السادس والأربعون: موت الوليد بن المغيرة وأبي لهب وزوجته أم جميل والعاص بن وائل السهمي على الكفر:
قال الله تعالى عن الوليد: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴿ ٢٦ ﴾ ﴾ [المدثر:26]. وقال عن أبي لهب: ﴿ سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴿ ٣ ﴾ ﴾ [المسد:3]. وقال عن أم جميل: ﴿ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴿ ٤ ﴾ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴿ ٥ ﴾ ﴾ [المسد:4-5]. وقال عن العاص بن وائل: ﴿ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ﴿ ٧٧ ﴾ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا ﴿ ٧٨ ﴾ كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا ﴿ ٧٩ ﴾ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا ﴿ ٨٠ ﴾ ﴾ [مريم:77-80].
والإعجاز هنا: كان من الممكن أن يدّعوا الإسلام نفاقًا، ولكن لم يحدث ذلك، فماتوا على الكفر!! ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴿ ١٨٥ ﴾ ﴾ [الأعراف:185]؛ ﴿ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ [يوسف:111]؛ ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الجاثية:6]؛ ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴿ ٨٧ ﴾ ﴾ [النساء:86].
ومع وجود الآلاف من مثل هذه المعجزة البينة لم تخل حتى مجتمعات المسلمين من الكفر والنفاق، وصدق الله تعالى القائل: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿ ٧ ﴾ ﴾ [الأنعام:7].
التفسير العلمي لقوله: ﴿ رُدُّوهَا عَلَيَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ﴿ ٣٣ ﴾ ﴾ [ص:33]:
لقد فُسرت هذه الآية قديمًا بأن النبي سليمان ﷺ عندما عُرضت عليه الخيل في وقت صلاة العصر، شغلته وألهته عن الصلاة، فتملكه الغضب، وأخذ يقطع سيقان هذه الخيول وأعناقها بالسيف، وينافي هذا التفسير ما جاء في الآية من أن سليمان ﷺ كان نعم العبد الأواب، فكيف يصدر عن نبي أثنى عليه القرآن الكريم هذا الثناء أن يكون قاسيًا إلى حد قتل الخيول البريئة التي هي عدة المؤمنين في قتال أعداء الدين والذود عن حياض الأوطان بغير ذنب جنته، وقد فُسـرت الآيات بعد ذلك تفسيرًا معقولًا أقرب إلى الواقع المفهوم، وهو أن سليمان ﷺ عُرضت عليه بعد الظهر الخيل الأصيلة التي تسكن حين وقوفها وتسرع حين سيرها، فقال سليمان ﷺ: إني أُشربت حب الخيل لأنها عدة الخير، وهو الجهاد في سبيل الله، وأن حبها نشأ عن ذكري لربي، وما زال مشغولًا بعرضها حتى غابت عن ناظريه؛ ثم إنه أمر بردها عليه ليتعرف على أحوالها، فأخذ يمسح سوقها وأعناقها ترفقًا بها وحبًا لها واستئناسًا لها.
وبعد أن تقدم العلم كثيرًا نجد أن الإنسان قد توصل في مجال الطب البيطري إلى أن ما فعله سليمان ﷺ كان هو الأسلوب الأمثل في معاملة الحيوانات، واستئناسها، بإدخال الطمأنينة والهدوء عليها، بأن يربت على رؤوسها ورقابها وظهورها عندما يريد فحصها أو استخدامها، ومن ذلك يتضح ما بين التفسيرين من فرق شاسع. [القرآن وإعجازه العلمي: محمد إسماعيل إبراهيم، (ص 45-46)].
