حجم الخط:

محتوى الدرس (55)

الفصل الحادي والثلاثون: المعجزات العلمية في القرآن الكريم

[تمهيد]

القرآن الكريم معجزة الرسول الكبرى، والدليل على صدقه وعلى وجود الله تعالى، أما الأمثلة التي يمكن ذكرها باختصار، والخاصة بالحقائق العلمية التي يثبتها الطب الحديث فهي كثيرة، وسنتحدث عنها في المبحث التالي:

المعجزات الخاصة بالحقائق العلمية التي أثبتها الطب الحديث:

الأول: أوصاف الجنين في رحم أمه:

يقول المولى عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴿ ١٢ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴿ ١٣ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴿ ١٤ [المؤمنون:12-14].

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّىٰ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴿ ٥ [الحج:5] ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحج:6] ﴿ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴿ ٧ [الحج:5-7].

ولقد كتبت الأبحاث والكتب في هذه المعجزة، وخاصة تناولها في كتب الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وكانت هذه المعجزة سببًا في إسلام كثير من كبار العلماء المستشرقين، أو غيرهم من كبار العلماء في أوروبة وآسية وإفريقية.

ومثال ذلك: شهادة بوشي ردي كوزار - مدير مرصد طوكيو - الذي قال: (إنني لا أجد صعوبة في فهم أن القرآن كلام الله، فإن أوصاف الجنين في القرآن لا يمكن بناؤها على المعرفة العلمية للقرن السابع الميلادي، والاستنتاج الوحيد المعقول، هو أن تلك الأوصاف قد أوحيت إلى محمد بن عبد الله نبي الإسلام) [انظر: أ.د مهدي رزق الله، جهود المنصفين من المستشرقين في الإشادة برسول الإسلام محمد يأتي ذكره].

أما فيما يتعلق بالإعجاز العلمي عمومًا وإثباته وجود الله عز وجل وصدق رسالة محمد ، فيمكن التمثيل لذلك من شهادات رجال عظماء أسلموا بسبب ذلك.

أ- الطبيب الفرنسي علي سلمان بنوا: الذي قال في سبب إسلامه: (بدأت قبل أن أسلم في دراسة القرآن بالعقلية الغربية المفكرة الناقدة، وإني مدين بالشـيء الكثير للكتاب العظيم الذي ألفه السيد مالك بن نبي (الظاهرة القرآنية )، فاقتنعت بأن القرآن كتاب وحي من عند الله، وإن من بين آيات هذا القرآن الذي أوحي إليه منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، ما يحمل النظريات نفسها التي كشفت عنها الأبحاث العلمية).

ب- حامد مرقص - ماركوس - الألماني، الصحفي والمؤلف، الذي قال عن الأسباب التي رغبته في اعتناق الإسلام: (إن الإسلام لم يدعو إلى مبادئ أو عقائد تتنافى مع العلم الحديث).

ج- الطبيب الفرنسي الكبير موريس بوكاي، صاحب كتاب (الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة)، والذي كان الملك فيصل رحمه الله سببًا في حفزه على قراءة القرآن بلغته الأصلية، فتعلم اللغة العربية، وقرأ القرآن، ووقف على أسراره المعجزة في كافة المجالات العلمية، فأسلم، وكتب كتابه المذكور، الذي ترجم إلى عدة لغات، منها العربية والإنجليزية.

قال بوكاي هذا: إن من أسباب اعتناقه الإسلام: (اتفاق نص القرآن مع معطيات العلم الحديث -أي: الإعجاز العلمي في القرآن الكريم).

د- الدكتور جرينييه، الذي كان عضوًا في مجلس النواب الفرنسي قال عندما سئل عن سبب إسلامه: (إني قد تتبعت كل الآيات القرآنية ذات الارتباط بالعلوم الطبية والصحية والطبيعية، التي درستها منذ صغري، وأعلمها جيدًا، فوجدتها متطابقة كل التطابق مع معارفنا الحديثة. فأسلمت، لأني تيقنت أن محمدًا أتى بالحق الصراح من قبل أكثر من ألف سنة، من قبل أن يكون له معلم أو مدرس من البشـر؛ ولو أن كل صاحب فن من الفنون، أو علم من العلوم، قارن كل الآيات القرآنية المرتبطة بما تعلم جديًا، كما قرأت أنا أيضًا، لأسلم بلا شك، إن كان عاقلًا وخاليًا من الأغراض) [انظر التبشير والاستشراق، أحقاد وحملات، لمؤلفه الشيخ د. عبد الحليم محمود، نقلًا عن: أساليب الغزو الفكري، للدكتور علي جريشة؛ والزيبق، (ص29)].

