حجم الخط:

محتوى الدرس (34)

الفصل العاشر: غزوة الخندق (الأحزاب) أحداث ونتائج

تاريخ الغزوة:

وقعت هذه الغزوة في شوال سنة خمس كما قال ابن إسحاق ومن تابعه، وهو قول الجمهور، وقال الواقدي إنها وقعت في يوم الثلاثاء الثامن من ذي القعدة في العام الخامس الهجري، وقال ابن سعد إن الله استجاب لدعاء الرسول فهزم الأحزاب يوم أربعاء من شهر ذي القعدة سنة خمس من مهاجره. ونقل عن الزهري ومالك ابن أنس وموسى بن عقبة أنها وقعت سنة أربع هجرية. [البخاري].

سبب الغزوة:

لم تضع الحرب أوزارها بين مشركي مكة والمسلمين إلا بعد فتح مكة في العام الثامن الهجري، ولذا فمن البدهي أن تحاول قريش في كل مرة القضاء على قوة المسلمين التي ترى فيها تهديدًا مستمرًا لطرق قوافلها وخطرًا على مكانتها بين العرب.

أرادت قريش في هذه المرة أن تحسم هذا الصراع مع المسلمين لصالحها، فحشدت له أكبر قوة ممكنة، حيث لجأت إلى التحالف مع كل من له مصلحة في القضاء على المسلمين. ووجدوا أكبر ضالة لهم في يهود بني النضير الذين أجلوا عن المدينة، ووجد اليهود ضالتهم في قريش، فقد التقت أهداف الفريقين، وهو القضاء على المسلمين.

كان أول ما فكر فيه زعماء بني النضير الذين خرجوا إلى خيبر أن يتصلوا بقريش والقبائل الأخرى للثأر لأنفسهم والطمع في العودة إلى ديارهم وأملاكهم في المدينة. فخرج وفد منهم إلى مكة، منهم: سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وكنانة بن أبي الحقيق النضريون، وهوذة بن قيس وأبو عمار الوائليان، في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل، فدعوا قريشًا إلى حرب رسول الله ووعدوهم بالقتال معهم، حتى يستأصلوه، وأفتوهم بأن دينهم خير من دين محمد ، وأنهم أولى بالحق منه، وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ﴿ ٥١ [النساء:51] [ابن إسحاق، والبداية وتفسير الطبري]. ثم اتجهوا بعد هذا إلى قبيلة غطفان النجدية الكبرى، وأغروها بالتحالف معهم ومع قريش على حرب المسلمين [ابن كثير في التفسير من حديث ابن إسحاق بسند حسن]، على أن يكون لهم نصف ثمر خيبر، إذا اشتركت معهم في الحرب، [الواقدي]. وكان وافدهم إلى غطفان كِنَانة بن الرَّبيع بن أبي الحُقَيق، فأجابه عُيَينَة ابن حِصْن الفَزَاري إلى ذلك. [البيهقي في الدلائل، وابن حجر في الفتح من حديث ابن عقبة].

وكتب المشركون إلى حلفائهم من بني أسد، فأقبل إليهم طلحة بن خويلد فيمن أطاعه، وخرج أبو سفيان بقريش ومن اتبعه من قبائل العرب، فنزلوا بمر الظهران؛ فجاءهم من أجابهم من بني سليم مددًا لهم بقيادة سفيان بن عبد شمس، والد أبي الأعور [المصدرين نفساهما]، وبنو مرة بقيادة الحارث بن عوف، وأشجع بقيادة مِسْعَر بن رُخَيْلَة [ابن إسحاق]. وسارت مع قريش الأحابيش [قبائل تحالفت عند جبل حبشي] ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة [نفسه]، فصاروا في جمع عظيم، فهم الذين سماهم الله تعالى الأحزاب [ابن هشام]، وذكر ابن إسحاق أن عدتهم عشـرة آلاف بينما كان المسلمون ثلاثة آلاف.

تحرك هذا الجيش العرمرم من مر الظهران في طريقه إلى المدينة. فنزلت قريش ومن سار معها بمجتمع الأَسْيَال من رُومة، بين الجُرُف وزُغابة. ونزلت غطفان بذَنب نَقْمِي إلى جانب أحد [ابن إسحاق]، ونزل معهم بنو أسد. [البيهقي في الدلائل وابن حجر في الفتح من حديث ابن عقبة].

