الفصل التاسع: غزوة (بني المُصْطَلِق) أحداث ونتائج
عندما أصابت قريش ما أصابت من المسلمين في أحد تجرأ فيمن تجرأ من الأعراب على المسلمين بنو المصطلق. فقد أخذ زعيمهم الحارث بن أبي ضِرَار في جمع السلاح والرجال وتأليب القبائل المجاورة للقيام بهجوم على المدينة.
وعندما شعر الرسول ﷺ بهذه الحركة المريبة، أرسل بُرَيْدَة بن الحُصَيْب الأسلمي للتأكد من نيتهم، وأظهر لهم بريدة أنه جاء لعونهم، فتأكد من نيتهم، فأخبر الرسول ﷺ بذلك. [ابن سعد].
وفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر شعبان من السنة الخامسة للهجرة [البداية؛ البيهقي: السنن الكبرى، من حديث ابن عقبة] خرج الرسول ﷺ من المدينة في سبعمائة مقاتل [الذهبي: المغازي] وثلاثين فرسًا [الواقدي] متوجهًا إلى بني المصطلق.
ولما كان بنو المصطلق ممن بلغتهم دعوة الإسلام، واشتركوا مع الكفار في غزوة أحد، وكانوا يجمعون الجموع لحرب المسلمين، فقد روى البخاري ومسلم، أن الرسول ﷺ أغار عليهم وهم غَارُّون -أي غافلون - وأنعامهم تُسْقَى على الماء، فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذٍ جُوَيْرِيَة بنت الحارث بن أبي ضِرَار.
ويروي ابن إسحاق - بإسناد ضعيف - أن ثمة قتالًا قد وقع على ماء المريسيع، ثم انهزم بنو المصطلق، وقتل بعضهم وأخذ المسلمون أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فتمت قسمة ذلك بينهم. وما في الصحيح أصح وأولى بالاحتجاج به.
ويذكر الواقدي أن المسلمين قتلوا عشرة من بني المصطلق وأسروا سائرهم ممن وجدوه على الماء، وهم مائتا أهل بيت، وغنموا ألفي بعير وخمسة آلاف شاة. ويذكر ابن إسحاق أن الأسرى كانوا مائة أهل بيت، وهو الصحيح. ويذكر الزرقاني أنهم أكثر من سبعمائة، ولا تعارض بين القولين كما قال، لأن أهل البيت الواحد يمكن أن يكونوا أكثر من واحد. [أسد الغابة].
أصيب رجل من المسلمين من بني كلب بن عوف يدعى هشام بن صُبَابَة، أخو مقيس بن صُبَابَة، وذلك أثناء المعركة، أصابه رجل من الأنصار، من رهط عُبَادَة ابن الصامت، وهو يرى أنه من العدو، فقتله خطأً. وقدم مقيس من مكة مظهرًا الإسلام، وطالب بدية أخيه، فأعطي الدية، ولكنه لم يكتف بهذا، بل عدا على قاتل أخيه فقتله، وفر إلى مكة مرتدًا. وقد أهدر النبي ﷺ دمه يوم فتح مكة، فقتله نُمَيْلَةُ بن عبد الله، وكان من قومه. [أسد الغابة؛ الإصابة، ابن إسحاق؛ الواقدي].
وخرج في هذه الغزوة جماعة من المنافقين، وقد سجل لهم التاريخ موقفين آخرين من مواقف الخزي في هذه الغزوة، أولهما: محاولتهم إثارة الفتنة والعصبية بين المهاجرين والأنصار. وثانيهما: السعي لإيذاء الرسول ﷺ بالطعن في عرضه، حين افتروا على عائشة رضي الله عنها في ما يعرف بحديث الإفك.
حكى زيد بن أرقم رضي الله عنه وجابر بن عبد الله هذا الموقف. قال زيد: «كنت في غَزَاةٍ، فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله ﷺ، حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت لعمي - أو لعمر- فذكره للنبي ﷺ، فدعاني فحدثته، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا. فكذبني رسول الله ﷺ وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ﷺ، ومقتك؟ فأنزل الله تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ﴾ [المنافقون:1] فبعث إليَّ رسول الله ﷺ، فقال: «إن الله قد صَدَّقَكَ يا زيد» [البخاري]، ولهذا قال رسول الله ﷺ عن زيد: «هذا الذي أوفى الله بِأُذُنِهِ» [نفسه]، وفي رواية: «وَفَّتْ أُذُنُكَ يا غُلام». [ابن حجر: الفتح، من مرسل البصري].
أما رواية جابر رضي الله عنه فهي أكثر تفصيلًا، وقد أشارت إلى سبب ما قاله ابن أُبي. قال جابر: «كنا في غزاة فَكَسَعَ[المشهور فيه: ضرب الدبر باليد أو بالرجل] رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: دعوها فإنها منتنة. فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي ﷺ: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة، ثم إن المهاجرين كثروا بعد». [متفق عليه]. [والمهاجري: جهجاه بن مسعود الغفاري - أجير عمر، وقيل: والأنصاري: سنان بن وبر الجهني ابن قيس و: ابن سعيد. انظر الفتح].
وقد وردت روايات قوية [عند الترمذي والنسائي] أخرى تفيد أن ابن أُبي قال هذا الكلام في غزوة تبوك، وهو وهم، والصحيح أنه لم يشهد تبوك. [ابن كثير: التفسير؛ ابن حجر: الفتح].
وأراد الرسول ﷺ أن يعالج هذا الموقف علاجًا عمليًا، فلذا أمر بالرحيل فورًا، وسار بهم بقية يومهم ذلك والليل كله، ثم نهار اليوم التالي، حتى آذتهم الشمس، ثم نزلوا، وناموا من فورهم من شدة الإجهاد، وكل ذلك ليشغل الناس عن الخوض في حديث يمكن أن يؤدي إلى فتنة. [ابن إسحاق، بسند حسن لغيره].
وعندما بلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول ما قاله والده، أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت لا بد فاعلًا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسـي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتل رجلًا مؤمنًا بكافر، فأدخل النار، فقال رسول الله ﷺ: بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا [ابن إسحاق وغيره]. ومنع عبد الله أباه من دخول المدينة حتى يأذن له رسول الله ﷺ بدخولها. [الترمذي، بسند صحيح].
وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه، فقال رسول الله ﷺ لعمر حين بلغه ذلك من شأنهم: «كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت، لَأَرْعَدَتْ له آنُفٌ، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. قال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري». [ابن إسحاق؛ الواقدي].
حاك المنافقون في هذه الغزوة حادثة الإفك، بعد أن فشل كيدهم في المحاولة الأولى لإثارة النعرة الجاهلية، وخلاصتها:
كان قدر عائشة رضي الله عنها أن تخرج في هذه الغزوة مع الرسول ﷺ [البزار، بسند حسن كما في المجمع]. وفي طريق العودة، وقرب المدينة، نزل المسلمون للراحة، فنزلت من هَوْدَجِهَا لبعض شأنها، فلما عادت افتقدت عقدًا لها، فرجعت تبحث عنه. وعندما عادت وجدت الرجال قد حملوا هودجها ووضعوه على بعيرها وهم يحسبونها داخله، لأنها كانت حينذاك خفيفة الوزن. فانتظرت في مكانها، فمر بها صَفْوَان بن المُعَطَّل السُّلَمِي، [كان ثقيل النوم، ولذا تأخر في الرحيل مع الجيش] وعرفها، لأنه كان رآها قبل أن يفرض الحجاب، فحملها على بعيره وانطلق بها إلى المدينة ودخلها بعد دخول الرسول ﷺ.
لقد استغل المنافقون هذه الحالة ونسجوا حولها قصة الإفك، وتولى كبر ذلك عبدالله بن أبي بن سلول. وأغرى بالخوض فيه رجالاً ونساء أمثال: مِسْطَح بن أُثَاثَة وحَمْنة بنت جَحْش وحسان بن ثابت.
واغتم الرسول ﷺ بهذه الإشاعة، وأعلن على الملأ وفي المسجد ثقته بزوجته وبصاحبه ابن المعطل، وأبدى سعد بن معاذ استعداده لقتل من يخوض في هذا الافتراء إن كان من الأوس، ولم يرض سعد بن عبادة الخزرجي هذا القول من سعد، لأن أصابع الاتهام كانت تشير إلى واحد من قوم عبادة، فكادت تقع الفتنة بين الحيين، كما يريدها المنافقون. ولكن الرسول ﷺ فوت عليهم الفرصة مرة أخرى وأطفأ نيران الفتنة.
واستأذنت عائشة النبي ﷺ لتمرض في بيت أبيها عندما لحظت فتور العلاقة بينها وبين الرسول ﷺ، وهناك علمت بخبر الإفك، ففارقها النوم، وهي تنتظر إعلام الله نبيه ببراءتها برؤيا صادقة، وترى أنها أقل شأنًا من أن ينزل في أمرها وحي.
وبعد شهر من معاناتها ومعاناة الرسول ﷺ من هذا الحديث، نزل الوحي بآيات في براءتها وموقف الناس من هذه الفرية: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ۚ ﴾ [النور:11].
وكان أبو بكر ينفق على قريبه مِسْطَح بن أُثَاثَة - ابن خال أبي بكر- فعندما خاض في تلويث سمعة عائشة أقسم ألا ينفق عليه، فنزلت الآية: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ ﴾ [النور:22] إلى قوله: ﴿ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور:22]، فعاد أبو بكر إلى النفقة عليه، رغبة في المغفرة. [متفق عليه].
وعاتب القرآن أولئك النفر الذين وقعوا في حبائل المنافقين: حمنة ومسطح وحسانًا، فقال: ﴿ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴿ ١٢ ﴾ ﴾ [النور:12].
وسجل القرآن ذلك الموقف الرائع لأولئك النفر من المؤمنين الذين وقفوا من هذا الإفك موقف المؤمن اليقظ والواثق ثقة كبيرة بآل بيت النبوة الذين طهروا من الدنس والأرجاس، منهم أبو أيوب الأنصاري وأم أيوب، فقد نزل في هؤلاء قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴿ ١٦ ﴾ ﴾ [النور:16].
روى الواحدي [وابن الجوزي في تفسيريهما] بإسناد متصل إلى عائشة رضي الله عنها في سبب نزول هذه الآية: «كان أبو أيوب الأنصاري حين أخبرته امرأته وقالت: يا أبا أيوب ألم تسمع بما تحدث الناس؟ قال: وما يتحدثون؟ فأخبرته بقول أهل الإفك، فقال: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم، قالت: فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴿ ١٦ ﴾ ﴾ .
وروى البخاري أن رجلًا من الأنصار عندما سمع هذه الفرية، قال: «سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم».
وقال ابن حجر في الشرح: (وقع عند ابن إسحاق أنه أبو أيوب الأنصاري، وأخرجه الحاكم من طريقه، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين، وأبو بكر الآجري في طرق الإفك من طريق عطاء الخراساني عن الزهري عن عروة عن عائشة... ويلحظ أن الآية التي أشار إليها ابن إسحاق هي التي فيها: سبحانك ﴿ هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴿ ١٢ ﴾ ﴾ [النور:12]، وليست التي فيها: ﴿ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴿ ١٦ ﴾ ﴾ [النور:16]. وعمومًا فالمعنى واحد، وقد نزلتا في وقت واحد وبمناسبة واحدة، فليس ببعيد أن من بين أسباب نزولها موقف أبي أيوب وأم أيوب. وقد وافق الواقدي ابن إسحاق، وزاد بصيغة التمريض أنها نزلت في أم الطفيل وزوجها أُبَي بن كعب.
وفي تفسير سُنَيد من مرسل سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في أمر عائشة، قال: « ﴿ سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴿ ١٦ ﴾ ﴾ [النور:16]» [ابن حجر: الفتح].
وخلاصة الأمر أن رواية الواحدي تتقوى برواية الآجري وابن إسحاق والواقدي، ويكون الخبر على أقل تقدير حسنًا لغيره [قريبي: مرويات غزوة بني المصطلق].
وأقام الرسول ﷺ حد القذف على حسان ومسطح وحمنة، أما عبد الله بن أبي ابن سلول الذي تولى كبر الإفك فلم يقم عليه الحد، لأنه لم يترك دليلًا ضده، إذا كان يستوشيه - أي يستخرجه بالبحث والمسألة ثم يفشيه ويشيعه ويحركه، ولا يدعه يخمد. [مسلم].
وعندما عاد الرسول ﷺ جاءته جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، وذكرت له مكانتها في قومها، وطلبت منه أن يعينها في قضاء كتابها لعتق رقبتها من ثابت بن قيس ابن الشَّمَّاس، الذي وقعت في سهمه. فعرض عليها الرسول ﷺ أن يقضـي عنها كتابتها ويتزوجها فقبلت.
فلما علم الناس بذلك أعتقوا من بأيديهم من السبي، وهم مائة أهل بيت، إكرامًا لإصهار الرسول ﷺ فيهم، «فما كانت امرأة أعظم على قومها بركة منها» [ابن إسحاق؛ بسند حسن]. وكان عتقها صداقها، كما هو واضح من الخبر.
وقدم والدها الحارث إلى المدينة وطلب من الرسول ﷺ أن يخلي سبيلها، فأذن له أن يخيرها، فاختارت البقاء مع رسول الله ﷺ. [تاريخ ابن خياط، بسند مرسل رجاله ثقات].
وأسلم الحارث بن أبي ضرار وقومه، وولاه الرسول ﷺ على صدقات قومه. [أحمد: المسند، بسند حسن].
1- مشروعية تقسيم الغنائم بين المقاتلين بعد استثناء السلب والخمس من الغنيمة.
2- دلت معالجة الرسول ﷺ للمشكلة التي حاول ابن سلول استغلالها على حسن سياسة الرسول ﷺ في تدبير الأمور وتجنب المشاكل وتفويت الفرص على المغرضين المندسِّين بين صفوف المؤمنين. وكان نتيجة ذلك أن جافى ابن سلول قَوْمُهُ، فكانوا هم الذين يعنفونه ويفضحون دسائسه.
كانت قصة الإفك حلقة من سلسلة فنون الإيذاء والمحن التي لقيها رسول الله ﷺ من أعداء الدين. وكان من لطف الله تعالى بنبيه وبالمؤمنين أن كشف الله زيفها وبطلانها، وسجل التاريخ بروايات صحيحة مواقف المؤمنين من هذه الفرية، لا سيما موقف أبي أيوب وأم أيوب، وهي مواقف يتأسى بها المؤمنون عندما تعرض لهم في حياتهم مثل هذه الفرية. فقد انقطع الوحي، وبقيت الدروس التي تركها لنا لنستفيد منها ونقوم بها المواقف المماثلة.
4- جاءت محنة الإفك منطوية على حكمة إلهية استهدفت إبراز شخصية النبي ﷺ وإظهارها صافية مميزة عن كل ما يلتبس بها، فلو كان الوحي أمرًا ذاتيًا غير منفصل عن شخصية الرسول ﷺ لما عاش الرسول ﷺ تلك المحنة بكل أبعادها شهرًا كاملًا. ولكن الحقيقة التي تجلت للناس بهذه المحنة أن ظهرت بشـرية الرسول ﷺ ونبوته. فعندما حسم الوحي اللغط الذي دار حول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عادت المياه إلى مجاريها بينها وبين الرسول ﷺ، وفرح الجميع بهذه النتيجة بعد تلك المعاناة القاسية، فدل ذلك على حقيقة الوحي، وأن الأمر لو لم يكن من عند الله تعالى لبقيت رواسب المحنة في نفس الرسول ﷺ بصفة خاصة، ولا نعكس ذلك على تصـرفاته مع زوجته عائشة رضي الله عنها. وهكذا شاء الله أن تكون هذه المحنة دليلًا كبيرًا على نبوة محمد ﷺ.
5- بينت هذه القصة مشروعية حد القذف الذي أقيم على من ثبتت إدانته، وبينت حرمة قذف المحصنات المؤمنات، وكذا المحصن المؤمن، وإنه من كبائر الذنوب، وعقوبته ثمانون جلدة.
6- بيان مشروعية الاقتراع والأخذ بنتائجه بدل التخيير لما فيه من تطييب النفوس، كما في خبر اقتراع الرسول ﷺ بين نسائه عند السفر.
7- مشروعية أخذ المجاهد امرأته للجهاد إذا كانت الظروف مواتية لذلك.
8- إن نزول ست عشرة آية من سورة النور، تبدأ بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ۚ ﴾ [النور:11] وتنتهي بقوله تعالى: ﴿ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ [النور:26] وهي في تكذيب من قذف عائشة، ومن أبرز الأدلة على فضل عائشة ولم يقع في القرآن الكريم التغليظ في معصية مثلما وقع في قصة الإفك [انظر ابن حجر: الفتح (18/86)].