الفصل الحادي والعشرون: غزوتا حنين والطائف
أقام النبي ﷺ بمكة عام الفتح (تسعة عشر يومًا) [البخاري]، حتى جاءت هوازن وثقيف، فنزلوا بحنين يريدون قتال النبي ﷺ، وكانوا قد جمعوا له قبل ذلك حين سمعوا بمخرج رسول الله ﷺ من المدينة، وهم يظنون أنه إنما يريدهم، فلما أتاهم أنه قد نزل مكة، أخذوا في الاستعداد وحشد القوات لمواجهته [تاريخ الطبري، من مرسل عروة، الذهبي: المغازي، حسن]، وقبل أن يهاجمها، وقد أرادوها موقعة حاسمة، ولذا حشدوا الأموال والنساء والأبناء حتى لا يفر أحدهم ويترك أهله وماله. وكان يقودهم مالك ابن عَوف النصـري، واستنفروا معهم غطفان وغيرها [متفق عليه]. وممن جمعهم ابن عوف: بنو نصر - قومه - وبنو جُشَم وبنو سعد بن بكر وجماعات متفرقة من بني هلال، وهم قليل، وناس من بني عمرو بن عامر وعوف بن عامر، وثقيف كلها في أحلافها، وبنو مالك [الذهبي، حسن؛ الحاكم، صحيح]، وتخلف عنهم من هوازن كعب وكلاب. [الذهبي، حسن؛ ابن إسحاق].
وخرج على رأس بني جُشَم يومذاك دُرَيْد بن الصِّمَّة، وكان شيخًا كبيرًا، ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه، لأنه كان شيخًا مجربًا عارفًا بالحرب، فأنكر على مالك النصـري الخروج بالنساء والأطفال والأموال، إذ يرى أن المنهزم لا يرده شيء، فلم يعمل مالك برأي دريد. وقال دريد في شأن غياب كعب وكلاب: «غَابَ الحَدُّ والجد ولو كان يَوْمَ عَلاءٍ ورِفْعَة لم تغب عنه كعب ولا كلاب، وَلَوَدِدْتُ أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب...» وذكرت له أقوال أخرى تدل على تجربته في الحروب وتوقعه الهزيمة لقومه، لأن الرأي كان لمالك، وهو صغير السن - 30سنة - غير مجرب، بل اتهم مالك دريدًا بأنه كبر وقل علمه، وأقسم على هوازن بأن تطيعه هو وإلا انتحر، فأطاعوه، فأمرهم أن يكسروا جفون سيوفهم إذا رأوا المسلمين، ثم يشدوا شدة رجل واحد. [نفسه].
وكانت خطة مالك في الحرب أن رتب جيشه في صفوف حسنة، وقدم الخيل ثم الرجالة ثم النساء ثم الأغنام ثم الإِبل [مسلم]، وقد بلغ جيشه عشرين ألفًا [الواقدي]، فسار بهم إلى الرسول ﷺ.
فلما سمع بهم رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن أبي حَدْرَد الأسلمي ليأتيهم ويدخل فيهم ويعلمه خبرهم، فجاءهم ومكث فيهم يومًا أو اثنين، ونقل خبرهم إلى الرسول ﷺ [مغازي الذهبي، حسن؛ الحاكم، صحيح].
ولعل هذا الخبر الذي نقله ابن أبي حدرد إلى الرسول ﷺ هو الذي تبسم له الرسول ﷺ وعلق عليه بقوله: «تلك غنيمة المسلمين غدًا - إن شاء الله». وذلك عندما اقتربوا من العدو. [أبو داود، حسن].
وبعد جمع المعلومات العسكرية المطلوبة استعد الرسول ﷺ لمواجهتهم، فاستعار من يَعْلى بن أمية ثلاثين بعيرًا وثلاثين درعًا واستعار مائة درع من صَفْوَان بن أمية وأعادها إليه بعد غزوة حنين، وشكره على ذلك [الذهبي: المغازي، حسن؛ الحاكم، صحيح]. ويروى أنه استقرض من حُوَيْطِبَ عبد العُزَّى أربعين ألف درهم [الاستيعاب]، وتقبل معونة قدرها ثلاثة آلاف رمح من نَوْفَل بن الحارث بن عبد المطلب [نفسه].
وبعد أن أقام الرسول ﷺ بمكة تسعة عشر يومًا [البخاري]، خرج إلى حنين لستٍّ خلت من شوال، وقيل لليلتين بقيتا من رمضان، وجمع بعضهم بأنه بدأ بالخروج في أواخر رمضان وسار سادس شوال وكان وصوله إليها في عاشره [البيهقي السنن الكبرى، النسائي، ابن حجر: الفتح] واستعمل عَتَّاب بن أَسِيْد بن أبي العِيْص أميرًا على مكة. [البخاري: التاريخ الكبير، حسب؛ ابن هشام، يعتضد؛ الإصابة].
وقد ثبت في الصحيحين أن الطلقاء قد خرجوا معه إلى حنين، دون تحديد لعددهم، وقال أهل المغازي إنه خرج معه ألفان من أهل مكة - الطلقاء - مع عشـرة آلاف، من أصحابه الذين خرجوا معه لفتح مكة، فأصبحوا اثني عشـر ألفًا [الذهبي: المغازي، حسن]، وهو أكبر جيش إسلامي يخرج في حياة الرسول ﷺ إلى ذلك الحين، ولهذا ساد شعور عند بعض الناس أنهم لن يغلبوا من قلة، وعبر أحدهم [الواقدي، ابن إسحاق؛ دلائل البيهقي] عن هذا الشعور جهرة، وشق ذلك على رسول ﷺ، فعاتبهم القرآن وذكرهم بعدم الاتكال إلا على الله وحده، وإلا وكلهم إلى أنفسهم، ولقنهم درسًا بليغًا في هذا الشأن، فقال تعالى: ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴿ ٢٥ ﴾ ﴾ [التوبة:25] [دلائل البيهقي؛ له أصل] وحكى لهم الرسول ﷺ قصة نبي أعجبته كثرة أمته، فسلَّط الله عليهم الموت. [الدارمي؛ أحمد ، صحيح].
وعندما اقترب الرسول ﷺ من حُنين وحضرتهم صلاة العشاء، أمر أحد الصحابة بمراقبة العدو من فوق أحد الجبال المطلة على وادي حنين، فأدى الصحابي المهمة، ونقل إلى الرسول ﷺ خبرهم، وأنهم قد خرجوا بظعنهم ونعمهم وشائهم واجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «تلك غنيمة المسلمين غدًا - إن شاء الله تعالى»، وعندما حانت ساعة النوم تطوع أنس بن أبي مَرْثَد الغَنَوي بحراستهم إلى الفجر، فأثنى عليه النبي ﷺ ووعده بالجنة. [أبو داود، صحيح].
وفي الطريق إلى حنين رأى بعض الطلقاء شجرة يعلق عليها المشـركون أسلحتهم تعرف بذات أَنْوَاط، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ فقال: «سبحان الله، هذا كما قال قوم موسى: ﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ ﴾ [الأعراف:138]، والذي نفسي بيده لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم» [ابن إسحاق، حسن؛ أحمد، ابن حبان] وفي هذا دليل على أن قلوب هؤلاء لم تشرب الإِسلام بعد، لحداثة عهدهم به، بل روي أن ثمانين من الطلقاء قد خرجوا وهم على الكفر [مواهب القسطلاني، وشرحه للزرقاني]، وإذا كان الحال كذلك فلا غرابة من أن يعبر كَلَدة بن الحَنْبَل، أخو صفوان بن أمية لأمه، وهو أحد الطلقاء، عن فرحته بإدبار المسلمين في الجولة الأولى، قائلًا: ألا بطل السحر اليوم!! فقال له أخوه صفوان - وهو على شركه آنذاك - اسكت، فض الله فاك، فوالله لأن يَرُبَّني [أي: ربًا لي أو ملكًا] رجل من قريش أحب إليَّ من أن يَرُبَّني رجل من هوازن [أبو يعلى، حسن؛ ابن حبان]!!، وكان يقف زعماء مكة خلف الجيش ينظرون لمن تكون الدائرة، منهم: أبو سفيان وصفوان بن أمية وحكيم بن حزام [البداية، من حديث ابن عطية وعروة]. وكان صفوان في المؤخرة، ويرسل غلامًا له ليأتيه بالأخبار من المقدمة. [نفسه، من حديث عروة].
وعندما انهزم المسلمون في الجولة الأولى، كان أبو سفيان ينظر إليهم، وهو يحمل الأزلام، ويقول: «لا تنتهي هزيمتهم دون البحر». [ابن إسحاق، الواقدي].
بادرت هوازن إلى حنين، فأدخلوا جيشهم بالليل في الوادي، وفرقوا كُمَنَاءَهم في الطرق والمداخل والشعاب والأخباء والمضايق، وأصدر إليهم قائدهم أمره بأن يرشقوا المسلمين بالسهام عند دخولهم وادي حنين المنحدر، ثم يشدوا عليهم شدة رجل واحد [ابن إسحاق، حسن]، وشجعهم زاعمًا بأن المسلمين لم يلقوا من قبل مثلهم في الشجاعة والعدة والعدد والدراية بالحرب. [الواقدي].
وعبأ رسول الله ﷺ جيشه بالسحر، وعقد الألوية والرايات، ورتب الجند في هيئة صفوف منتظمة [الواقدي]، واستقبل بجيشه وادي حنين في عَمَايَةِ الصبح، أو غَلَسِهِ، وانحدروا فيه [ابن إسحاق، حسن]، تتقدمهم على المجنبة الخيالة بقيادة خالد بن الوليد [مسلم] وفي طليعتها بنو سليم منذ خروجه من مكة. [الواقدي].
وعند دخول المسلمين الوادي حملوا على هَوَازِن فانكشفوا، فأكب المسلمون على ما تركوه من غنائم، وبينما هم على هذه الحال، استقبلتهم هوازن وأمطرتهم بوابل من السهام التي لا تكاد تخطئُ أحدًا. [متفق عليه].
ولم يكن المسلمون يتوقعون هذا، فضاقت عليهم الأرض بما رَحُبَتْ، فولوا مدبرين، لا يلوي أحد على أحد [متفق عليه، ابن إسحاق، حسن]، وانحاز الرسول ﷺ ذات اليمين وهو يقول: «أين الناس؟ هلموا إليَّ، أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله» [ابن إسحاق، حسن]. ومما يدل على عدم توقع المسلمين لمثل هذه الخدعة، أن بعضهم قد خرجوا خِفَافًا عَجِلِين دون استعداد حربي كامل، لا سيما بعض الشباب الذين خرجوا حاسري الرؤوس، وليس معهم السلاح الكافي. [متفق عليه].
وكان أول من أدبر خيالة المسلمين، ثم المشاة، وفر معهم الطلقاء والأعراب، ثم بقية الجيش، حتى أنه لم يثبت مع الرسول ﷺ أحد سوى أبي سفيان بن الحارث [متفق عليه] وجماعة قليلة. [ابن إسحاق، حسن].
ومما يدل على الدور الكبير للطلقاء في هذه الهزيمة أن أم سُلَيم بنت مِلْحَان طلبت من الرسول ﷺ أن يقتلهم بحجة، أنهم انهزموا عنه، فقال لها رسول الله ﷺ: «يا أم سليم. إن الله قد كفى وأحسن». [مسلم].
كان الرسول ﷺ يمتطي بغلة له بيضاء - أو شهباء - تسمى دلدل، وهو يركضها وأبو سفيان بن الحارث آخذ بركاب رسول الله ﷺ وعمه العباس آخذ بلجام البغلة، يكفانها عن الإِسراع نحو العدو [مسلم]. وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، أنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى وقد انكشف عنه جيشه، وهو على بغلة، وليست سريعة الجري، ولا تصلح للكرِّ ولا للفرِّ ولا للهرب، وهو مع هذا أيضًا يركضها إلى وجوههم وينوه باسمه ليعرفه من يعرفه، وما هذا إلا ثقة بالله وتوكلٌ عليه وعلم منه بأنه سينتصر ويظهر دينه على سائر الأديان. [تفسير ابن كثير].
وأمر الرسول ﷺ عمه العباس - وكان قوي الصوت - أن ينادي الناس بالثبات، وخص منهم أصحاب بيعة الرضوان، فأسرعوا إليه كما تسرع الأمهات إلى أولادها، ثم خص الأنصار بالنداء، ثم بني الحارث بن الخزرج، فطاروا إليه قائلين: لبيك لبيك، ودارت المعركة قوية ضد هوازن [مسلم؛ ابن إسحاق، حسن، عبد الرزاق، صحيح]، ونزل الرسول ﷺ عن بغلته وهو يدعو [أحمد، حسن] الله أن ينصـرهم، وقال: «أنا النبي لا كذب... أنا ابن عبد المطلب» [متفق عليه]، وأخذ يقاتل والصحابة يقاتلون معه ويتقون به لشجاعته وثباته كعادتهم في مثل هذه المواقف العصيبة [مسلم؛ ابن إسحاق، حسن]. وعندما رأى الفارون موقفه وثباته وسمعوا صوت العباس يناديهم جاؤوا مسـرعين ملبين الدعوة قائلين لبيك لبيك، حتى إن من لم يستطع أن يثني بعيره يتركه ويأخذ درعه وسيفه ورمحه حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ ويجالد الأعداء. قال الرسول ﷺ عندما رأى المعركة تشتد: «هذا حين حَمِيَ الوَطِيسُ» [مسلم؛ ابن إسحاق، حسن]، ثم أخذ حَصَيَات، أو ترابًا، فرمى به وجوه الكفار، وهو يقول: «شاهت الوجوه»، فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينه ترابًا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، والرسول ﷺ يقول: «انْهَزَمُوا وَرَبِّ محمد»، وفي رواية أخرى: «انهزموا ورب الكعبة» مرتين. [مسلم].
وفي ضوء هذه الكيفية التي انهزم بها المشركون والمعجزة التي أجراها الله على يد نبيه محمد ﷺ يفهم قول الله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ ﴾ [التوبة:26][الطبري وابن كثير في التفسير]. فقد حكى أحد أفراد جيش هوازن أنهم عندما أرادوا الوصول إلى الرسول حال بينهم وبينه رجال حسان الوجوه، فقالوا: شاهت الوجوه، فارجعوا، فهزموا من ذلك الكلام. [الذهبي: المغازي، جيد].
وحكى شيبة بن عثمان أنه عندما أراد قتل الرسول ﷺ ثأرًا لأبيه وعمه اللذين قتلهما علي يوم بدر، رفع له شواظ من نار حال بينه وبين الرسول ﷺ، كأنه البرق، فخاف أن يحرقه، فوضع يده على بصره وتقهقر، والتفت إليه الرسول ﷺ وطلب منه أن يدنو منه، فدنا منه، فقال: اللهم أذهب عنه الشيطان، فقذف الله الإِيمان في قلبه، وطلب منه الرسول ﷺ أن يقاتل الكفار [مغازي الذهبي، له أصل]. وفي رواية أخرى: أن شيبة قال للرسول ﷺ: يا رسول الله، إني أرى خيلًا بُلْغًا، فقال له الرسول: «يا شيبة، إنه لا يراها إلا كافر»، فضرب على صدره ثم قال: «اللهم اهد شيبة - ثلاثًا، فانقلب بغض الرسول حبًا عظيمًا». [الذهبي: المغازي].
وروى ابن إسحاق من حديث جُبير بن مُطْعِم أنه رأى قبل هزيمة القوم والناس يقتلون مثل الكِسَاءِ الأسود، أقبل من السماء حتى سقط بينهم وبين القوم، فنظر فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، لم يشك أنها الملائكة، ثم لم يكن إلا هزيمة القوم.
لم يثبت المشركون طويلًا في هذه الجولة الثانية من القتال، ففروا في نهاية اليوم مخلفين وراءهم كثيرًا من القتلى والأموال [ابن إسحاق، حسن]، وكان الرسول ﷺ قد أمر بتعقب الفارين وجزِّهم [البزار، برجال ثقات] لكسر شوكتهم حتى لا يجتمعوا للحرب مرة أخرى، ولذا عندما فرغ من حنين بعث أبا عامر - عُبَيْد بن سليم بن حضار الأسلمي - على جيش إلى أَوْطَاس [واد في بلاد هوازن] لقتال الكفار الذين عليهم دريد ابن الصمة، فجالدهم أبو عامر الأشعري حتى استُشهد، وطلب من أبي موسى الأشعري، الذي خلفه في القيادة أن يبلغ الرسول ﷺ سلامه، وأن يطلب منه أن يستغفر له، فأكمل الأشعري المهمة وهزم الله على يديه الأعداء، وبلغ رسالة أبي عامر، فدعا الرسول ﷺ لأبي عامر. [متفق عليه].
وفي رواية أنه عندما انهزم المشركون انحاز دريد بن الصمة في ستمئة نفس إلى جبيل أو أكمة، فلحق بهم الزبير بن العوام وجماعة من المسلمين فقضوا على ثلاثمئة منهم، منهم دريد بن الصمة نفسه. [البزار، حسن].
والذي نرجِّحه أن الزبير بن العوام كان في جماعة أبي عامر، فباشر قتل ابن الصمة، لأن رواية البخاري لم تبين القاتل، وقيل: إن الذي قتله رَبِيْعة بن رُفَيْع [ابن إسحاق]، وقيل عبد الله بن قُنَيْع بن أُهْبَان بن ثَعْلَبَة بن رَبِيعَة. [نفسه].
لقد انجلت المعركة عن نصر مبين للمسلمين، ومقتل وجرح عدد كبير هوازن وثقيف. فقد روي أن قتلى بني مالك من ثقيف لوحدها قد بلغ سبعين قتيلًا [البيهقي، الدلائل]، ولم يقتل من الأحلاف سوى رجلين، أحدهما من بني غِيَرَة والآخر من بني كُبَّة [ابن إسحاق]. وقتل بأوطاس من بني مالك ثلاثمئة، ومعهم دريد بن الصمة، كما ذكرنا، وقتل خلق كثير من بني نصر بن معاوية ثم من بني رِئاب، حيث استحر فيهم القتل، حتى قال عبد الله بن قيس - وكان مسلمًا-: يا رسول الله، هَلَكَتْ بنو رِئَاب، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اجبر مُصِيْبَتَهُم». [ابن إسحاق، ابن سعد].
وعندما لجأ المشركون إلى أوطاس ولحق بهم المسلمون، قتل أبو عامر وحده تسعة إخوة منهم قبل أن يستشهد، وقتل أبو موسى الأشعري أخوين من بني جُشَم ابن معاوية [ابن هشام]. وقتل أبو طلحة وحده يوم حنين عشـرين رجلًا من المشـركين وأخذ سلبهم، لأن رسول الله ﷺ قد أباح سلب المشرك لقاتله. [أبو داود، حسن].
ونهى رسول الله ﷺ يومذاك عن قتل النساء والأطفال والأجراء وكل من لا يحمل السلاح، وذلك عندما مرَّ بامرأة قتلها خالد بن الوليد [ابن إسحاق] والناس متزاحمون عليها، وقال: «ما كانت هذه تقاتل». [الحاكم صحيح، أحمد، صحيح، أبو داود، صحيح].
أما بالنسبة للسبي والغنائم، فقد روي أن سبي حنين قد بلغ ستة آلاف من النساء والأبناء [عبد الرزاق؛ ابن سعد؛ الطبري: التاريخ]، وأن الأموال كانت أربعة آلاف أوقية فضة، وأن الإِبل كانت أربعة وعشرين ألفًا، وأن الشياه أكثر من أربعين ألف شاه. [ابن إسحاق، ابن سعد].
وحبس الرسول ﷺ هذا السبي والغنائم بالجِعْرَانَة ليتصرف فيها بعد الفراغ من أمر الطائف، كما سنرى.
وروي أن الشِّيماء بنت الحارث كان ممن وقع في الأسر، فادعت أنها أخت الرسول ﷺ من الرضاعة، فقال لها الرسول ﷺ: «وما علامة ذلك؟»، قالت: عَضَّة عَضِضْتَنيها في ظهري وأنا مُتَوَرِّكَتُكَ، فعرف الرسول ﷺ العلامة، فمتعها وردها إلى أهلها كما طلبت. [ابن إسحاق، الذهبي: المغازي، من مرسل قتادة - حسن].
وروي أن أمه من الرضاعة - حليمة السعدية - جاءته، فأكرمها وبسط لها ثوبه لتجلس عليه [الطبري: التفسير، من مرسل قتادة - حسن، من مرسل عطاء].
وكانت خسارة المسلين طفيفة جدًا، فقد استشهد أربعة منهم، هم: أبو عامر الأسلمي، وأيمن بن عُبَيد، ويزيد بن زمْعَة بن الأسود، وسُرَاقَة بن الحارث [ابن إسحاق]. وجرح عدد منهم، منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي [البزار، حسن]، وعبدالله ابن أبي أوفى [البخاري]، وخالد بن الوليد. [الحميدي: المسند، حسن].
عندما انهزمت هوازن وثقيف وأحلافهم تفرقوا في الأودية والجبال، فلجأت ثقيف بقيادة مالك بن عوف إلى حصونها بالطائف، ولجأ آخرون إلى وادي أوطاس، وانحاز بنو غيرة إلى نخلة. وقد تبعت خيل المسلمين من سلك إلى نخلة، ولم تتبع من سلك إلى الثنايا. [ابن إسحاق].