هـ- البروفسير بروسو يوشاديكروزاي، أحد مشاهير العلماء الاختصاصيين في علم الفلك، وقد شغل منصب مدير مرصد طوكيو الفلكي في اليابان، زار السعودية، وأجريت معه مناظرة علمية كبيرة بجامعة الملك عبد العزيز، شهدها حشد كبير من العلماء المتخصصين في علوم الفلك والجيولوجيا، وإلى جانبهم بعض علماء المسلمين مثل الشيخ الدكتور عبد المجيد الزنداني، وبعد أن طرحت عليهم مفاهيم القرآن العلمية في علم الفلك والحقائق الكونية، وبعد أن تفهمها كروزاي بعمق، شرح الله تعالى صدره للإسلام، وكتب بخط يده قائلًا: (بعد أن قدمت إلى هنا، وجدت أن في القرآن حقائق علمية كثيرة، والكون وما يحويه من كل شيء مشروح ومفسر في القرآن من أعلى نقطة في هذا الوجود، حتى أن كل شيء فيه أصبح مفهومًا، وإني أعلن إسلامي).

الثاني: ومن الأمثلة على الإعجاز الطبي في القرآن الكريم، والدالة على وجود الخالق وصدق نبوة محمد ﷺ، علم البصمات.

مثل:

- بصمة البنان البشري: قال الله تعالى: ﴿ بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴿ ٤ [القيامة:4]. فقد أثبت العلم الطبي الحديث عدم تشابه بصمات البشر، ولذا يلحظ استخدام البصمات في التحقيق الجنائي لمعرفة مرتكبي الجرائم الذين يتركون وراءهم بصماتهم على الأشياء التي يمسونها بأيديهم.

- بصمة الرائحة: كما في قصة يوسف وأبيه يعقوب رضي الله عنه، ومكان الشاهد قوله عز وجل: ﴿ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ﴿ ٩٤ [يوسف: 94].

- البصمة الصوتية: ومثالها قصة النملة مع سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ ١٨ [النمل: 18].

وهكذا النملة تتعرف على صوت سليمان من بصمة صوته؛ وقد أثبت العلم الحديث صحة هذه المعلومة، ولذا أصبحت البنوك في أوربا وأمريكا تخصص لبعض العملاء خزائن لا تفتتح إلا ببصمة الصوت، لأن بصمات البشر الصوتية لا تتشابه.

- بصمة الشفاه: لقد ثبت علميًا أن للشفاه بصمة مميزة، لدرجة أنه لا يتفق فيها اثنان في العالم!! تؤخذ حتى من أعقاب السجائر.

- بصمة العين: أثبت العلم التجريبي أنه لا يوجد تشابه بين العيون، وقد صُنع جهاز لهذا الغرض، يستفاد منه في التحقيق الجنائي.

- البصمة اللونية: قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ﴿ ٢٢ [الروم: 22].

انطلاقًا من تفسير وتدبر هذه الآية الكريمة، قام البروفسور اللواء الطبيب عمر عبدالعزيز وفريقه بجامعة الرباط الوطني السودانية بدراستها، فوجدوا بعد تجارب علمية عميقة أجريت على ثلاثمائة توأم، بدا في الظاهر تشابه كل توأمين من حيث اللون، ولكن في الحقيقة يختلفون في ألوانهم، وقد أجريت مع الدكتور عمر حوارات تلفازية سودانية عن هذا الكشف الإعجازي، الدال على أن القرآن الكريم يحمل في طياته وصدقه إثبات صحة نبوة الرسول محمد ، ووجود خالق لهذا الكون ومن فيه وما فيه.

وواصل الدكتور عمر أبحاثه في تفسير تدبر الآية السابقة، وتوصل إلى أن اختلاف الألسن يعني الاختلاف في بصمات الألسن مثلما هو في بصمات اليد البشـرية، وعرفت بالبصمة اللسانية، وقد عرضت التجربة على إحدى القنوات السودانية.

- البصمة الرحمية: قال الدكتور عبد الباسط محمد السيد، أستاذ التحاليل الطبية بالمركز القومي بمصر، واستشاري الطب التكميلي: (إن العالم روبرت غيلهم [زعيم اليهود في معهد إنشتاين الأمريكي، والاختصاصي في علم الأجنة] أعلن إسلامه بمجرد معرفة الحقيقة العلمية والإعجاز القرآني في سبب تحديد عدة الطلاق للمرأة بمدة ثلاثة شهور، والآية المعنية هنا: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ [البقرة:228]. حيث أفاد المتحدث أن اقتناع العالم إليهم كان بالأدلة العلمية، التي مفادها أن اتصال الزوجين ينتج عنه ترك الرجل لبصمته الخاصة لدى المرأة، وأن كل شهر من عدم الاتصال البيولوجي يسمح بزوال نسبة معينة تتراوح ما بين (25 إلى 30%)، وبعد الأشهر الثلاثة تزول البصمة كليًا؛ مما يعني أن المطلقة تصبح قابلة لتلقي بصمة رجل آخر.

وتلك الحقيقة العلمية دفعت عالم الأجنة اليهودي للقيام بالتجربة في حي أفارقة مسلمين أمريكان، تبين له أن كل النساء يحملن بصمات أزواجهن فقط، فيما بينت التجارب العلمية على نساء -متحررات وغير مسلمات-، أنهن يحملن بصمات متعددة من اثنين إلى ثلاث، مما يوضح أنهن يمارسن العملية الجنسية خارج الأطر الشـرعية الزوجية، وأجرى التجارب على زوجته، وكانت الحقيقة المذهلة أن زوجته تحمل ثلاثة بصمات!! وأن واحدًا فقط من ثلاثة أبناء هو ابنه من صلبه! وعلى إثر ذلك اقتنع أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يضمن للمرأة الحصانة، وأن المرأة المسلمة أنظف امرأة على وجه الأرض).

الثالث: اللبن [الحليب]:

وقد سبق ذكر الإعجاز في الحليب - حديث النبي .

قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴿ ٦٦ [النحل:66]. وقال: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿ ٢١ [المؤمنون: 21].

تشير آية النحل [66] إلى أن مراحل تكوين الحليب مجملة في أربعة مراحل:

أ- مرحلة الهضم.

ب- مرحلة الاستخلاص من بين الفرث.

ج- مرحلة الاستخلاص من بين الدم.

د- مرحلة تصنيع الحليب في الضرع.

لقد خلص مؤلفو (الإعجاز العلمي في القرآن والسنة) -الزنداني ورفقاؤه - إلى وجه الإعجاز في هذا، قائلين (... ما كان أحد يعلم قبل اكتشاف أجهزة التشـريح -وظائف الأعضاء- في القرنين الماضيين أسرار ما يجري في الجهاز الهضمي عند الحيوان والإنسان، ووظائف ذلك الجهاز المعقد وعلاقته بالدورة الدموية ومراحل تكوين اللبن -الحليب- في بطون الأنعام، فلما تكاملت صناعة الأجهزة والتجارب العلمية عبر قرون، عرف الإنسان أن مكونات اللبن تستخلص بعد هضم الطعام من بين الفرث وتجري مع مجرى الدم، لتصل إلى الغدد اللبنية في ضروع الإناث، التي تقوم باستخلاص مكونات اللبن من بين الدم دون أن تبقى أي آثار في اللبن من الفرث أو الدم، وتضاف إليه في حويصلات اللبن مادة سكر اللبن التي تجعله سائغًا للشاربين.

كانت هذه الأسرار محجوبة عن البشر، فلم يكتشفوها إلا بعد رحلة طويلة من التجارب والبحوث العلمية التي استغرقت قرونًا، واستخدمت فيها أجهزة صنعت لأول مرة على أيدي الباحثين لم يكن لها وجود عند البشـر قبل ذلك، ولكن القرآن كشفها أمام قارئيه بأجمل عبارة وأوجز لفظ قبل أكثر من (1400) سنة.

فمن عَلَّم محمدًا من بين سائر البشـر في ذلك الزمن أسرار الجهاز الهضمي والجهاز الدموي والجهاز الدوري، ودقائق ما يجري في غدد اللبن، إلا الذي يعلم السـر في الأرض والسماء، ويعلم أسرار ما خلق من الكائنات، فيكون ذلك شاهدًا على أن القرآن نزل بعلم الله العزيز الحكيم الخبير، وأن محمدًا رسول الله تعالى.

قال تعالى: ﴿ لَٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴿ ١٦٦ [النساء:161]).

الرابع: أثر القرآن الكريم في شفاء الأمراض:

قال الله تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الزمر:23].

ويقول سبحانه: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴿ ٤٤ [فصلت:44].

إن من الدراسات الأبحاث العلمية التي أجريت في هذا المجال: ما قام به الدكتور أحمد القاضي، رئيس مجلس إدارة معهد الطب الإسلامي للتعليم والبحوث في أمريكا، ومستشار عيادة (بنما سيتي) بولاية فلوريدا الأمريكية من تجارب علمية حول تأثير القرآن الكريم على الإنسان فيزيولوجيًا ونفسيًا على مرحلتين.

المرحلة الأولى: وهدفها إثبات ما إذا كان للقرآن أي أثر على وظائف أعضاء الجسم، وقياس هذا الأثر إن وجد، فكانت النتائج أن (97%) ممن أجريت عليهم البحوث سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين، وسواء كانوا يعرفون العربية أم لا يعرفونها، ظهرت عليهم تغيرات وظيفية تدل على درجة التوتر العصبي التلقائي، حيث كان للقرآن الكريم أثر مهدئ للتوتر، تم تسجيله بأحدث أجهزة المراقبة الإلكترونية المزودة بالحاسب الآلي لقياس أي تغيير في فيزيولوجية وظائف أعضاء الجسم.

ومن المعروف: أن التوتر يؤدي إلى نقص المناعة في الجسم، مما يتسبب في إحداث خلل في التوازن الداخلي الوظيفي للجسم، وبذلك فإن الأثر القرآني المهدئ للتوتر يمكن أن يؤدي إلى تنشيط وظائف المناعة في الجسم لمقاومة الأمراض، أو الشفاء منها.

المرحلة الثانية: وهدفها معرفة ما إذا كان الأثر المهدئ للتوتر وما يصحبه من تغييرات في وظائف الأعضاء، عائدًا إلى الكلمات القرآنية في حد ذاتها بغض النظر عما إذا كانت مفهومة أو غير مفهومة لدى السامع، فتم تلاوة آيات قرآنية وقراءات باللغة العربية على متطوعين غير مسلمين، ومن غير الناطقين بالعربية، بحيث تكون مطابقة للقراءات القرآنية من حيث اللفظ والصورة والواقع على الأذن، ولم يكن في استطاعة المتطوعين أن يميزوا بينها لجهلهم بالعربية، فكانت النتائج ايجابية كالتالي:

نسبة الأثر المهدئ للتوتر للقرآن الكريم على المتطوعين (56%)، في حين كانت النسبة في القراءات غير القرآنية المقاربة في اللفظ (53%)، وقد قدمت هذه النتائج للمؤتمر السنوي السابع عشـر للجمعية الطبية في [سانت لويس] بولاية ميسوري. [موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة: يوسف الحاج أحمد (ص 598-599). وانظر: تفاصيل طرق الوصول إلى هذه النتائج، (ص599-601)].

الخامس: أثر القرآن الكريم في الصلاة الخاشعة على الجسم:

لقد توصلت الأبحاث العلمية الطبية الحديثة إلى أن الخشوع في الصلاة يؤدي إلى تنشيط واضح في المراكز التي لها علاقة بالمشاعر الإيجابية كالرحمة والشفقة.

عرضت هذه النتيجة في البرنامج الذي يقدمه أحمد الشقيري، بعنوان: (خواطر)، في رمضان عام (1435هـ). وخلاصة التجربة كالتالي:

وضع مادة: [Radio active] في الدم. تسير هذه المادة في الدورة الدموية إلى المخ، يتم بعد هذا عمل صورة للمخ، ثم يوضع في جهاز لمدة ساعة أو (45) دقيقة، ثم تؤخذ صورة للمخ، وبعدها يصلي المتطوع صلاة بدون خشوع، وبعدها تؤخذ صورة للمخ، والنتيجة لا يوجد تغيير، وبعدها قام المتطوع بأداء صلاة خاشعة، ويتم عمل صورة للمخ، وهنا كانت المفاجأة بوجود تغير جذري في المخ، يتمثل في الآتي:

1- قل النشاط في الجزء المخصص للتفكير، أي أصبح أقل حيوية.

2- قامت وظائف الجسم بالاستسلام للنشاط الذي تقوم به -وهو الصلاة-. فقراءة الآية: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿ ٤ بخشوع، عنيت الاستسلام النفسي والروحي لمالك هذا اليوم، وهو الله سبحانه وتعالى، وقراءة: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴿ ٥ : استسلام المصلي لله تعالى أثناء الصلاة الخاشعة. ويدعو: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿ ٦ دعوة: يا الله بعدما أخرج من الصلاة وأعيد تنشيط الجزء الأساسي من حياة الإنسان، وهو التفكر.

وعندما أرجع وأفكر في أمور حياتي والمشاكل: أهدني الصراط المستقيم. فالخشوع يؤدي إلى تنشيط واضح في المراكز التي لها علاقة بالمشاعر الإيجابية كالرحمة والشفقة.

إن تكرار الاسمين: الرحمن، الرحيم، من أسماء الله الحسنى، في كل ركعة، يجسد مفهوم الرحمة الإلهية، وبالتالي إذا صلى الإنسان بخشوع تتجسد هذه الرحمة في دماه، وهذا مؤشر إلى أن الإنسان الخالي من الرحمة، والذي يصلي خمس مرات على الأقل في اليوم، ليسال نفسه قائلًا لها: ماذا فعلت صلاتك لهذا الجزء من دماغك، لِم لَم تنشطه؟! ويؤدي الخشوع أيضًا إلى الانخفاض الواضح في نشاط الجزء السفلي، والذي يتناسب مع مشاعر الاستسلام.

إن التواصل والصلة تزيد في الصلاة، تزيد الصلة بالله، ويقل الجزء المسئول عن الاستقلالية في الدماغ، فتزيد صلة العبد بربه. إن ما يحدث في الدماغ ووظائف العقل، هو تمامًا ما تعنيه أول سورة في القرآن، وهي الفاتحة.

وصدق الله العظيم القائل: ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴿ ٤٥ [العنكبوت:45].

وهناك تجربة عملية عن أثر الدعاء -الابتهال إلى الله تعالى-، وتلاوة القرآن، والصلاة الخاشعة -صلاة الحاجة- في شفاء مريض السرطان.

(طبيب مسلم يكتشف سرًا هامًا في لندن لعلاج مريض من سرطان الدم)، تحت هذا العنوان نشرت مجلة الاعتصام [عدد صفر (1406هـ/ نوفمبر وديسمبر 1985م)]، قصة فحواها: أن أحد مرضى السرطان -باكستاني- في بريطانيا، كشفت التحليلات المختلفة عن انتشار مرض سرطان الدم في جسمه بشكل ملحوظ، مما دعا الاستشاري البريطاني بالمركز العالمي إلى استبقاء المريض بالمركز وإعطائه العلاج المناسب للحد من انتشار المرض، ومحاولة السيطرة عليه، وعندما علم المريض بحقيقة مرضه ومدى خطورته التي تكمن في عدم إمكان السيطرة على المرض، وأن وفاته ستكون خلال فترة محدودة، عندما علم المريض بهذه الحقائق الطبية، اتجه إلى الله تعالى بالدعاء وتلاوة القرآن والصلاة الخاشعة، مؤمنًا بأن شفاءه في القرآن: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ ، ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ۙ [الإسراء:82].

ومن العجيب -والكلام هنا للدكتور سالم اليافعي، مساعد الاستشاري البريطاني- أن أحد المرضى، وهو بريطاني الجنسية، كانت لديه الحالة نفسها تقريبًا، وعندما علم بتفاصيلها انهار تمامًا، ونقص وزنه، وضعف بدنه حتى مات بعد ستة شهور، في حين أن المريض المسلم المؤمن بربه، كانت التحليلات الأسبوعية تثبت وقف انتشار المرض وانتهاءه بعد أقل من ستة أشهر، خرج بعدها من المستشفى متوجهًا إلى بيت الله الحرام ليؤدي عمرة الشكر لله تعالى.

فالدعاء واللجوء إلى الله تعالى بصدق ويقين وإيمان يثير ويفجر قوى سرية في جسم الإنسان تقوى بها مناعته، وذلك بفرز هرمونات ومواد كيميائية داخلية تضفي عليه حيوية عجيبة، وهذا مما دفع د. اليافعي إلى تقديم بحث بعنوان: (القرآن والسـرطان)، في المؤتمر العالمي الثالث للطب الإسلامي، الذي عقد في تركيا، في أكتوبر (1984م)، تناول فيه تأثير القرآن في المعالجات الطبية للأمراض، لاسيما السرطان [د. محمد كامل عبد الصمد: الإعجاز العلمي في الإسلام - السنة النبوية، (ص 155-156)].

ويقول الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي [في كتابه: موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة آيات الله في الإنسان، (ط5)، (ص 370)] عند كلامه عن (العبادات شفاء من أمراض كثيرة): (ولا أنسى أن امرأة ذهبت إلى بلد غربي لتعالج من مرض، ألا وهو داء الشقيقة -الصداع النصفي-، آلام مستمرة في الرأس، طبيب لا يعرف الله عز وجل سألها: من أين أنت؟ فقالت: من سورية، قال: أتصلين؟ قالت: لا، فقال: صلي يذهب ما بك! فعجبت وانزعجت، عجبت من أنها ركبت الطائرة، ودفعت آلاف الليرات ليقال لها: صلي، ولكنها لم تعجب حينما بين لها الطبيب أن أحد أسباب الشقيقة ضعف في تروية الشرايين في الدماغ، وأن السجود يوسع هذه الشرايين، ويجعل الدم يتدفق نحو الرأس، فبهذا السجود، وذاك الركوع، وهذا الوضوء، هذا كله في أصله عبادات، وقربات، واتصال بالله، ولكن لو درسه علماء اختصاصيون، وعلماء في التربية البدنية، وعلماء في أمراض الأوعية والشرايين لوجدوا العجب العجاب).

ويذكر د. النابلسي [المرجع السابق، (ص 119)]: أن ثمة دراسة أجريت في جامعة أمريكية عن أثر الصلاة والدعاء في تخفيف الآلام، والدراسة موضوعية (100%)، والتعليل الطبي: هناك بوابات للألم، والألم له مسار من النهايات العصبية إلى النخاع الشوكي، على البصلة السيسائية، إلى قشـرة الدماغ، هذا طريق الآلام، وعلى هذه الطريقة بوابات.

هذه البوابات تتحكم بها الحالة النفسية للمريض، فإذا كان مؤمنًا، وراضيًا بقضاء الله وقدره، أغلقت هذه البوابات، فلم يصل من الألم إلى قشرة الدماغ إلا النزر اليسير، وهذا شيء ثابت، فالذي يتمتع بإيمان قوي تكون آلامه الحسية الناتجة عن بعض الأمراض أقل بكثير، لأن بوابات الألم مغلقة عنده، وهذا ما أكدته هذه الدراسة، فالعلاج عن طريق الصلاة والدعاء يخفف الآلام التي يتحسسها المريض العادي، وتأثر إيجابيًا (57%) ممن شارك في التجربة.

السادس: الإعجاز العلمي الطبي في تحريم اللواط:

قال الله تعالى في تحريم اللواط: ﴿ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴿ ١٦٥ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ ۚ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ﴿ ١٦٦ [الشعراء:165-166].

النظرة العلمية:

يرى علماء الاجتماع، أن هذه الفاحشة المنكرة التي تنفر منها الطباع الكريمة، هي أسوأ ما ينزل الإنسان إلى أحط الحضيض من الكرامة الآدمية، وأن إشاعتها وتفشيها وتعودها يؤدي إلى تعطيل سنة الزواج التي هي سنة الله تعالى في خلقه، والتي هي طريقة التناسل الطبيعية والتكاثر الذي عليه عمارة الأرض وإصلاحها.

ثم إن علماء الطب: يرون في جريمة اللواط من الأخطار الصحية لفاعلها مثلما يصيب الزناة، من أمراض جنسية خبيثة يصعب البرء منها، مثل: الزهري والسيلان والقرحة والجرب، كما أنه يفقد الإنسان السيطرة على عملية التبرز، فيحدث منه عن غير إرادة، وقد يفضي الأمر بالمجني عليه في هذا الفسق أن يصبح مخنثًا إذا لزمته هذه العادة منذ صغره، ويفقد بذلك رجولته [القرآن وإعجازه العلمي: محمد إسماعيل إبراهيم، (ص 121)].

ومن أخطر الأمراض التي اتضح أن اللواط ينقلها بين الشواذ، وهو مرض الإيدز -نقص المناعة المكتسبة- طاعون العصر!!.

السابع: براءة اختراع دولية لقطرة عيون قرآنية:

قال الله تعالى: ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴿ ٨٤ [يوسف:84].

هذا هو المرض الذي أصاب يعقوب، المياه البيضاء.

والحزن من بين مسببات هذا المرض، حيث أنه يسبب زيادة هرمون (الأدرينالين)، ويعتبر هذا مضادًا (للأنسولين)، وبالتالي فإن الحزن الشديد أو الفرح الشديد، يسبب زيادة مستمرة في هرمون (الأدرينالين)، الذي يسبب بدوره زيادة في سكر الدم، وهو أحد مسببات العتامة، هذا بالإضافة على تزامن الحزن مع البكاء.

وكان ما فعله يوسف بوحي من الله تعالى، أن طلب من إخوته: ﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ ٩٣ [يوسف:93] ﴿ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ﴿ ٩٤ قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ ﴿ ٩٥ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿ ٩٦ [يوسف:94-96].

من هنا كانت بداية بحث د. عبد الباسط محمد سعيد -الباحث بالمركز القومي للبحوث بمصر-، إلى أن توصل إلى قطرة من العرق تشفي هذا المرض، نال بها براءة اختراع أوروبية عام (1991م)، وأمريكية (1993م).. [فارس].

وصدق الله العظيم القائل: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ۙ [الإسراء:82].

الثامن: من الأسرار المعجزة في صلاة المسلمين:

يقول الدكتور عمر عبد الكافي -على اليوتيوب-: اجتمع اثنا عشرة عالمًا من شتى التخصصات، منذ أربع سنوات في سويسرا، وأخذوا يفكرون في كيفية معالجة الآثار السالبة والضارة بصحة الإنسان من جراء استخدام الهواتف النقالة ومشاهدة التلفاز، إذ أن هذه الأجهزة تخرج منها موجات كهرومغناطيسية ضارة بصحة الإنسان، اجتمعوا وقرروا -وليس من بينهم عالم مسلم-، أن التخلص من هذه الموجات يكون بممارسة حركات رياضية عدة مرات في اليوم، وتشبه حركة السجود في صلاة المسلمين، ولكن بشروط ثلاثة، هي:

1- أن تكون هذه الحركة على الأرض.

2- أن تكون على أعظم سبعة: الوجه - اليدين - الركبتين - القدمين.

3- أن يتجه إلى كعبة المسلمين برأسه، لأنها مركز مغناطيس الكرة الأرضية. وإذا انصرف رأسه في غير اتجاه مركز الطاقة -أي: الكعبة- فلن تنصرف منه هذه الطاقة الضارة!!

لم يقرأ هؤلاء كتبًا في فقه العبادات الإسلامية!! ولكن الله تعالى قادهم إلى هذه الحقيقة المدهشة حقًا: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴿ ٥٨ [يونس:58].

التاسع: الاستعاذة من شر القمر في أيامه البيض:

قال تعالى: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿ ١ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿ ٢ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ [الفلق:1-3].

وقال الرسول - وهو آخذ بيد عائشة رضي الله عنها-: «يا عائشة! استعيذي بالله من شر هذا -وأشار إلى القمر-، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب» [صحيح الجامع (7916)، وجاء في تفسير معنى (الغاسق إذ وقب): الليل إذا أقبل].

وقال قدامة بن ملحان رضي الله عنه: كان رسول الله يأمرنا بصيام الأيام البيض الثلاثة -13و 14و 15- ويقول: «هن صيام الدهر».

والسؤال الذي يطرح نفسه في ضوء الآية الكريمة المذكورة والحديثين النبويين المذكورين، هو: ما الشـر الكامن في القمر في أيامه البيض، وما حكمة صيام الأيام البيض بالذات؟!

لعل الجواب عن هذا السؤال هو نتائج أبحاث الدكتور ليبر [اختصاصي علم النفس بميامي الأمريكية]: (التأثير القمري) و(الجنون القمري)، وخلاصتها: إن أخلاط الجسم تكون هائجة في منتصف الشهر القمري، لتزايد النور في جرم القمر، وحتى هيجان البحر يكون في هذه الأيام، وقمة المد البحري، ولأن (80%) من مكونات الجسم من الماء، فكذلك هيجان النفس البشرية.. والعلاج: الصيام الذي تقل فيه المياه في الجسم.

وأخذ الباحث ملفات دوائر الشرطة في الأيام التي تقابل الأيام البيض، فوجد أن نسب الحوادث أعلى بكثير من بقية الأيام، خاصة بين مدمني الكحول، والميالين إلى الحوادث، وذوي النزعات الإجرامية، وأولئك الذين يعانون من عدم الاستقرار العقلي والعاطفي.

وقد سبق ابن سينا في كتابه: (القانون) ليبر في مسالة وقت هيجان الأخلاط، إذ قال عند كلامه عن الحجامة: (ويؤمر باستعمال الحجامة، لا في أول الشهر، لأن الأخلاط لا تكون قد تحركت وهاجت، ولا في آخره، لأنها تكون قد نقصت، بل في وسط الشهر، حين تكون الأخلاط هائجة بالغة في تزايدها، لتزايد النور في جرم القمر...) [بحث منشور بمجلة جامعة أم القرى، العدد رقم (50)، رجب (1431هـ)، بعنوان: (الإعجاز الرقمي والزمني في السنة النبوية)، د. محمد بن ظافر بن عبد الله الشهري]، وقد تصدى د. محمود عبد الله نجار في مقال له على النت - مخطئًا ليبر وغيره على النتائج والأقوال المذكورة.

العاشر: أهمية الرضاعة الطبيعية وفوائدها:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ [البقرة:233].

تذكر منظمة الصحة العالمية، أن عشرة ملايين طفل، يتوفون في العالم الثالث سنويًا؛ نتيجة أمراض الجهاز الهضمي والإسهال، وأغلب هذه الوفيات ناتجة عن تغذية الأطفال بالألبان المصنعة بواسطة القارورة، حيث لا يتم التعقيم كما ينبغي، وتكون الكمية من اللبن مخففة بالماء، وتسبب إصابة أكثر من تسعة ملايين طفل بنقص شديد في التغذية، مما يؤدي إلى إصابتهم بالعديد من الأمراض والوفيات المبكرة.

ولذا ترى المنظمات الصحية العالمية التي تعنى بشؤون الأطفال وصحتهم، مثل: اليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية، أن إرضاع المواليد من أمهاتهم لمدة عامين، سينقذ بإذن الله تعالى أكثر من عشـرة ملايين طفل يتوفون سنويًا بسبب الإسهال وسوء التغذية، وأمراض أخرى كثيرة.

وتذكر مجلة (اللانسيت) الطبية البريطانية المشهورة، في افتتاحيتها عام (1994م)، أن الرضاعة تنقذ مليونًا من الأطفال، بما توفره من تحسين جهاز المناعة، وهذا الرقم غير الملايين العديدة الذين يمكن أن تنقذهم الرضاعة، والذين يتوفون نتيجة الإسهال والأمراض المعدية الأخرى. [يوسف الحاج أحمد، موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة (2/739)].

وقد أوجز يوسف الحاج أحمد في موسوعته المذكورة [2/794-796] فوائد الرضاعة الطبيعية، في ثماني عشرة نقطة فيما يتعلق بالطفل الرضيع، وفي إحدى عشـرة نقطة تتعلق بالأم والمجتمع.

ومن الفوائد المتعلقة بالطفل الرضيع من حيث حليب الأم:

1- أنه جاهز التعقيم، بينما ألبان القارورة تحتوي على العديد من الميكروبات، خاصة في العالم الثالث؛ والتعقيم يخفض حدوث الالتهابات الميكروبية.

2- يحتوي على مضادات الأجسام، والبروتينات المناعية، ومجموعة كبيرة من خلايا الدم البيضاء المقاومة للأمراض؛ إضافة إلى أكثر من مائة إنزيم.

3- يحتوي على بكتيريا مفيدة تدعى العصية اللبنية المشقوقة، تقوم بوقاية الطفل من كثير من أمراض الجهاز الهضمي.

4- يحتوي على مادة الإنترفيرون المهمة التي تقاوم الفيروسات.

5- يحتوي على مواد مضادة للسموم، خاصة سموم بكتريا (ضمات) الكوليرا.

6- لا يسبب أية حساسية للطفل، بينما (30%) من متناولي الألبان المجففة يصابون بالحساسية.

7- فقير في الحامض الأميني فينايل الآنين، مما يقلل أية مضاعفات خطيرة عند الأطفال الذين يعانون من مرض وراثي يسمى (بيلة فينايل كيتون).

8- غني بالزنك، الذي تختفي معه أية مظاهر للأمراض الوراثية.

9- تكثر وفيات المهد بين الأطفال الذين يتغذون على غير لبن الأم.

10- يندر الإمساك بين أطفال الرضاعة الطبيعية.

11- تساعد الرضاعة الطبيعية على سلامة الفك، وحسن نمو الأسنان.

12- تحمي الرضاعة الطبيعية من مجموعة خطيرة من الأمراض، مثل سكري البول (النوع الأول)، وتصلب الشرايين، وبعض أنواع السرطانات، والسمنة، وتخفف من وقع أمراض وراثية كثيرة وخطيرة، مثل: التليف الكيسـي، ومرض سبلياك (المرض الجوفي) الذي يصيب الجهاز الهضمي، والأمراض التي سبق ذكرها.

13- يحتوي حليب المرضعة على كمية ذائبة من فيتامين (د)، يسهل امتصاصها، فيقي من مرض الكساح، الذي يحدث بنسبة غير قليلة بين الأطفال متناولي الألبان المجففة.

14- يحتوي حليب الأم على مادة (لاكتوفرين) التي تساعد على امتصاص الحديد بصورة أفضل، مقارنة بمن يتغذون على لبن الماشية.

15- تؤدي الرضاعة غير الطبيعية إلى زيادة في عدد من الهرمونات في جسم الطفل، مثل: الأنسولين، والموتولين، والنيوروتنسين.

16- يحتوي حليب الأم على أحماض دهنية غير مشبعة وحيدة ومتعددة، وهي مهمة لبناء الجهاز العصبي، بينما يحتوي لبن الأبقار على أحماض دهنية مشبعة لها علاقة فيما بعد بتصلب الشرايين والسمنة، كما توجد في لبن الأم خمائر خاصة تساعد على تحلل الدهون ويسر امتصاص الكالسيوم.

17- يحتوي حليب الأم على المعادن المطلوبة بكميات متناسبة ومتناسقة يتيسـر امتصاصها، أما لبن الأبقار فيحتوي على كميات أكبر غير مفيدة، بل ترهق الكلية في محاولة طردها، وهذا مما يعرض الكلى للأمراض.

18- يكون الأطفال الذين يحرمون من الرضاعة الطبيعية، أكثر عرضة للاضطرابات النفسية والسلوكية والانحراف.

أما أهم فوائد الرضاعة الطبيعية للأم:

1- لا يحتاج حليب الأم على تحضير ومعاناة، فهو جاهز ومعقم.

2- تنبه عملية الرضاعة أثناء مص الثدي الغدة النخامية الخلفية لتفرز هرمون الأوكسيتوسن، المهم جدًا لإعادة الرحم المتضخم بعد الولادة إلى حجمه ووضعه الطبيعي، وبالتالي يمنع النزف الشديد أثناء النفاس، كما أنه يقي الأم من حمى النفاس الخطيرة.

3- يعود جسم المرضعة إلى وضعه الطبيعي كما كان قبل الحمل.

4- تقوم الرضاعة الطبيعية بدور وقائي للحماية من سرطان الثدي والرحم.

5- تقي الرضاعة الأم من الجلطات التي تحدث أثناء فترة النفاس.

6- تعتبر الرضاعة التامة خلال الشهور الستة الأولى، من أهم وأفضل وسائل منع الحمل.

وأما أهم فوائد الرضاعة الطبيعية للمجتمع:

1- توفير ثمن الألبان المجففة التي تبلغ آلاف الملايين من الدولارات سنويًا.

2- توفير آلاف الملايين من الدولارات التي تنفق سنويًا على علاج الأمراض الخطيرة، الناتجة عن التغذية بالقارورة.

3- إنقاذ حياة ملايين الأطفال الذين يتوفون بسبب عدم التعقيم والإسهالات والإنتانات المختلفة.

4- إنقاذ اليافعين والشباب من الانحرافات النفسية والسلوكية، ولهذا مردود اجتماعي واقتصادي يقدر بآلاف الملايين من الدولارات سنويًا.

5- تقلل من إصابة البالغين بأمراض عديدة خطيرة، مثل: تصلب الشـرايين، والبول السكري، وسرطان الثدي والرحم، ولكل هذه مردود صحي واقتصادي يقدر بآلاف الملايين من الدولارات سنويًا.

الحادي عشر: الإعجاز العلمي الطبي في أن أقل مدة للحمل ستة أشهر:

قال تعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ [الأحقاف:15]؛ وقال: ﴿ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ [لقمان: 14]؛ وقال: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ [البقرة: جزء من الآية:233]. فإذا حذفنا مدة الإرضاع الكاملة وهي حولين، أي (24) شهرًا من (30) شهرًا، التي هي مدة الحمل والإرضاع معًا، فإذن يبقى ستة أشهر، وهي مدة الحمل التي يمكن للجنين أن يبقى حيًا إذا ولد بتمامها.

وقد اعتمد الصحابة رضي الله عنهم هذا الفهم الذي أفتى به ابن عباس، وذلك عندما هم عثمان بن عفان رضي الله عنه بتطبيق حد الزنا على امرأة ولدت لستة أشهر، ظنًا منه أن بداية حملها قبل الزواج، فقال ابن عباس رضي الله عنه: «أما أنها لو خاصمتكم بكتاب الله لخاصمتكم، قال تعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ ، وقال تعالى: ﴿ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ، فلم يبق للحمل إلا ستة أشهر»، فبرئت المرأة.

والإعجاز هنا: أن الطب الحديث قرر أن أقل مدة للحمل يمكن أن يبقى بعدها الجنين حيًا إذا ولد بتمامها هي ستة أشهر، فالولادة قبلها تسمى إسقاطًا، والجنين فيها غير قابل للبقاء حيًا، والولادة بعدها وقبل تمام الحمل لتسعة أشهر تسمى خِداجًا أو ولادة مبكرة؛ والخديج قابل للبقاء حيًا، لكن الطب يوصي بعناية خاصة به، خاصة إذا ولد لسبعة أشهر، فإنه يعيش بإذن الله تعالى، وهكذا سبق القرآن الكريم وفهم الصحابة رضي الله عنهم الطب الحديث!! [موسوعة الإعجاز العلمي: يوسف الحاج (1/127)، ومرجعه: أبحاث الدكتور محمود ناظم النسيمي: مدة الحمل من الناحية الطبية والفقهية والقانونية - رسالة جامعية].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة