السابع والعشرون: انشقاق القمر
لقد أسلم داود موسى بيدكوك -رئيس الحزب الإسلامي البريطاني- عندما علم من علماء أمريكان، وذلك عام (1978م) صحة قصة انشقاق القمر الذي ورد في القرآن الكريم، عندما استمع إلى حوار تلفازي على قناة الـ(BBC) عن رحلات الفضاء، وكان ضيوف البرنامج ثلاثة من العلماء الأمريكيين، وأدار الحوار معهم المذيع البريطاني المشهور: جيمس بيرك. تقول القصة باختصار شديد:
(أُهدي لبيدكوك نسخة مترجمة من القرآن الكريم، وعندما وقف عند الآية: ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ [القمر:1-2]، وضع القرآن جانبًا بحجة أن مثل هذه الخرافات هي التي جعلتهم يكذبون القرآن، ودارت الأيام، وكان موعده مع الهداية عندما قدر له أن يشاهد تلك الحلقة التلفازية مع رواد الفضاء الأمريكيين، وعندما استنكر المحاور صرف أموال طائلة على رحلات الفضاء، وهناك من يموت من الجوع في بعض البلاد المتخلفة، فرد أحد الرواد بأنهم وقفوا على حقيقة علمية لا تقدر بثمن، وهي اكتشافهم أن القمر قد انشق ذات يوم، وقد وقفوا على آثار الانشقاق، وهنا قفز بيدكوك من كرسيه ونطق بالشهادتين!! ثم تعمق في دراسة القرآن والسنة وحضارة الإسلام، حتى أصبح رئيسًا للحزب الإسلامي البريطاني). [انظر الأحاديث الواردة في قصة انشقاق القمر في كتاب السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، للمؤلف: دكتور مهدي رزق الله].
الثامن والعشرون: الإعجاز العلمي التاريخي في حروب الروم والفرس:
قال الله تعالى: ﴿ الم ﴿ ١ ﴾ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿ ٢ ﴾ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿ ٣ ﴾ فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ ٤ ﴾ بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿ ٥ ﴾ وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ ٦ ﴾ ﴾ [الروم:1-6].
إن سبب نزول هذه الآيات هو وقوع معركة بين مملكتي فارس والروم في منطقة بين أذرعات وبصرى، قرب البحر الميت، حيث انتصر فيها الفرس سنة (619م).
وحزن المسلمون لهزيمة الروم، لأنهم مثلهم أهل كتاب سماوي، بينما الفرس مجوس يعبدون النار، فأنزل الله عز وجل قرآنًا يواسي به المؤمنين ويرد فرحة الكافرين، فوعد الله تعالى المسلمين بأن الفرس ستغلب في المعركة الثانية بعد بضع سنوات، وأن نصر الروم سوف يتزامن مع نصر المسلمين على المشركين، والبضع: هو رقم بين الخمسة والسبعة، أو بين الثلاثة والتسعة، كما يقول أهل اللغة العربية، وقد تحقق ما وعد به القرآن الكريم بعد سبع سنوات، حيث وقعت معركة أخرى بين الفرس والروم عام (626م)، انتصر فيها الروم، وتزامن ذلك مع انتصار المسلمين على مشركي قريش في غزوة بدر الكبرى، فكانت الفرحة فرحتين، وهكذا تحقق وعد الله تعالى المعجز: نصر وفرح، نصر استبعده مشركو مكة؛ لأن قوة الفرس كانت ضاربة، مما حدا بأحد المشركين أن يقول معبرًا عن رأي جماعته: (محمد عاقل وما هو بمجنون، لقد جعل دينه كله ومستقبله كله والإسلام كله مرهون بانتصار دولة مهزومة، إنه حدد زمنًا قريبًا يكون في حياته؛ فلو أنه مرت عشر سنوات ولم تنتصر الروم راح الإسلام والقرآن ومحمد...).
وعندما تحقق ما قاله الله تعالى في القرآن، قالوا: لا يمكن أن يكون هذا من عند بشر! هذا صنع الذي يحكم البشر، فأسلموا! هذا هو الإعجاز العلمي التاريخي الأول، أما الإعجاز الثاني في هذه الآيات الكريمة:
أنها قررت حقيقة جغرافية لم تكن معروفة عند أحد في ذلك الوقت، حيث أخبرت أن الروم خسروا المعركة الأولى مع الفرس في أدنى منطقة من الأرض، ولكلمة (أدنى) معنيين: أقرب وأخفض؛ فهي من جهة أقرب منطقة لشبه الجزيرة العربية، ومن جهة أخرى هي أخفض منطقة على سطح الأرض، إذ إنها تنخفض عن مستوى سطح البحر بـ(1312) قدم، (حوالي 400متر)، كما جاء في الموسوعة البريطانية، [الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: أ. د. عبد الله المصلح وآخرون، (ص 193-198)؛ الموسوعة: يوسف الحاج (1/269-272)].
التاسع والعشرون: ملك مصر زمن يوسف عليه الصلاة والسلام:
جاء في الموسوعة العلمية في الإعجاز القرآني للدكتور سمير عبد الحليم: (إن القرآن يذكر حكام مصر القدامى بلقب فرعون، وقد وردت كلمة (فرعون) في (74) موضعًا، لكن في سورة يوسف لم يذكر القرآن لقب فرعون بل الملك! قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ ﴾ [يوسف:43].
وفي أواخر القرن التاسع توصل (شامبليون) -عالم الآثار الفرنسي- إلى حل رموز الكتابة (الهيروغليفية)، وأثبت العلم أن النبي يوسف عليه الصلاة والسلام عاش في مصر أيام الملوك الرعاة (الهكسوس) من عام (1730 إلى 1580 قبل الميلاد).
[الحقائق العلمية التي يثبتها القرآن ويؤيدها الفلك]
أما المجموعة الثالثة: المعجزات الكونية
فيمكن تلخيصها في التالي:
الإعجاز العلمي الكوني في قوله تعالى: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿ ٣٨ ﴾ ﴾ [يس:38].
يقرر علم الفلك بأن الشمس لها مجموعة من الكواكب والأقمار والمذنبات تتبعها دائمًا وتخضع لقوة جاذبيتها، وتجعلها تدور من حولها في مدارات متتابعة بيضاوية الشكل، وجميع أفراد هذه المجموعة تنتقل مع الشمس خلال حركتها الذاتية.
والخلاصة: أن المجموعة الشمسية تجري في الفضاء بسـرعة محدودة، وفي اتجاه محدود، وتبلغ هذه السرعة حوالي (700 كلم) في الثانية، وتتم دورتها حول المركز في مدى (200) مليون سنة ضوئية، ولم يتوصل علماء الفلك إلى معرفة هذه الحركة واتجاهها إلا في أوائل القرن العشرين، فأين هذا من وقت نزول القرآن، حيث لم يكن محمد النبي الأمي ولا قومه يعرفون شيئًا من ذلك، إنه الإعجاز!! [محمد إبراهيم، الإعجاز العلمي..، (ص 72)].
الحادي والثلاثون: الإعجاز العلمي في ذكر بروج السماء والقسم بها:
قال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ﴾ [الفرقان:61].
وقال: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ﴾ [الحجر:16]. وقال: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴿ ١ ﴾ ﴾ [البروج:1]. (البروج): تكوينات نجمية جميلة تراها كل يوم في السماء في أماكن وأوضاع شتى، ليس من الضروري أن تربطها أية علاقة فيزيائية... تمر أمامها الشمس أثناء دورانها الظاهري من حول الأرض، فالبروج كأنها منازل الشمس في دورانها أثناء السنة؛ وعدد هذه البروج اثني عشر، وهي: الحمل والثور والجوزاء والسـرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت.
إن بعض نجوم البرج الواحد قد تكون قريبة نسبيًا من الأرض، بينما يقع البعض الآخر على مسافة بعيدة نسبيًا، كل ما نعرفه عن نجوم البرج الواحد أنها تبدو من الأرض في نفس الاتجاه. [موسوعة الإعجاز العلمي... يوسف الحاج (1/303)؛ محمد إسماعيل إبراهيم: الإعجاز العلمي...، (ص 71)].
الإعجاز العلمي الحسي في قسم الله تعالى بـ ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴿ ١١ ﴾ ﴾ .
تشير الآية القرآنية الكريمة إلى أن أهم صفة للسماء هي أنها ذات رجع؛ فما معنى الرجع، وما إعجازه؟
الرجع في اللغة كما يقول ابن منظور في معجم لسان العرب: هو محبس الماء. وقال اللحياني: سميت السماء بذات الرجع لأنها ترجع الغيث.
وهي مشتقة من الرجوع، وهو العودة والعكس.
ومعنى الآية: أن السماء تقوم بوظيفة الإرجاع والعكس، وقد جاء العلم الحديث ليؤكد هذا التفسير، فقد كشف علماء الفلك أن طبقة التروبوسفير التي هي إحدى طبقات الغلاف الجوي للأرض، تقوم بإرجاع ما تبخر من الماء على شكل أمطار إلى الأرض من خلال دورة دائمة سميت بدورة تبخر الماء.
كما اكتشف علماء الفلك أيضًا: أن طبقة التروبوسفير، وهي التي تضم طبقة الأوزون تقوم بإرجاع وعكس الإشعاعات الضارة المافوق بنفسجية إلى الفضاء الخارجي، وبالتالي فهي تحمي الأرض من كميات كبيرة من ضوء الشمس وحرارتها إلى الأرض، كما نصت على ذلك الموسوعة البريطانية.
أما طبقة التيرموسفير، فإنها تقوم بعكس وإرجاع موجات الراديو القصيرة والمتوسطة التردد (AM وSW) الصادرة من الأرض، وهذا ما يفسر إمكانية استقبال هذه الموجات من مسافات بعيدة جدًا، وقد ذكرت ذلك بالتفصيل الموسوعة البريطانية.
يتضح مما تقدم: أن أهم صفة للسماء كشف عنها العلماء في القرن العشـرين هي أنها ذات رجع! ووجه الإعجاز في الآية هو دلالتها الواضحة على أن أهم صفة للسماء هي أنها ذات رجع، وهذا ما كشفه العلم الحديث في القرن العشرين.
الإعجاز العلمي الكوني الحسي في قسم الله تعالى: ﴿ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ﴿ ١٢ ﴾ ﴾ [الطارق:12].