فلما سمع بهم رسول الله وما أجمعوا له من الأمر، استشار الصحابة، وقد أشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق [ابن سعد؛ الواقدي، ابن حجر: الفتح من حديث أبي معشر] في المنطقة الوحيدة المكشوفة أمام الغزاة، أما الجهات الأخرى فكانت كالحصن تتشابك فيها الأبنية وأشجار النخيل وتحيطها الحَرَّات التي يصعب على الإبل والمشاة التحرك فيها. [البيهقي: الدلائل؛ ابن حجر: الفتح من حديث ابن عقبة مرسلًا].

ووافق الجميع على هذه الفكرة لعلمهم بكثرة الجموع القادمة لحربهم، وشرعوا في حفر الخندق الذي يمتد من أجم الشيخين طرف بن حارثة شرقًا حتى المَذاذ غربًا، وكان طوله خمسة آلاف ذراع، وعرضه تسعة أذرع، وعمقه من سبعة أذرع إلى عشـرة. وكان على كل عشرة من المسلمين حفر أربعين ذراعًا [تفسير الطبري؛ المجمع، فتح الباري، تعتضد]. حفر المهاجرون من ناحية حِصْن رَاتِج في الشرق إلى حصن ذُباب، والأنصار من حصن ذُباب إلى جبل بني عُبَيْد في الغرب. [أحمد: المسند؛ ابن سعد؛ الواقدي].

وكان طعامهم أثناء الحفر القليل من الشعير يخلط بدهن متغير الرائحة لقدمه، ويطبخ فيأكلونه على الرغم من بشاعة طعمه في الحلق ورائحته المُنْتِنَة، وذلك لشدة جوعهم [البخاري]. وحتى هذا لا يجدونه أحيانًا فيأكلون التمر [ابن إسحاق]، وأحيانًا لا يجدون هذا ولا ذاك لمدة ثلاثة أيام متتالية، إلى الحد الذي يعصب فيه النبي بطنه بحجر من شدة الجوع [البخاري].

وشارك جميع المسلمين في الحفر، لا فرق بين غني وفقير ومولى وأمير، وأسوتهم في ذلك الرسول الذي حمل التراب حتى اغبر بطنه ووارى التراب جلده؛ وكان الصحابة يستعينون به في تفتيت الصخرة التي تعترضهم ويعجزون عنها، فيفتتها لهم [متفق عليه].

ويردد معهم الأهازيج والأرجاز لتنشيطهم للعمل، فيقول:

«اللهم لولا أنت ما اهتدينا

فأنزلن سكينة علينا

إن الأُلى قد بغوا علينا

ولا تصدقنا ولا صلَّينا

وثبِّت الأقدام إن لاقينا

وإن أرادوا فتنة أبينا»

وكان يمد بها صوته بآخرها [متفق عليه].

ويرتجز المسلمون وهم يعملون:

«نحن الذين بايعوا محمدا

على الإسلام ما بقينا أبدا»

فيجيبهم بقوله:

«اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة» [متفق عليه]. وربما يبدؤهم بقوله فيردون عليه بقولهم. [نفسه].

من دلائل النبوة أثناء حفر الخندق:

أجرى الله سبحانه وتعالى على يدي نبيه محمد عدة معجزات أثناء حفر الخندق، ومن ذلك:

1- عندما لحظ جابر بن عبد الله رضي الله عنه ما يعانيه الرسول من الجوع، استأذنه وذهب إلى زوجته وأخبرها بما رأى من المَخْمَصَة[الجوع] على الرسول وطلب منها أن تصنع له طعامًا، فذبح عَنَاقًا له وطحنت زوجه صاعًا من شعير بقي لهما، وصنعت بُرْمَة، وذهب جابر فدعا النبي إلى الطعام وسارره بكمية الطعام، وأنه طُعَيم يكفي لرجل أو رجلين، فدعا النبي كل من كان حاضرًا وعددهم ألف، وتحير جابر وزوجته، لكن الله سبحانه وتعالى بارك في البرمة، فأكل منها كل الناس حتى شبعوا وتركوا فيها الكثير الذي أكل منه أهل جابر وأهدوا. [متفق عليه].[وانظر التفاصيل في المصدرين].

2- أخبر عمار بن ياسر، وهو يحفر معهم الخندق، بأن ستقتله الفئة الباغية، فقتل في صفين، وكان في جيش علي [مسلم].

3- وعندما اعترضت صخرة للصحابة وهم يحفرون، ضربها الرسول ثلاث ضربات فتفتت. قال إثر الضـربة الأولى: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة؛ ثم ضربها الثانية، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض؛ ثم ضرب الثالثة، وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة». [أحمد: المسند وضعفه محققوالموسوعة الحديثية (18694)؛ النسائي، بسند حسن وأصله عند البخاري (4098) ومسلم (1803)].

وفي هذا الحديث بشارة بأن هذه المناطق سيفتحها المسلمون مستقبلًا، وهو ما حدث فعلاً، وكان موقف المؤمنين من هذه البشارة ما حكاه القرآن الكريم: ﴿ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴿ ٢٢ [الأحزاب:22]، وموقف المنافقين الذين سخروا من البشارة: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴿ ١٢ [الأحزاب: 12] [قال الواحدي: (وزعم ابن السائب أن القائل مُعَتِّب بن قُشَيْر)].

وصورت الآيات من [13 إلى 20] من سورة الأحزاب نفسية المنافقين تصويرًا دقيقًا، وحكت أقوالهم في الإرجاف والتخذيل، وأساليبهم في التهرب من العمل في حفر الخندق وجهاد العدو.

ومع تخذيل المنافقين وقلة الطعام وشدة البرد، فقد تم حفر الخندق ليكون خط دفاع متين؛ ثم جمع النساء والأطفال وأصحاب الأعذار في حصن فَارع [مسلم]، وهو لبني حارثة، لأنه كان أمنع حصون المسلمين آنذاك. [ابن إسحاق؛ الطبراني، برجال ثقات كما في المجمع؛ الواقدي].

وكانت خطة المسلمين أن يكون ظهرهم إلى جبل سَلْعٍ داخل المدينة [ابن إسحاق] ووجوههم إلى الخندق الذي يحجز بينهم وبين المشركين الذين نزلوا رومة بين الجرف والغابة ونقمى. [الطبري: التفسير، من مرسل عروة].

وعندما نظر الرسول في حال العدو وحال المسلمين ورأى ضعف المسلمين وقوة المشركين، أراد أن يكسر شوكة المشركين، فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة زعيمي الأنصار، فاستشارهما في الصلح الذي عرضته عليه قبيلة غطفان، وهو أن يعطوا ثلث ثمار المدينة لعام كي ينصرفوا عن قتال المسلمين، ولم يبق إلا التوقيع على صحيفة الصلح، فقالا له: «لا والله ما أعطينا الدنية من أنفسنا في الجاهلية فكيف وقد جاء الله بالإسلام». وفي رواية الطبراني أنهما قالا: «يا رسول الله: أوحي من السماء فالتسليم لأمر الله، أو عن رأيك أو هواك؟ فرأينا تبع هواك ورأيك، فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا، فو الله لقد رأيتنا وإياهم على سواء، ما ينالون منا ثمرة إلا شراء أو قرى». فقطع رسول الله المفاوضة مع الأعراب الذين كان يمثلهم الحارث الغطفاني، قائد بني مُرَّة. [البزار والطبراني، بإسنادين حسنين؛ ابن إسحاق؛ ابن سعد؛ ابن أبي شيبة في المصنف].

وفي الجانب الآخر أراد يهود بني النضير أن يجروا معهم إخوانهم يهود بني قريظة إلى نقض العهد والغدر بالمسلمين والوقوف مع الأحزاب. فأوفدوا حييًا بن أخطب للقيام بهذه المهمة. فجاء حيي إلى كعب بن أسد القرظي. وبعد حوار طويل بينهما أقنعه بنقض العهد مع المسلمين بحجة قوة الأحزاب ومقدرتهم على استئصال المسلمين، وأغراه بأن يدخل معه حصنه عندما ينصرف الأحزاب، بعد أداء مهمتهم. [ابن إسحاق؛ البيهقي: الدلائل، من حديث ابن عقبة].

وكان يومًا عصيبًا من الدهر، ذلك اليوم الذي علم فيه المسلمون نقض بني قريظة ما بينهم وبين المسلمين من عهد. وتكمن خطورة ذلك في موقعهم الذي يمكنهم من تسديد ضربة غادرة للمسلمين من الخلف. فقد كانت ديارهم في العوالي، إلى الجنوب الشرقي للمدينة على وادي مهزور. [الحموي: معجم البلدان].

لقد أتاه الزبير بما يدل على غدرهم، ويومها قال له الرسول : «فداك أبي وأمي، إن لكل نبي حواريًا، وحواريِّي الزبير» [متفق عليه]. ولزيادة الحيطة والحذر والتأكد من مثل هذه الأمور الخطيرة، أرسل الرسول سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعبد الله بن رواحة وخَوَّات بن جُبَيْر، فجاءوا إلى بني قريظة وتحدثوا معهم، ووجدوهم قد نكثوا العهد ومزقوا الصحيفة التي بينهم وبين الرسول إلا بني سَعْيَة [ابن إسحاق]، فإنهم جاؤوا إلى المسلمين وفاء بالعهد. وعاد رسل المسلمين إلى الرسول بالخبر اليقين. [ابن إسحاق؛ دلائل البيهقي، من حديث ابن عقبة؛ ابن سعد؛ الواقدي].

وعندما شاع هذا الخبر خاف المسلمون على ذراريهم من بني قريظة [نفسه]، ومروا بوقت عصيب وابتلاء عظيم. ونزل القرآن واصفًا هذه الحالة: ﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ﴿ ١٠ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴿ ١١ [الأحزاب: 10-11]. [ابن إسحاق؛ الطبري: التفسير، والأسانيد تعتضد].

فالذين جاؤوهم من فوقهم هم الأحزاب، وبنو قريظة من أسفل منهم، والذين ظنوا بالله الظنونا هم المنافقون. أما المؤمنون فقد صمدوا لهذا الامتحان. واتخذوا كل الوسائل الممكنة لاجتياز الامتحان، فنظموا فرقًا للحراسة، فكان سلمة بن أسلم الأوسي أميرًا لمائتي فارس وزيد بن حارثة أميرًا لثلاثمئة فارس، يطوفون المدينة ويكبرون لإشعار بني قريظة باليقظة حتى لا تحدثهم أنفسهم بأن يغدروا بالذرية التي في الحصون. [ابن سعد؛ الواقدي].

وعندما وصلت الأحزاب المدينة فوجئوا بوجود الخندق، فقاموا بعدة محاولات لاقتحامه، ولكنهم فشلوا لأن المسلمين كانوا يمطرونهم بوابل سهامهم كلما هموا بذلك، ولذا استمر الحصار لمدة أربع وعشرين ليلة. [ابن سعد، من مرسل ابن المسيب، وهو قوي].

وذكر ابن إسحاق وابن سعد أن بعض المشركين اقتحموا الخندق، وعد ابن إسحاق منهم: عَمُرو بن عبد وُدّ، وعكرمة بن أبي جهل، وهُبَيْرَة بن أبي وهب، وضِرَار ابن الخَطَّاب الشاعر بن مِرْدَاس، وزاد ابن سعد واحدًا على هؤلاء وهو: نَوْفَل ابن عبد الله. وذكر أن عليًا بارز عمرو بن عبد ود - فارس قريش- وقتله، وأن الزبير قتل نوفلًا المخزومي، وأن الثلاثة الآخرين فروا إلى معسكرهم.

وظلت مناوشات المشركين للمسلمين وتراشقهم معهم بالنبل دون انقطاع طيلة مدة الحصار، حتى إنهم شغلوا المسلمين يومًا عن أداء صلاة العصـر، فصلوها بعد الغروب [البخاري]. وذلك قبل أن تشرع صلاة الخوف، حيث شرعت في غزوة ذات الرقاع [البخاري] على رأي من يرى أن ذات الرقاع كانت بعد غزوة الخندق.

وقتل في هذه المناوشات ثلاثة من المشـركين واستشهد ستة من المسلمين [ابن إسحاق؛ ابن سعد، الواقدي] منهم سعد بن معاذ، الذي أصيب في أَكْحَلِهِ- عِرْقٌ في وسط الذراع- رماه حِبَّان بن العَرِقَة. وقد نصبت له خيمة في المسجد ليعوده الرسول من قريب، ثم مات بعد غزوة بني قريظة، حين انتقض جرحه [البخاري]. وكانت تقوم على تمريضه رُفَيدة الأسلمية [ابن إسحاق]. وكان قد دعا الله أن يبقيه لحرب قريش إن كان قد بقي منها شيء ليجاهد فيهم وأن يفجر جرحه فيموت إن كان الله قد وضع الحرب بين قريش والمسلمين - إشارة - إلى هذه الحرب. فانفجر جرحه، فكان سبب موته [البخاري] وزاد ابن إسحاق أنه دعا الله قائلًا: «ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة».

وكان شعار أصحاب رسول الله يوم الخندق وبني قريظة: «حم، لا ينصـرون» [ابن إسحاق؛ أبو داود؛ الترمذي؛ أحمد: المسند؛ الحاكم؛ ويصح الخبر بشواهده ومتابعته].

لقد كفى الله المؤمنين القتال فهزم الأحزاب بوسيلتين: الأولى: تسخير الله نُعَيْم ابن مسعود ليخذِّل الأحزاب، والثانية: الرياح الهوجاء الباردة.

1- دور نُعَيْم بن مسعود:

روى ابن إسحاق والواقدي وعبد الرزاق وموسى بن عقبة [البيهقي: الدلائل، مرسلًا عن الزهري] أن نعيم بن مسعود الغطفاني، أتى النبي مسلمًا وعرض عليه أن يقوم بتنفيذ أي أمر يريده النبي فقال له : «إنما أنت رجل واحد فينا، ولكن خذل عنا إن استطعت. فإن الحرب خُدْعَة». [والحرب خدعة حديث متفق عليه].

وقبل أن يُعرف إسلام نعيم، أتى بني قريظة، فأقنعهم بعدم التورط مع قريش في قتال حتى يأخذوا منهم رهائن، لكيلا يولوا الأدبار، ويتركوهم وحدهم يواجهون مصيرهم مع المسلمين بالمدينة. ثم أتى قريشًا فأخبرهم أن بني قريظة قد ندموا على ما فعلوا، وأنهم قد اتفقوا سرًا مع رسول الله على أن يختطفوا عددًا من أشراف قريش وغطفان فيسلموهم له ليقتلهم دليلًا على ندمهم، وقال لهم: فإن أرسلت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنًا من رجالكم فإياكم أن تسلموهم رجلًا منكم. ثم أتى غطفان وقال لهم مثل الذي قاله لقريش. وبذلك زرع بذور الشك بينهم. وأخذ كل فريق يتهم الفريق الآخر بالخيانة.

2- معجزة الرياح والبرد:

هبت ريح هوجاء في ليلة مظلمة باردة، فقلبت قدور المشركين، واقتلعت خيامهم، وأطفأت نيرانهم، ودفنت رحالهم، فما كان من أبي سفيان إلا أن ضاق بها ذرعًا فنادى في الأحزاب بالرحيل [ابن سعد؛ البيهقي: الدلائل، من مرسل ابن عقبة]. وكانت هذه الريح من جنود الله عز وجل الذين أرسلهم على المشركين، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴿ ٩ [الأحزاب:9].

وروى مسلم بسنده عن حذيفة بن اليمان طرفًا مما حدث في تلك الليلة الحاسمة، قال حذيفة: «لقد رأيتنا مع رسول الله ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدةٌ وَقُرٌّ، فقال رسول الله : «ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة»، فسكتنا فلم يجبه منا أحد،... (ردد ذلك ثلاثًا) ثم قال: قم يا حذيفة فَأْتِنا بخبر القوم، فلم أجد بُدًّا إذ دعاني باسمي أن أقوم. قال: اذهب فأتني بخبر القوم ولا تَذْعَرْهُمْ عليَّ. فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حَمَّام، حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يُصْلي ظهره بالنار، فوضعت سهمًا في كَبِدِ القوس، فأردت أن أَرْمِيَهُ، فذكرت قول رسول الله : «ولا تَذْعَرْهُمْ عليَّ»، ولو رَمَيْتُهُ لأصبته، فرجعت، وأنا أمشي في مثل الحمام. فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم، وفَرَغْتُ، قُرِرْتُ، فألبسني رسول الله من فَضْلِ عَبَاءَةٍ كانت عليه يصلي فيها. فلم أزل نائمًا حتى أصبحت، فلما أصبحت قال: قُمْ يا نَوْمَانُ».

وزاد ابن إسحاق [من مرسل القرظي] في روايته لهذا الخبر: «... فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تُقِرُّ لهم قِدْرًا ولا نارًا ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه؟ فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جانبي فقلت له: من أنت؟ قال: فلان بن فلان. ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون... فارتحلوا فإني مرتحل».

وفي رواية الحاكم [صححها ووافقه الذهبي] والبزار [برجال ثقات، كما في المجمع]: «... فانطلقت إلى عسكرهم فوجدت أبا سفيان يوقد النار في عُصْبَة حوله، قد تفرق الأحزاب عنه، حتى إذا جلست فيهم فحسب أبو سفيان أنه دخل فيهم من غيرهم، قال: ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه، فضربت بيدي على الذي يميني وأخذت بيده، ثم ضربت بيدي على الذي عن يساري فأخذت بيده، فلبثت هُنَيهة، ثم قمت فأتيت رسول الله ... قلت: يا رسول الله، تفرق الناس عن أبي سفيان، فلم يبق إلا عصبة توقد النار قد صب الله عليه من البرد مثل الذي صب علينا، ولكنا نرجوا من الله ما لا يرجون».

وختم الله هذا الامتحان الرهيب بهذه النهاية السعيدة، وجنَّب المسلمين شر القتال، قال تعالى معلقًا على هذه الخاتمة: ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ﴿ ٢٥ [الأحزاب:25].

وكانت هذه الخاتمة استجابة لضراعة النبي إلى الله أثناء محنة الحصار: «اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم». [مسلم].

لقد بذلت الأحزاب أقصى ما يمكنهم لاستئصال المسلمين، ولكن الله عز وجل ردهم خائبين، وهذا يعني أنهم لن يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا في المستقبل، ولذا قال الرسول : «الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم». [البخاري] وهذا عَلَمٌ من أعلام النبوة، لأن الذي حدث بعد هذا هو ما ذكره الرسول .

حكم وعبر في غزوة الخندق:

1- إن حفر الخندق يدخل في مفهوم المسلمين لقوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60]، فينبغي على المسلمين اتخاذ وسائل القوة المتاحة مهما كان مصدرها، لأن الحكمة ضالة المؤمن، فحيثما وجدها التقطها.

2- لقد ضرب الرسول المثل الأعلى للحكام والمحكومين في العدالة والمساواة وعدم الاستئثار بالراحة يوم وقف جنبًا إلى جنب مع أفراد جيشه ليعمل بيده في حفر الخندق. وهذه هي صفة العبودية الحقة التي تجلت في شخصية الرسول .

3- أعطى الرسول مثلًا آخر على رأفته بالمؤمنين، يوم شاركهم في حفر الخندق ويوم أشركهم معه في طُعَيم جابر، ولم يستأثر به مع قلة من الصحابة. وفي ضوء هذه المعاني يفهم قول الله تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿ ١٢٨ [التوبة:128].

4- إن مجموعة المعجزات التي أجراها الله على يد نبيه محمد أيام الخندق، سواء التي كانت في حفر الخندق أو تكثير طعيم جابر أو الرياح التي كانت نقمة على المشركين، لهي مجموعة أخرى في سلسة المعجزات الكثيرة التي أيد الله بها نبيه، ليقطع الحجة لدى المعاندين من المنافقين والمشركين وكل صنف من أصناف أعداء الدين. وقد أفردنا فصلًا لها.

5- إن الحكمة في استشارته لبعض أصحابه في الصلح الذي اقترحته غطفان على الرسول ، هو أن الرسول كان يريد أن يطمئن إلى مدى ما يتمتع به أصحابه من القوة المعنوية والاعتماد على نصر الله عز وجل وتوفيقه على الرغم من ذلك الذي فوجئوا به من اجتماع أشتات المشركين عليهم في كثرة ساحقة، إلى جانب خذلان بني قريظة للمسلمين ونقض مواثيقهم معهم.

6- وأما الدلالة التشريعية في هذه الاستشارة، فهي محصورة في مجرد مشروعية مبدأ الشورى في كل ما لا نص فيه. وهي بعد ذلك لا تحمل أي دلالة على جواز صرف المسلمين أعداءهم عن ديارهم إذا ما اقتحموها، باقتطاع شيء من أرضهم أو خيراتهم لهم. إذ إن مما هو متفق عليه في أصول الشريعة الإسلامية أن الذي يحتج به من تصرفاته إنما هو أقواله، وأفعاله التي قام بها، ثم لم يرد اعتراض عليها من الله في كتابه العزيز.

وليس في هذه الاستشارة دليل على جواز دفع المسلمين الجزية إلى أعدائهم. أما إذا ألجئوا إلى اقتطاع جزء من أموالهم فعليهم التربص بأعدائهم لاسترداد حقهم المسلوب. [انظر: البوطي: السيرة].

7- عندما شغل المشركون الرسول وأصحابه عن صلاة العصر، صلوها قضاء بعد المغرب، وفي هذا دليل على مشروعية قضاء الفائتة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة