْلَمِي، أن رسول الله ﷺ لما أقبل في مهاجره لقي ركبًا، فقال: «يا أبا بكر: سل القوم فممن هم؟» قالوا: من أسلم، قال: «سلمت يا أبا بكر، سلهم من أي أسلم؟» قالوا: من بني سهم، قال: «ارم بسهمك يا أبا بكر».
وروي أنهم عندما وصلوا الجحفة وجدوا إبلًا، فقال رسول الله ﷺ: «لمن هذه الإبل؟» فقالوا: «لرجل من أسلم»، فتفاءل ﷺ: وقال لأبي بكر: «سلمت إن شاء الله»، وسأل الراعي عن اسمه، فقال: «مسعود»، فتفاءل ﷺ وقال لأبي بكر: «سعدت إن شاء الله» [البداية والمعرفة لأبي نعيم].
وقيل: إن إحدى راحلتيهما تخلفت عنهما، فعندما جاء صاحب الإبل، وهو أوس ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن حُجْر الأسلمي، فأعطاهما فحلًا، وطلب من غلامه مسعود أن يصحبهم إلى المكان الذي يريدونه، فوصل معهم إلى قباء.[الاستيعاب، بسند حسن].
وروي أن أوسًا بن عبد الله بن حجر الأسلمي مر برسول الله ﷺ ومعه أبو بكر «بحدوات»، بين الجحفة وهرشى، وهما على جمل واحد متوجهين إلى المدينة، فحملهما على فحل إبله «ابن الرداء»، وبعث معهما غلامه مسعود، وطلب منه أن يسلك بهما حيث يعلم من الطريق، ولا يفارقهما حتى يقضيا حاجتهما منه... فأوصلهما المدينة ثم عاد، وقد حمله وصية إلى سيده، وهي أن يسم إبله على أعناقها. [ابن هشام؛ ابن حجر: الإصابة؛ ابن عبد البر: الدرر، وحسنه].
ولقي ركب الهجرة عند الغميم بريدة بن الحصيب الأسلمي - زعيم قومه حينذاك - وكان قد خرج في طلب النبي ﷺ وأبي بكر، أملًا في الفوز بالجائزة المعلنة من قبل قريش. وعندما التقى برسول الله ﷺ، وحدثه الرسول ﷺ في أمر الإسلام، أسلم وأسلم معه زهاء ثمانين بيتًا من قومه، وقيل: سبعين [أهل التراجم]. وبات بريدة مع الرسول ﷺ، وفي الصباح قال بريدة: «يا رسول الله: لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء». فحمل عمامته ثم شدها في رمح ثم مشى بين يديه حتى دخل المدينة. [الديار بكري].