سبحان الله عز وجل الذي وصف الأرض من قبل (1400) سنة بأنها ذات صدع، لأن هذه الشبكة الهائلة من الصدوع العملاقة أو الأودية الخسيفة التي تمزق الغلاف الصخري للأرض، بعمق يتراوح بين (65 و150 كم)، وتمتد لعشـرات الآلاف من الكيلومترات لتحيط بالأرض، إحاطة كاملة في كل الاتجاهات تتصل ببعضها البعض، وكأنها صدع واحد.
وسبحان الله العظيم الذي أقسم بالأرض ذات الصدع من قبل أكثر من (1400) سنة تفخيمًا لظاهرة من أروع ظواهر الأرض وأكثرها إبهارًا للعلماء، وأشدها لزومًا لجعل الأرض كوكبًا صالحًا للحياة وللعمران؛ لأنه بدونها لم يكن ممكنًا للأرض أن تكون صالحة لذلك؛ فعبر هذه الصدوع العملاقة خرج كل من الغلافين المائي والغازي للأرض؛ ولا يزالان يتجددان؛ وعبر النشاط الملازم لها تحركت ألواح الغلاف الصخري الأولى للأرض، فتكونت القارات والسلاسل والجزر البركانية، وتجددت قيعان المحيطات، وتزحزحت القارات، وتبادلت اليابسة والمحيطات، وثارت البراكين لتخرج قدرًا من الحرارة الأرضية الحبيسة في داخل الأرض، والتي كان من الممكن أن تفجرها لو لم تتكون تلك الصدوع العملاقة؛ وخرجت كميات هائلة من المعادن والصخور ذات القيمة الاقتصادية مع هذه الثورات البركانية، ونشطت ديناميكية الأرض، وثبتت ألواح غلافها الصخري بالجبال.
ومن هنا: كان القسم القرآني بالأرض ذات الصدع من قبل (1400) سنة. والعمل الكوني لم يصل إلى كشف تلك الحقيقة إلا في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن العشرين، ولم يكن لأحد في زمن الوحي، ولا لقرون متطاولة من بعده، إلمام بتلك الحقيقة الأرضية، أو بإدراك لشـيء من جوانبها؛ ولا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرًا لها قبل أكثر من (1400) سنة، ولكن الله تعالى الخالق هو الذي أخبر بذلك. [أ. د. المصلح وآخرون: الإعجاز العلمي...، (ص 204-205)].
وهذا السبق القرآني بالإشارة إلى تلك الحقيقة الأرضية وإلى غيرها من الحقائق الكونية، هو ما يؤكد أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى الخالق.
الإعجاز العلمي الكوني الحسي في قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴿ ٣٠ ﴾ ﴾ [الأنبياء:30].
إن مسألة نشأة الكون من القضايا التي تكلم فيها الفلاسفة والعلماء، ولكنها كانت خبط عشواء، فلقد تعددت النظريات والتصورات إلى أن تحدث عالم الفلك البلجيكي (جورج لوميترGeorge Le Maitre) سنة (1927م) عن أن الكون كان في بدء نشأته كتلة غازية عظيمة الكثافة واللمعان والحرارة، أسماها البيضة الكونية.
ثم حصل في هذه الكتلة، بتأثير الضغط الهائل المنبثق من شدة حرارتها، انفجار عظيم فتتها وقذفها مع أجزائها في كل اتجاه؛ فتكونت مع مرور الزمن الكواكب والنجوم والمجرات، وقد سمى بعض العلماء هذه النظرية بـ(الانفجار العظيم - Big Bang).
وفي عام (1840م) أيد عالم الفلك الأمريكي (من أصل روسي) جورج غاموفGeorge Gamov نظرية الانفجار العظيم، مما مهد الطريق لكل من العالمين: (بنزيازPenziaz) و(ويلسون) سنة (1964م)، اللذان التقطا موجات راديو منبعثة من جميع أرجاء الكون، لها نفس الخصائص الفيزيائية في أي مكان سجلت فيه، لا تتغير مع الزمن أو الاتجاه، فسميت (النور المتحجر)، أي: النور الآتي من الأزمنة السحيقة، وهو من بقايا الانفجار العظيم الذي حدث في الثواني التي تلت نشأة الكون!!
وفي سنة (1989م) أرسلت وكالة ناسا قمرها الاصطناعي (Gobe Explorer)، والذي قام بعد ثلاث سنوات بإرسال معلومات دقيقة إلى الأرض تؤكد نظرية الانفجار العظيم، وسمي هذا الاكتشاف باكتشاف القرن العشرين.
ومعنى الآية: أن الأرض والسموات بما تحويه من مجرات وكواكب ونجوم، والتي تشكل بمجموعها الكون الذي نعيش فيه، كانت في الأصل عبارة عن كتلة واحدة ملتصقة. وقوله تعالى: ﴿ رَتْقًا ﴾ أي: ملتصقين، إذ الرتق هو: الالتصاق، ثم حدث لهذه الكتلة الواحدة (فتق) أي: انفصال وانفجار تكونت بعده المجرات والكواكب والنجوم، وهذا ما كشف عنه علماء الفلك في نهاية القرن العشرين.
أوليس هذا التوافق مدهشًا للعقول؟! يدعوها للإيمان بخالق هذا الكون مسبب الأسباب؟! قال تعالى: ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿ ١٤٧ ﴾ ﴾ [البقرة:147]. [موسوعة الإعجاز العلمي: يوسف الحاج (1/377-381)].
الإعجاز العلمي الحسي في قوله تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴿ ١٨ ﴾ ﴾ [ق: 18].
لقد أثبت العلم الحديث أنه ما من صوت ولا حركة من الحركات إلا وهو موجود ومسجل في الكون، لا يتلاشى أو يزول نهائيًا؛ فالقول الذي أخبر الله سبحانه وتعالى عنه بقوله: ﴿ مَا يَلْفِظُ ﴾ ، ما هو إلا موجات صوتية باقية في الأثير، يمكن سماعها مرة أخرى، غير أنه ليس لدينا الأجهزة الملائمة لاسترجاع هذه الأصوات وتمييزها، وهذا لا ينفي وجود المَلَكُ الرقيب العتيد، الذي يدون ما ينطق به الإنسان.
وكذلك الأعمال مرسومة بكافة أحوال المرء بما تشيعه من موجات حرارية معلقة في الهواء يمكن تجميعها إذا توفرت الأجهزة القادرة على ذلك لإعادة تحركات وأحوال الإنسان، غير أن البشر عاجزون عن ذلك.
هذا ما أثبتته نظريات العلوم الحديثة في إمكانية استرجاع أقوال وأعمال الناس لمحاسبتهم، ولقد جاء كتاب الله سبحانه وتعالى قبل هذا بقرون ليخبر الناس أنه في الآخرة سيعطى كل امرئ سجلًا لأعماله. [كيف ولماذا اعتنقوا الإسلام: د. محمد إبراهيم الحسن و: إبراهيم ابن صالح المعتاز، (ط1)، مكتبة الخريجي، (ص 44)، الإسلام يتحدى: وحيد الدين خان].
السادس والثلاثون: الإعجاز العلمي في جعل الله تعالى الجبال أوتادًا للأرض:
قال الله عز وجل: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ﴿ ٦ ﴾ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴿ ٧ ﴾ ﴾ [النبأ:6-7].
عندما خلق الله سبحانه وتعالى القارات، بدأت في شكل قشـرة صلبة رقيقة تطفو على مادة الصهير الصخري، فأخذت تميد وتضطرب، فخلق الله تعالى الجبال البركانية التي كانت تخرج من تحت تلك القشرة، فترمي بالصخور خارج سطح الأرض ثم تعود منجذبة إلى الأرض، وتتراكم بعضها فوق بعض، مكونة الجبال؛ وتضغط بأثقالها المتراكمة على الطبقة اللزجة، فتغرس فيها جزرًا من مادة الجبل، الذي يكون سببًا لثبات القشرة الأرضية واتزانها.
في الوقت الذي كان فيه الإنسان يجهل حقيقة الجبال، والذي ظل حتى منتصف القرن التاسع عشر، جزم القرآن الكريم في هذه الآية بأن الجبال تشبه الأوتاد شكلًا ووظيفة، وتبين حديثًا صدق هذا التشبيه الدقيق، فبما أن للوتد جزء ظاهر فوق سطح الأرض وجزء منغرس في باطن قشرة الأرض، ووظيفته تثبيت ما يتعلق به، فكذلك الجبال لها جزء ظاهر فوق قشرة الأرض، وجزء منغرس في باطنها يتناسب طردًا مع ارتفاعها وعلوها؛ ووظيفة الجبال هي تثبيت ألواح قشرة الأرض ومنعها من أن تميد وتضطرب بفعل الطبقة المنصهرة تحتها...
ولقد وصف الله تعالى وظيفة الجبال، فقال: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ [النحل:15]، وهنا الإشارة إلى الطريقة التي تكونت بها الجبال البركانية بإلقاء مادتها من باطن الأرض إلى الأعلى، ثم عودتها لتستقر على سطح الأرض.
إن من ينظر إلى الجبال على سطح الأرض لا يرى لها شكلًا يشبه الوتد أو المرساة، وإنما يراها كتلًا بارزة ترتفع فوق سطح الأرض، كما عرفها الجغرافيون والجيولوجيون. ولا يمكن لأحد أن يعرف شكلها الوتدي، أو الذي يشبه المرساة إلا إذا عرف جزءها الغائر في الصهير البركاني في منطقة الوشاح، وكان من المستحيل لأحد من البشـر أن يتصور شيئًا من ذلك حتى ظهرت نظرية السير (جورج ايري) عام (1855م).
فالجبال أوتاد بالنسبة لسطح الأرض، فكما يختفي معظم الوتد في الأرض للتثبيت، كذلك يختفي معظم الجبل في الأرض لتثبيت قشـرة الأرض، وكما تثبت السفن بمراسيها التي تغوص في ماء سائل، فكذلك تثبت قشرة الأرض بمراسيها الجبلية التي تمتد جذورها في طبقة لزجة نصف سائلة تطفو عليها القشرة الأرضية.
فمن أخبر محمد ﷺ بهذه الحقيقة الغائبة في باطن القشرة الأرضية وما تحتها على أعماق بعيدة تصل إلى عشرات الكيلومترات، قبل معرفة الناس لها بأكثر من ثلاثة عشر قرنًا؟! ومن أخبره بوظيفة الجبال... وهي الحقيقة التي لم يعرفها الإنسان إلا بعد عام (1960م)؟!
وهل شهد خلق الأرض وهي تميد؟ وتكوين الجبال البركانية عن طريق الإلقاء من باطن الأرض وإعادتها عليها لتستقر الأرض؟!
إنها البينة العلمية المعجزة المحسوسة الشاهدة بأن مصدر هذا القرآن هو خالق الأرض والجبال، وعالم أسرار السموات والأرض، القائل: ﴿ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿ ٦ ﴾ ﴾ [الفرقان:6].
السابع والثلاثون: معجزة أن السماء كانت دخانًا في بدء خلق الكون:
قال تعالى: ﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿ ٩ ﴾ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ﴿ ١٠ ﴾ ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴿ ١١ ﴾ ﴾ [فصلت:9-11].
يصرح القرآن الكريم هنا أن السماء كانت في بدء خلق الكون دخانًا، ويأتي العلم الحديث اليوم مصدقًا لما جاء به القرآن!!
فالعالم الفلكي (جيمس جينز) يقول: (الراجح أن مادة الكون بدأت غازًا منتشـرًا خلال الفضاء بانتظام، وإن السدائم خلقت من تكاثف هذا الغاز).
إن تشبيه مادة خلق السموات بالدخان دون الهباء أو البخار أو الهواء يشير إشارة مدهشة رائعة إلى أن مادة السماء الأولية قبل خلقها كان لها من الصفات الهامة ما يشبه صفات الدخان العادي الذي يتصاعد من النيران... كانت مادة مظلمة بذاتها، مفككة الأجزاء، خفيفة، ومنتشرة في الفضاء كما ينتشر السحاب، ساخنة إلى حد ما، وهي كالدخان العادي؛ كانت حاوية لرقائق أنواع المادة الثلاثة الصلبة والسائلة والغازية [م. فارس، (ص 165)].
الثامن والثلاثون: معجزة أن القمر كان في القديم كوكبًا مشتعلًا:
قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾ [الإسراء:12].
تشير الآية الكريمة إلى حقيقة علمية لم تكتشف إلا في القرن العشـرين، وهي أن القمر كان في القديم كوكبًا مشتعلًا ثم أطفأ الله تعالى نوره.
وقد ورد هذا الكشف العلمي على لسان حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حيث يقول: (كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، وهو آية الليل، فمحي؛ فالسواد الذي في القمر أثر ذلك المحو) [الإعجاز العلمي في القرآن: محمد سلامة محمد علي].
إن هذا الاستنباط لابن عباس رضي الله عنهما من القرآن الكريم، كان منذ أكثر من (1400) سنة، فماذا يقول علماء الفلك؟ لقد اكتشفوا أن القمر كان مشتعلًا في القديم ثم مُحِي ضوؤه وانطفأ، فقد أظهرت المراصد المتطورة والأقمار الاصطناعية الأولى صورًا تفصيلية للقمر، وتبين من خلالها وجود فوهات لبراكين وارتفاعات وأحواض منخفضة، ولم يتيسر للعلماء معرفة طبيعة هذا القمر تمامًا حتى وطئ رائد الفضاء الأمريكي (نيل آرمسترونق) سطحه عام (1969م)، ثم بوساطة وسائل النظر الفلكية الدقيقة، والدراسات الجيولوجية على سطحه، وبعد أن تم تحليل تربته، استطاع علماء الفضاء القول -حسب ناسا- بأن القمر قد تشكل منذ(4،6 سنة)، وتعرض خلال تشكله لاصطدامات كبيرة وهائلة مع الشهب والنيازك، وبفعل درجات الحرارة الهائلة تم انصهار حاد في طبقاته، مما أدى إلى تشكيل الأحواض التي تدعى ماريا (Maria)، وقمم وفوهات تدعى كرايترز (Criaters)، والتي قامت بدورها بإطلاق الحمم البركانية الهائلة، فملأت أحواضه في تلك الفترة، ثم برد القمر، فتوقفت براكينه وانطفأت حممه، وبذلك انطفأ القمر، وطمس بعد أن كان مشتعلًا. [فارس: الإعجاز العلمي...، (ص 179)].
لقد فرق الله تعالى بين الضياء والنور في الشمس والقمر، فقال: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ﴾ [يونس:5].
وفي أكثر القواميس: لا فرق بين النور والضياء، ولكن الله تعالى فرق بينهما، فالأشعة التي تأتي من مصدر ضوئي غير مباشر سميت بالنور، فقد كشف العلم الحديث أن الشمس هي مصدر الضياء، والضياء ينعكس على القمر فيعطي نورًا..!! [فارس، (ص 194)].
الإعجاز العلمي المحسوس في قوله تعالى: ﴿ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ﴿ ٦ ﴾ ﴾ [الطور: 6]:
من معاني كلمة (مسجور) المسخن.
لقد ثبت علميًا وجود براكين نارية تخرج من قاع البحر، ولم يعرف ذلك إلا في النصف الثاني من القرن العشرين. وقد أمكن تصوير هذه البراكين وقياس حرارة الماء الموضعية حول النار الخارجية من قاع البحر.
وتدل كلمة المسجور -أي: المسخن- تدل على وجود نار تحت البحر فتسخنه، وهي نار البراكين المكتشفة حديثًا، وقد تكلم عنها القرآن قبل عشرات القرون، وهذا دليل قاطع على أنه وحي الله تعالى أنزله على محمد ﷺ.
وهنا نشير إلى ما ورد على لسان البروفسير (شرويدر)، وهو من أكبر أساتذة علم البحار الألمان، قال في ندوة عقدت بجامعة الملك عبد العزيز السعودية بعد أن عرضت عليه هذه الحقائق عن علم البحار، وبعد أن سمع معنى الآيات القرآنية، ووجهت إليه عدة أسئلة؛ قال بالحرف الواحد: (إن ما سمعته في هذه الندوة، وما وجه إليّ من أسئلة ليثبت أن كل ما نكتشفه نحن العلماء كان مذكورًا من قبل الله الخالق المجيد، مما يعني أن هنالك علمًا واحدًا وحقيقة واحدة، وإلهًا واحدًا؛ وإنني أطالب بنشر هذا العلم في مثل هذه المجامع العلمية، ومن خلال العالم كله).
من المؤكد إن هذا العلم ليس من عند محمد ﷺ؛ لأنه عاش في عصـر لا يمكن للإنسان أن يغطس لمسافة عميقة في البحر إلا بوساطة معدات وأوكسجين وأدوات غطس حتى يصل إلى هذه الحقائق العلمية التي تؤكد صدق رسالته، ووجود خالق يعرف أسرار ما خلق. [م. فارس، (ص 101)].
الأربعون: الإعجاز العلمي في القسم الإلهي بـ(الجوار الكنس):
قال تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴿ ١٥ ﴾ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ﴿ ١٦ ﴾ ﴾ [التكوير: 15-16].
ولفظة: (خَنَسَ): تعني في اللغة: اختبأ واختفى، وهي صيغة مبالغة: تعني أجرام مبالغ في اختفائها.
لقد أقسم الله عز وجل بحقيقة لم يعرفها العلماء إلا منذ سنوات قليلة، وهي الثقوب السوداء، وهي هالة من النجوم العملاقة تتركز عادة في قلب المجرات، وتعتبر مراكز ثقل للمجرات، وهي هالة كثيفة جدًا للمادة، لا يكاد العقل البشـري أن يتصورها، تتكدس فيها المادة، بحيث تتلاشى المسافات البينية بين مكونات الذرات، لأن الذرة أغلبها فارغ، وحجم المادة فيها ضئيل للغاية، فإذا تلاشت المسافات بين اللبنات الأساسية للذرة تضاءل حجمها تضاؤلًا شديدًا حتى لا تكاد تدرك؛ وبتكديس المادة في داخل النجم العملاق تصبح له جاذبية فوق التصور، تحول دون انفلات الضوء منه، وحينئذ يختفي هو ومركز ثقل المجرة؛ لأن كل ما في المجرة من أجرام تترابط بجاذبية الثقب الأسود كمركز للثقل لها.
ولكي يتكون ثقب أسود لا بد أن تنضبط كتلته، وهي تعادل السـرعة الكونية أو سرعة الضوء؛ وعلى سبيل التشبيه فإن نجمًا في حجم الشمس التي يبلغ قطرها (1392000) كيلومترًا، تحتاج إلى الانضغاط حتى يصبح قطرها (3) كيلومترات فقط كي تتحول إلى ثقب أسود.
أما الجوار الكنس... قالوا: الكنس في اللغة مثل (خنس) بمعنى اختبأ واختفى أيضًا؛ ولكن التكرار هنا ما معناه أنه ليس للتأكيد، ولذلك خلصت إلى أن الكنس هن من الكَنْس، بمعنى مسح صفحة السماء، وليست من الاختفاء. [موسوعة الإعجاز العلمي: يوسف الحاج (1/400)، ومرجعه: من آيات الإعجاز في القرآن الكريم، للدكتور زغلول النجار، (ص 262) - الثقوب السوداء].
وصدق الله العظيم القائل: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ ﴾ [فصلت:53].
الحادي والأربعون: الإعجاز العلمي في مصدر الحديد:
قال الله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ [الحديد:25].
قال أشهر علماء العالم في مجاله، البروفسير استروخ، من وكالة الفضاء الأمريكية ناسا: (لقد أجرينا أبحاثًا كثيرة على معادن الأرض، وأبحاثًا معملية... ولكن المعدن الوحيد الذي يحير العلماء هو الحديد، فذرات الحديد لها تكوين مميز، إن الإلكترونات والنيترونات في ذرة الحديد لكي تتحد فهي محتاجة إلى طاقة هائلة تبلغ أربع مرات مجموع الطاقة الموجودة في مجموعتنا الشمسية، ولذلك فلا يمكن أن يكون الحديد قد تكون على الأرض، ولا بد أنه عنصـر غريب وفد إلى الأرض ولم يتكون فيها). [م. فارس: الإعجاز العلمي.. (ص 53)؛ يوسف الحاج: موسوعة الإعجاز العلمي...، (1/228)؛ والزنداني: وأنزلنا الحديد، الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة - العدد (23)؛ د. زغلول البخار: موسوعة الإعجاز العلمي - جريدة الأهرام - يوليو (2001م)؛ أ. د. علي الطاهر شرف الدين: تأصيل العلوم الطبيعية بين مستلزمات النهضة وتحديات العولمة - مجلة التعليم العالي والبحث العلمي - العدد (3)، عام (2004م)؛ د. مبارك ضرار عبد الله: المعادن والعناصر الكيميائية في القرآن الكريم - مجلة أبحاث الإيمان - العدد (20)، (رجب 1427هـ/ أغسطس 2006م)، (ص 157-158)؛.. إلخ].
وتجدر الإشارة هنا إلى أن علماء الكيمياء قد وجدوا أن معدن الحديد هو أكثر المعادن ثباتًا، ولم يتوصل العلم إلى الآن من اكتشاف معدن له خواص الحديد في بأسه وقوته ومرونته وشدة تحمله للضغط، وهو أيضًا أكثر المعادن كثافة، حيث تصل كثافته إلى (7874كم3)، وهذا يفيد الأرض في حفظ توازنها، كما يعتبر الحديد الذي يشكل (35%) من مكونات الأرض، أكثر العناصر مغناطيسية وذلك لحفظ توازنها. [يوسف الحاج (1/226)].
وتجدر الإشارة كذلك إلى حديث نبوي عن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد والنار والماء والملح».
وقد أخرج هذا الحديث: الديلمي [مسند الفردوس؛ والسيوطي: جمع الجوامع؛ وابن كثير: الكافي الشافي في تخريج أحاديث الكشاف؛ والعجلوني: كشف الخفاء؛ والقرطبي: التفسير].
وعلى الرغم من صحة متن هذا الحديث في ضوء المكتشفات العلمية الحديثة، إلا أن علماء الحديث قد حكموا عليه بالوضع، لأن فيه سيف بن محمد بن أخت سفيان الثوري، الذي عدوه من الكذابين الوضاعين للحديث، ومن أولئك العلماء: ابن الجوزي، والإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو داود وزكريا الساجي، والنسائي، والدارقطني.
وجاء في حديث آخر فيه: أن الملائكة عندما عجبت من شدة الجبال، فقالوا: يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: «نعم، الحديد...» [الترمذي (3366)؛ أحمد (12253)، ضعفه محققو الموسوعة الحديثية، وخرجوه].
الثاني والأربعون: الصورة التي أذهلت العالم:
تقول الدكتورة أميرة الشنواني -دكتوراه في العلوم السياسية- في صحيفة الأهرام المصرية (2/3/2004م) ما خلاصته:
(... وبينما كنت أشاهد برنامج (صباح الخير يا مصر)، رأيت الإعلامي المتميز تامر أمين يطلعنا على صورة وخبر في إحدى الصحف، نقلًا عن بعض وكالات الأنباء، قائلًا: (إن علماء الفضاء يقولون إن الكرة الأرضية عندما تلتقط لها صور من الفضاء دائمًا تبدو في ظلام دامس، أو كأنها مجموعة من الصخور المظلمة، ولكن في آخر رحلة فضائية أطلقت فيها وكالة الفضاء الأمريكية قمرها الاصطناعي، ظهرت الأرض كالمعتاد كلها ظلمة، ما عدا بقعتين اثنتين ظهرتا مضيئتين بنور ساطع واضح، وهما الكعبة والمسجد النبوي!!) [وانظر: عرس، م. عبد الوهاب، مقال بعنوان: (نور الحق)، جريدة الجمهورية، بعددها الصادر يوم الخميس (11/3/2004م)؛ و: د. السيد فتحي عبد الشافي وسعد المنسوب محمد الشيخ: الحقائق العلمية المعاصرة عن الإنسان والكون في القرآن الكريم، (ص 309- 319)].
يقول الأستاذ الشيخ محمد عبد الجواد محمد [في مقال له بمجلة المجاهد، عدد (287)، (ربيع أول 1425هـ/ مايو 2004م): (إن هذه الصورة... هي تفسير علمي محسوس، وتصديق لكل ما ذكره القرآن الكريم عن الإسلام والقرآن والنبي ﷺ، وهو أن كل واحد من الثلاثة نور، بل تصحيح لفهمنا لمعنى النور كلما أطلق على الإسلام والقرآن وصاحب الرسالة ﷺ، فكنا نقره بأنه نور معنوي وليس محسوسًا تسجله الكاميرات وتشاهده العين.. فإذا بوكالة ناسا تكشف لنا أن أنوارهم حقيقية محسوسة تصورها كاميرات وكالة الفضاء الأمريكية ناسا). [انظر: الحقائق العلمية..: عبد الشافي والشيخ، (ص 311-312)]. والحمد لله تعالى.
الثالث والأربعون: إعجاز القرآن في وصف ظلمات البحار العميقة وأمواجها الداخلية:
قال الله تعالى: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴿ ٤٠ ﴾ ﴾ [النور:4].
لقد اكتشف العلم التجريبي خلال القرون الثلاثة الماضية، وبعد توفر الأجهزة الدقيقة، وبتضافر جهود أعداد كبيرة من الباحثين وعلماء البحار، الحقائق التالية:
وجود ظلمات في البحار العميقة، ووجود أمواج داخلية فيها مخالفة للأمواج السطحية، وأن هذه الظلمات متراكبة بعضها فوق بعض، حيث تزداد بالتدرج مع زيادة العمق حتى تنعدم الرؤية تمامًا، وهذا ما قررته الآية المذكورة [النور:40].
لقد ذكر القرآن الكريم معلومات دقيقة عن وجود ظلمات في البحار العميقة، وأشار إلى سبب تكوينها، ووصفها بأن بعضها فوق بعض، ولم يتمكن الإنسان من معرفة هذه الظلمات إلا بعد عام (1930م)، وأخبر القرآن عن وجود موج داخلي في البحار لم يعرفه الإنسان إلا بعد عام (1900م)، كما أخبر بأن هذا الموج الداخلي يغطي البحر العميق، الأمر الذي لم يعرف إلا بعد صناعة الغواصات بعد الثلاثينيات من القرن العشرين؛ كما أخبر القرآن عن دور الموج السطحي، والموج الداخلي في تكوين ظلمات البحار العميقة، وهو أمر لم يعرف إلا بعد تقدم العلم في القرون الأخيرة، كما أن الأسماك في تلك الأعماق السحيقة ليس لها عيون، بل مجهزة بأعضاء منيرة خلقها الله تعالى في جسمها ينير طريقها!!
من أخبر محمدًا ﷺ بهذه الأسرار في أعماق البحار في وقت كانت وسائل البحث العلمي التجريبي فيه معدومة، والخرافة والأسطورة هي الغالبة على سكان الأرض في ذلك الزمان، خاصة في مجال البحار؟! إنه الله عز وجل: ﴿ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ ﴾ [الفرقان:6]. [الإعجاز العلمي في القرآن والسنة -منهج التدريس الجامعي-: أ.د. عبد الله المصلح، ود. عبد الجواد الصاوي، بالاشتراك مع أحد عشر عالمًا، على رأسهم الشيخ الدكتور عبد المجيد الزنداني، (ص 227-228)، وانظر التفاصيل في (ص 216-227)، وهي مهمة جدًا. وانظر كذلك: موسوعة الإعجاز العلمي للعلامة يوسف الحاج (1/439-444) بعنوان: (ظلمات البحار، وحركة الأمواج)].
كان البروفسير (شرايدر) [وهو من أكبر علماء البحار بألمانيا الغربية] يقول: (إذا تقدم العلم فلا بد أن يتراجع الدين...)، لكنه عندما سمع معاني آيات القرآن بهت وقال: (إن هذا لا يمكن أن يكون كلام بشر!!). [انظر الموسوعة ليوسف الحاج (1/444)].
الرابع والأربعون: الإعجاز العلمي في القسم بـ(مواقع النجوم):
قال تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴿ ٧٥ ﴾ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴿ ٧٦ ﴾ ﴾ [الواقعة: 75-76].
إن القسم بمواقع النجوم يوجه الانتباه إلى أن المسافات بين النجوم تبلغ حدودًا لا يتصورها الخيال، فمثلًا نجد أن أقرب نجم إلينا في مجرتنا وهي الشمس تبعد عنا بمقدار (500) ثانية ضوئية، بينما النجم الذي يليها في القرب يبعد عنا بمقدار أربع سنوات ضوئية تقريبًا، والسنة الضوئية تدل على مدى المسافة التي يقطعها الضوء في مدة سنة كاملة، علمًا بأن سرعة الضوء تساوي (300000 كم) في الثانية؛ ثم إن هناك مدلولًا علميًا آخر عن مواقع النجوم، وهو أن موقع الشمس بالغ الدقة في وضعه لكي تستقيم معه الحياة على كوكبنا الأرضي، لأنها لو تقدمت عن موضعها الحالي لاحترقت الأرض من شدة حرارتها، ولو تأخرت عن موضعها لبردت الأرض وتجمدت فيها البحار والمحيطات، وتصبح غير صالحة لحياة البشر عليها. [القرآن وإعجازه العلمي: محمد إسماعيل إبراهيم، (ص 62)].
قال مراجع كتاب: (الله يتجلى في عصر العلم: د. محمد جمال الدين الأفندي، (ص 164)): (... ويحدث علماء الفلك بأن المسافات بين النجوم تبلغ حد الخيال، فإن مجموعات النجوم التي تُكَوَّن أقرب مجرات السماء منا تبعد عنا بنحو (700) ألف سنة ضوئية، والسنة الضوئية تعادل عشرات الملايين من الكيلومترات).
الخامس والأربعون: الإعجاز العلمي الاجتماعي في بيت العنكبوت:
قال تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿ ٤١ ﴾ ﴾ [العنكبوت:41].
ما دلالة قوله تعالى: (اتخذت)، بالتأنيث وليس التذكير؟ وما دلالة قوله تعالى: (بيت العنكبوت)، ولم يقل: خيط العنكبوت؟!
جاء في كتاب: (العلوم في القرآن) للدكتورين: محمد جميل الحبال ومقداد مرعي الجواري [بتصرف من فارس، (ص 65)]: (هنا معجزة، (اتخذت) دلالة على الأنثى، فالأنثى هي التي تصنع البيوت، وتفرز مادة البناء، وفي الآية إعجاز علمي اجتماعي هائل، فأولًا: من ناحية المتانة فقد ثبت أن خيط العنكبوت كخيط من أقوى المواد، بل أقوى من الحديد والألمنيوم كخيط من الناحية العلمية الميكانيكية، وإنما هنا المقصود ببيت العنكبوت: الوهن الاجتماعي، ففي دراسة علم الحشـرات وتصـرفات وسلوك الحشرات وجدوا أن بيت العنكبوت من أوهن البيوت اجتماعيًا؛ فالأنثى عندما يلقحها الذكر تقوم بقتله!! وعندما تفقس البيوض وتنتج العناكب، تقتل العناكب بعضها البعض، ويحدث الأكل فيما بينها، فهي إشارة إعجازية رائعة على وهن البيت اجتماعيًا، فالذي يتخذ من دون الله تعالى أولياء فهو في وهن اجتماعي شديد كحال سلوك العناكب في محيطها الاجتماعي...).