الثامن والأربعون: توسط مكة اليابسة:
يقول الأستاذ: محمد حسين يوسف [في كتابه: الإعجاز العلمي في أسرار القرآن الكريم والسنة النبوية (1/197-198)]: (أما عن توسط مكة لليابسة فقد أشار إلى ذلك العلم الحديث على يد البروفسور: حسين كمال الدين، أستاذ المساحة بجامعة القاهرة رحمه الله، حيث بيَّن أن زاوية الانحراف المغناطيسي عند مكة تساوي صفرًا؛ ولذا فإن خط الطول الأساس المار بمكة هو خط مستقيم؛ في حين أن خط جرينتش خط مائل منحني، وعنده تكون زاوية الانحراف المغناطيسي كبيرة، ولو استبدل خط جرينتش بخط مكة لاستقام مقياس الزمن العالمي، وبعبارة أخرى: لو اختير خط الطول الأساس المار بمكة المكرمة، ورسمت خطوط الطول الأخرى موازية له، لانتظم شكل الخرائط.
وخلاصة القول:... ولا يستطيع أحد أن يفسر لماذا لا يوجد انحراف مغناطيسي كبير في خط طول مكة، علمًا بأنه موجود مثل الخطوط الأخرى، ولكن هي آية من آيات الله العلي القدير، وكرامة من كرامات هذا المكان لتشهد على أنه بيت الله تعالى القديم).
التاسع والأربعون: اتساع الكون:
في أواخر الستينات اكتشف (هابل) أن الكون يتسع ويتباعد مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴿ ٤٧ ﴾ ﴾ [الذاريات:47] مما حير(أنيشتاين) الذي وضع نظرية ثبوت الكون، وجعله يزور (هابل) في مرصده ليرى هذا الكشف المذهل، ولو قرءوا تفسير ابن زيد لهذه الآية، وجدوا أنه يصل إلى طرف من هذا الكشف.
ومما يجدر ذكره القول: إن استخدام اسم الفاعل (لموسعون) يفيد الاستمرار، ويعني أننا وسعنا السماء ونوسعها وسنوسعها، ولو أردت أن تتحقق من توسع الكون، فانظر إلى السماء في يوم مظلم لترى الكم الهائل من النجوم في هذا الكون. [يوسف الحاج: سبق ذكره (1/321)].
الخمسون: ذكر السمع قبل البصر في آيات خلق الإنسان في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف:
عظم الله تعالى حاستي السمع والبصـر عندما وصف ذاته العلية في أول سورة الإسراء، فقال: ﴿ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿ ١ ﴾ ﴾ ، وقد خص الله تعالى هاتين الحاستين بالذكر في العديد من الآيات لأنهما أدوات التلقي والإيمان وقبول الهداية، وقد جاء ذكر السمع قبل البصر في كثير من الآيات، ولكن في حالة سلب النعمة يوم الحساب كما قال علماء الدين: (يأتي ذكر البصر مقدمًا على السمع)، ومن هذا المنطلق بدأت فكرة البحث في مراحل النمو الجنيني، ولأن خلق السمع والبصـر مقام إنشاء فقد توقعت [الكاتبة البروف: سوسن أحمد عبد الرحمن، أستاذ علم التشريح والأجنة، كلية الطب، جامعة عين شمس، مصر]، أن يرد ذكر السمع قبل البصر في آيات الخلق، وفعلًا جاء خلق السمع والبصر في خمس سور في القرآن الكريم: [النحل: 78؛ المؤمنون:78، السجدة: 7-9؛ الملك:23؛ الإنسان:2]، وكلها جاء فيها ذكر السمع قبل البصر، وكذلك في الحديث الصحيح جاء ذكر السمع قبل البصر.
قال حذيفة بن أسد الغفاري: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا مرَّ بالنطفة ثنيان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكًا، فصورها، وخلق سمعها وبصـرها وجلدها ولحمها وعظامها...» [مسلم (2645)].
وبالبحث في مراجع علم الأجنة وجدنا أن المسميات التي وضعها العلماء الغربيون في القرن العشرين ترجمتها الحرفية، هي ما جاء في الحديث الصحيح منذ أكثر من (1400) سنة، فقد جاءت كلمة (شق) في رواية الإمام مسلم المذكورة: [2645] (خلق). أما شق السمع ففي رواية: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن: «سجد وجهي لمن خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين» [الترمذي (3425) - صحيح؛ أحمد (24022) - صحيح؛ الحاكم (1/220) - صحيح] فكلمة شق سمعه وبصره فائقة الإعجاز؛ لأن شق البصر يوجد في الأنبوبة العصبية قبل إطلاقها، ثم تبرز من الشق حويصلة البصر، أما شق السمع فإن الأذن الخارجية تتكون حول شق في العنق يسمى الشق الأول، ثم تنمو لأعلى حتى تحاذي العينين، أما تصوير الوجه وتعديل وضع العينين فجاء مصداقًا للحديث الشريف بعد اليوم الثاني والأربعين لكي تتضح معالم الآدمية ويتم نمو جهاز السمع [الأذن الخارجية وتتعظم العظيمات الثلاث الموجودة في الأذن الوسطى [المطرقة والسندان والركاب]، وتتعظم قوقعة الأذن الداخلية فتصبح كلها مثل عظام الشخص البالغ، وكذلك تتم إحاطة ألياف السمع العصبية إحاطة تامة بغمد الميلين في الحياة الجنينية، لأن الجنين في ظلمات ثلاثة: ظلمة جدار البطن وجدار الرحم والأغشية المحيطة بالجنين - المشيمة.
ويكون الوليد ضعيف البصر، ولا يتم نمو البقعة الصفراء المسؤولة عن الإبصار المركزي إلا في وجود الضوء، وتحاط ألياف العصب البصري إحاطة تامة بغمد الميلين بعد ثلاثة أو أربعة شهور من الولادة، وتزيد شدة الإبصار تدريجيًا حتى تصل إلى خُمس إبصار البالغ في ستة شهور، ولكن حاسة السمع تسود على حاسة البصـر حتى هذا العمر، أما ما يترتب على حاسة السمع فهو الكلام؛ لأن السمع نوع من الإحساس يتم تحويله إلى لغة قبل أن يتم تخزينها في المخ؛ ولذلك فإن الطفل الذي لا يسمع لا يتكلم أبدًا، أما من يتكلم بلسان الأم فمن السهل عليه بحاسة السمع أن يحاكي لغات أخرى وبدون أن يعلم كيف تكتب هذه اللغات.
الواحد والخمسون: الإعجاز العلمي في الإشارة إلى (الأغشية حول الجنين): الظلمات الثلاث:
قال الله عز وجل: ﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ۚ ﴾ [الزمر:6].
يقول علم الأجنة الحديث: إن الجنين في بطن أمه يكون محاطًا بثلاثة أغشية صماء لا ينفذ منها الماء ولا الضوء ولا الحرارة، وهي الأغشية التي تعرف باسم المنبارية والأمنيونية، والخوربونية؛ هذا الغشاء الذي لا ينفذ منه الضوء والحرارة ولا الماء، ألا يسمى باللغة العربية ظلمة؟! وقالوا بتعبير يفهمه العوام: هي: ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة!!.
الثاني والخمسون: الإعجاز العلمي في الإشارة القرآنية إلى حقيقة نقصان الأرض من أطرافها:
قال الله عز وجل: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿ ٤١ ﴾ ﴾ [الرعد:41]. وقال: ﴿ بَلْ مَتَّعْنَا هَٰؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۗ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴿ ٤٤ ﴾ ﴾ [الأنبياء:44].
نلحظ أن الآية التي تبدأ بـ: ﴿ أَفَلَا يَرَوْنَ ﴾ تلفت نظرنا إلى أن الإنسان في يوم من الأيام بعد أن تتقدم العلوم وتتقدم الاكتشافات التكنولوجيا، سوف يرى الأرض رأي العين من الفضاء، وفي هذا الوقت سوف يتأكد من وصف الأرض الذي ذكرته الآية، وهكذا تخبرنا الآية القرآنية بوصف دقيق لشكل الأرض، ثم تخبرنا أيضًا بأن الإنسان في يوم من الأيام سوف يرى ذلك بعينه من الفضاء!!
ويمكن إجمال آراء العلماء في تفسير ظاهرة إنقاص الأرض من أطرافها على النحو التالي:
1- أن الأرض تنكمش بسبب هروب ملايين الأطنان من الغازات والأبخرة والمواد السائلة والصلبة من فوهات البراكين، مما يؤدي إلى إنقاص الأرض من أطرافها.
2- نتيجة دوران الأرض حول محورها؛ فقد انبعجت قليلًا عند خط الاستواء، وتفلطحت قليلًا عند القطبين حتى أصبح الفرق بين القطر القطبي والقطر الاستوائي للأرض هو (42 كم)، وهذا إنقاص للأرض من أطرافها؛ وهذا الرأي هو ما ذكره أصحاب التعليق العلمي في تفسير المنتخب، (ص 361، 479) [المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية: المنتخب في تفسير القرآن، (ط18/ 1416هـ/ 1995م)].
3- تأكل عوامل التعرية من قمم الجبال، وتلقي بها في المنخفضات، وهذا إنقاص للأرض من أطرافها.
4- إن في طغيان البحار على اليابسة إنقاص للأرض من أطرافها. [د. السيد فتحي عبد الشافي والأستاذ سعد المنسوب محمد الشيخ: الحقائق العلمية المعاصرة عن الإنسان والكون في القرآن الكريم، (ص 180-181). وانظر: آراء المفسرين القدامى في تفسير الآيتين؛ ومن المحدثين صاحب الظلال...].
الثالث والخمسون: الإعجاز العلمي في الإشارة القرآنية إلى البرازخ المرئية وغير المرئية بين مياه الأنهار ومياه البحار والمحيطات:
يقول الله عز وجل: ﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ﴿ ١٩ ﴾ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ﴿ ٢٠ ﴾ ﴾ [الرحمن: 19، 20]؛ و: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ﴿ ٥٣ ﴾ ﴾ [الفرقان:53]؛ و ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ ٦١ ﴾ ﴾ [النمل: 61].
يقول الأستاذ حسن يوسف، في كتابه: العلم يقول: القرآن هو الحق [ص 50]: (قد أثبت العلم الحديث بالعديد من القياسات والاستشعار عن بعد بالأقمار الصناعية، اكتشاف كتل جبلية على هيئة سلاسل في قيعان البحار والمحيطات، تسمى (الجبال البحرية)، وهذه الجبال توجد في الحد الفاصل بين البحر المتوسط والمحيط الأطلنطي عند مضيق جبل طارق، كما توجد أيضًا سلسلة من الجبال بين شمالي الأطلنطي وجنوبه، وذلك في صورة حزامين عرضيين من الجبال، يفصلان بين أمريكا الجنوبية من جهة الجنوب، وبين كندا وأوروبا من جهة الشمال، كما توجد سلسلة أخرى بين البحرين الأبيض والأسود. وجميع هذه السلاسل الجبلية تساعد بدرجة معينة على ألا يطغى ماء البحرين على الآخر).
والعامل الآخر: اختلاف خصائص كل من مياه البحرين عن الآخر، من حيث درجة الملوحة والحرارة ومقدار الكثافة، وأنواع الأحياء المائية فيه، وقابلية ذوبان الأكسجين في مياهه، وغير ذلك من الخصائص الأخرى، وجميعها تقوم بدورها كبرزخ وحاجز غير مرئي بين البحرين يمنع طغيان أحدهما على الآخر.
((والحجر المحجور): مكان تنزل به مياه الأنهار، فحجرها الله عز وجل على البحر، وجعلها شيئًا منفصلًا تمامًا عن البحر، أي مكانًا معزولًا حسب قوة اندفاع مياه النهر، وسمي علميًا: (عصب النهر)، أو: (مصبات الأنهار).
والمحجور: أي محجور على حياة أسماك خاصة لا تعيش في مياه البحار، ولا تعيش في مياه الأنهار، فهي محجورة في منطقة مصب الأنهار، وهذا الحجر المحجور أو منطقة (مصب الأنهار)، هي المنطقة الفاصلة أيضًا بين نهاية مجرى النهر والحاجز الذي وضعه الله عز وجل خلف الحجر المحجور الذي يفصل بين مياه النهر والبحر). [ماهر أحمد صوفي: آيات الله في البحار، دار البيان، (1996م)، (ص 66)].
(ومن أمثلة هذه الظاهرة البحرية عيون الماء العذب التي تفيض قرب البحرين وقطر) داخل مياه الخليج العربي المالحة، ونهر النيل الذي يصب في البحر الأبيض المتوسط، ومياه نهر الأمازون الذي يصب في المحيط الأطلنطي، وكذلك يوجد هذا (برزخ) عند ملتقى نهر الكنجوالجامونة في مدينة (الله آباد). [د. أحمد فؤاد باشا: الإسلام والعولمة - مفاهيم وقضايا، كتاب الجمهورية عدد (يوليو 2000م)، (ص 122)].
ويضيف د. زغلول النجار بوجود هذه الظاهرة عند مصبي دمياط ورشيد بمصر، وفي دولة البحرين [كتابه: من آيات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، (ص 21) وما بعدها]. وانظر كذلك تفاصيل كلامه عند د. عبد الشافي والمنسوب [سبق ذكره، (ص 225) وما بعدها].
الرابع والخمسون: الإعجاز العلمي في الإشارة إلى منازل القمر:
قال المولى عز وجل: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿ ٥ ﴾ ﴾ [يونس:39].
فالمنازل المشار إليها هنا: فأول ما يبدو القمر صغيرًا، ثم يتزايد نوره وجرمه حتى يكون بدرًا، ثم يتناقص حتى يرجع إلى حالته في تمام شهر في شكل العرجون القديم، سباطة النخلة إذا شاخت ويبست واعوجت، لتشبه الهلال الذي ينتهي إليه القمر.
﴿ وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ ﴾ ، منازل القمر: أوضاعه المختلفة بالنسبة للأرض والشمس، وهي التي تنتج منها أوجه القمر، ومن ثم يمكن تحديد الشهر القمري، وهو العلامة الفلكية الظاهرة لتحديد الشهر، ويتم القمر دورته حول الأرض في (29) يومًا، و(12) ساعة، و(44) دقيقة، و(2.8) ثانية [المنتخب، (ص 285)].
ويقصد بـ (وقدره منازل): جعله ينزل كل ليلة منزلًا من النجوم، وهي (28) منزلًا كل شهر، وتسمى هذه المنازل (البروج).
فبالشمس تعرف الأيام، وبدوران القمر تعرف الشهور والأعوام، وبهذا يعرف الإنسان الأعوام والشهور والأيام. [د. السيد الجميلي: الإعجاز العلمي في القرآن، (ص 20)].
وقد انتهت بحوث الفلكيين إلى أن القمر أول الشهر يكون (المحاق) لانمحاق نوره ولاختفائه، ثم بعد سبعة أيام يصير إلى (التربيع الأول)، ثم يصير (بدرًا) وسط الشهر، ثم يتحول إلى (التربيع الثاني) بعد الأسبوع الثالث، ثم يكون في المحاق آخر الشهر، وهكذا دواليك. [نفسه، (ص 19)].
أما الحديث عن تفاصيل هذه المنازل، فليرجع إليها عند: د. محمد أحمد سليمان [سياحة فضائية في آفاق علم الفلك، (ص 51-52)]، كما نقلها عنه د. عبد الشافي والمنسوب [الحقائق العلمية المعاصرة، (ص 241-242)].
الإعجاز العلمي في: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴿ ١ ﴾ ﴾ [الطارق:1]:
يقول الأستاذ حسن يوسف [العلم يقول: القرآن هو الحق: (ص 12)]: (يقول علماء الفلك وعلماء الفيزياء الكونية: إن هناك نوعًا من النجوم تمر بمرحلة من عمرها تتكدس فيها المادة، وتتعادل فيها الشحنات الكهربية، بحيث لا يوجد بها شحنات موجبة أو سالبة.. وتحدث هذه النجوم نبضات تشبه نبضات القلب، وقد سماها العلماء من أجل ذلك: (النجوم النابضة). وهذه الأصوات التي تحدثها هذه النجوم هي أقرب ما تكون إلى أصوات الطرقات على الأبواب، وقد سجل العلماء أخيرًا هذه الطرقات لهذه النجوم، وهكذا نرى دقة التسمية، عندما سمى القرآن هذا النجم بأنه النجم الطارق، هذا السر الغريب من أسرار هذا الكون العجيب). [وانظر تفصيل هذه الظاهرة عند: د. زغلول: من آيات الإعجاز في القرآن الكريم، (ص 55)؛ ونقل ذلك عنه: د. عبد الشافي والمنسوب: الحقائق العلمية المعاصرة...، (ص 263-265)] وكما قال د. زغلول: (فإن [سماع أصوات للنجم مسجلة على (CD)، وهي وثيقة علمية معترف بها] سماع صوتين: صوت يشبه نبضات القلب، وصوت يشبه الطرق بسرعة على الباب، فالطرق على الباب حينما يكون قريبًا منا، وكلما يبتعد يقل فيشبه نبضات القلب، طرق يتسارع، كالطرق على الباب، سجل في ناسا). [نفسه].
الإعجاز العلمي في ﴿ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴿ ٣ ﴾ ﴾ :
قال المولى عز وجل: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴿ ١ ﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ﴿ ٢ ﴾ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴿ ٣ ﴾ ﴾ [الطارق: 1-3].
يقول علم الفلك الحديث: (النجوم النيوترونية تزداد كتلتها عن كتلة الشمس بما يقارب (4.1)، بداية عندما يبدأ النجم بالانهيار على نفسه ينكمش بسـرعة ويزيد الضغط على ذرات مواده فتتحطم الذرات، ويتكون المائع الإلكتروني، ويزداد سمكه فيبقى عاجزًا عن تحمل الضغط الناتج من ثقل النجم وجاذبيته، وتكون النتيجة أن تُسْحق جاذبية النجم (المائع الإلكتروني) كما سحقت من قبل قشـرة الذرة، ويستمر انهيار العملاق الأحمر على نفسه، فتلتصق الإلكترونات بالبروتينات، ثم تتحد معها مكونة نيوترونات جديدة، وتبدأ طبقات النجم وهي تنهار في التطلع إلى منقذ ينقذها من براثن هذا الوحش المسمى بقوة ثقل النجم والذي يسحق كل ما يجده أمامه؛ وفي النهاية تتحد كل الإلكترونات بالبروتونات، فيصبح النجم عبارة عن نيوترونات منضغطة على بعضها بدون وجود أي فراغ، فتصل كثافة النجم إلى رقم قياسي يصعب تصوره، ويتقلص العملاق الأحمر إلى ما يسمى بالنجم النيوتروني (Pulsars)، فالكُرَة من المادة النيوترونية في حجم كرة القدم يبلغ وزنها خمسين ألف بليون طن، فإذا وضعت هذه الكرة على الأرض أو على أي جرم سماوي آخر فلن يتحمل سطحه هذا الوزن الهائل، فتسقط الكرة خلال الأرض أو خلال الجرم السماوي تاركًا وراءه ثقبًا يتناسب مع حجمه...). [يوسف الحاج: موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسُنَّة، (ص 332-333)؛ وانظر تفاصيل أخرى (ص 333-334)، ومرجعه: د. يحيى المحجري: آيات قرآنية في مشكاة العلم].
السابع والخمسون: الإعجاز العلمي في الإشارة إلى انشقاق السماء كالوردة الحمراء المدهنة:
قال الله عز وجل: ﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ﴿ ٣٧ ﴾ ﴾ [الرحمن: 37].
فسر المفسرون القدامى والمحدثون أن هذا المشهد سيحدث يوم القيامة من شدة الهول، ولكن الدكتور زغلول النجار [من آيات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، (ص 65-66)] ساق حقيقة حدثت بالفعل تمثل هذا المشهد الكوني البديع، فيقول: (ولكن من رحمة الله تعالى بنا أنه أبقى لنا من الشواهد الحسية والظواهر المرئية في صفحة الكون ما يؤكد على إمكانية حدوث كل ما أخبر عنه في كتابه الخاتم عن مظاهر الآخرة، ومنها تصدع السماء وانشقاقها حتى تصير وردة كالدهان.
ومن أمثلة ذلك: ما أرسله إلينا تليسكوب هابل الفضائي من صور لعدد من النجوم عند انفجارها؛ ففي (31/أكتوبر/1999م) قامت مؤسسة الفضاء الأمريكية ناسا بنشـر عدد من الصور التي بثها هذا التليسكوب الفضائي لنجوم في مرحلة الانفجار في سديم يعرف باسم (سديم عين القط)، وهذه النجوم على مسافة منا تقدر بحوالي ثلاثة آلاف من السنين الضوئية، وكل نجم من تلك النجوم المنفجرة يبدو في الصورة على هيئة وردة حمراء عملاقة، لها من صفاء اللون ما جعل العلماء يصفونها بالتعبير الذي ترجمته (وردة حمراء مدهنة)، وكأنه التعبير القرآني بدقته اللفظية والدلالية).
الثامن والخمسون: المؤيدات العلمية المادية المحسوسة على وجود أحياء على الكواكب الأخرى:
قال الله عز وجل: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ ۚ ﴾ [الشورى:29].
يقول الدكتور السيد الجميلي في كتابة [الإعجاز العلمي في القرآن، (ص 94)]: (إن هناك اتفاق بين العلماء على ما يؤكد وجود حياة على المريخ والزهرة، وذلك لأنهما يحتويان على ذرات النيتروجين والكربون التي تعد هي أصل الحياة.
وقد اتفقت آراء العلماء على أن المريخ والزهرة هما أكثر الكواكب ملائمة ومواءمة ومناسبة للحياة، وهذا أمر مجمع عليه من غير نكير....)، ويسـرد الأستاذ عبد الرازق نوفل في كتابه [الله والعلم الحديث، (ص 212) وما بعدها] عدة أحداث حدثت على الأرض تؤكد على وجود أحياء على الكواكب العلوية الأخرى، وأهمها السفن الفضائية الغريبة، والأطباق الطائرة، والأجهزة التكنولوجية المتقدمة جدًا، والتي تهبط على الأرض، والتي تتكون من عناصر معدنية يستحيل وجودها على الأرض في صورتها التي عليها مثل الكوبالت الخالص، فيقول تحت عنوان (سكني الكواكب): أشار القرآن الكريم في أكثر من موضع، إلى أن في السماء أحياء عقلاء يسبحون له، وأن القرآن الكريم هو أول كتاب تعرض لوجود أو وصل إلى شواهد وأدلة تعتبر فتحًا جديدًا في العلم الحديث.
جاء في كتاب للميجور (دونالد كيهو)، القومندان في سلاح البحرية الأمريكية، أنه في (30/6/1908م)، حدث في وسط سيبيريا أن سقط ما سمي في ذلك الوقت، شهابًا جبارًا، وقد بلغ الدمار الذي أحدثه، أنه اعتبر من أعظم الكوارث الطبيعية التي حلت بكوكبنا، وقد أثبت عالم روسي هو البروف (ليابونوف) عام (1953م)، أي: بعد دراسة (45) عام، أن ذلك الحدث لم يكن جرمًا سماويًا إطلاقًا، وإنما سفينة كوكبية آتية من كوكب الزهرة، وأن من مات من الأهالي بسبب الحادث كان موتهم بأعراض مرض غامض ينطبق على من يموت بالإشعاع الذري، وأن الحديد الباقي لا يشبه حديد النيازك ولا حديد الأرض إطلاقًا.
وفي ربيع (1953م) وجد في (كونكتكت) الأمريكية كرة معدنية غريبة قطرها متر، وفي داخلها أسطوانة تدور بسرعة كبيرة، وقد نقلت هذه الكرة الغامضة في الحال إلى المعامل لتحليلها، ونزلت نتيجة التحليل كالصاعقة على علماء الطبيعة والكيمياء، الذين استولى عليهم الذعر والذهول، فقد ثبت أن ذلك المعدن كان من الكوبالت في حالته الطبيعية الخالصة، ليس له وجود على الكرة الأرضية، وكان القرار الذي اتخذ بشأنه وهو أنه من كوكب آخر.
ويقول الفلكيون في الوقت الحاضر: إنه من المؤكد أن هناك ملايين الكواكب مسكونة بمخلوقات ذكية، وقد أبدت هذه النظرية بعض الوقائع التي لوحظت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وأهم هذه الأدلة هو بلا شك الانفجار الغامض الذي حدث في المريخ عام (1949م)، وقد لحظ هذه الظاهرة فلكي ياباني مشهور اسمه: (تسوينوساهيكلي)، ويرى أن هذا الانفجار قد حدث بوساطة مخلوقات على درجة هائلة من الذكاء، أطلقت من مكانها قذيفة على المريخ للبحث والدراسة والاختبار.
ومما أذيع في (15/1/1957م) أنه قد تكونت جمعية في مدريد تضم مائة عضو، وتطلق على نفسها جمعية (أصدقاء الزائرين من عالم الفضاء)، وذلك لدراسة الظواهر غير العادية التي تؤكد بأن الأرض يزورها رجال الفضاء، أو على الأقل من كواكب أخرى.
وذكر نوفل شواهد أخرى في هذا المجال في التواريخ التالية: (نوفمبر1954)، (17/1/1957م)، أوائل عام (1964م، 1967م، 14/2/1969م). [انظره: في المرجع المذكور، ونقله عنه: د. عبد الشافي والأستاذ المنسوب: الحقائق العلمية المعاصرة، (ص 292-294)].
التاسع والخمسون: الإشارة العلمية الإعجازية في عدم استطاعة الإنسان إنقاذ ما يسلبه الذباب:
قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴿ ٧٣ ﴾ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿ ٧٤ ﴾ ﴾ [الحج: 73-74].
يقول علم الأحياء الحديث: عن الذباب إذا وقف على أي طعام، بحيث تعلق بأرجله جزيئات منه، فإنه يصب في الحال على هذه الجزيئات عصارات هاضمة بوساطة خرطوم، فتزيد ما علق بأرجله، ثم يمتصه الذباب، بحيث لا يستطيع أحد أن ينقذ أو أن يسترد ما سلبه الذباب.
معلومة دقيقة في غاية الغرابة، تخبرنا بها الآية القرآنية عن هذه الحشـرة الصغيرة، معلومة لم يكن يعلمها أحد في العالم كله وقت نزول القرآن!! [حسين يوسف: العلم يقول: القرآن هو الحق، (ص 97). وانظر: تفاصيل شرح الجهاز الهضمي للذبابة عند د. عبد الحميد محمد عبد العزيز: الإعجاز الطبي في القرآن الكريم، (ص 88-89). نقلًا عن: د. عبد الشافي والمنسوب: الحقائق العلمية المعاصرة، (ص 299-300)].
الستون: الإعجاز الغيبي في كفاية الله عز وجل نبيه محمد ﷺ المستهزئين:
قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴿ ٩٥ ﴾ ﴾ [الحجر:95].
نقف وقفتين عند هذه الآية:
الأولى: ما هي صور الاستهزاء التي مارسها الكفار ضد الرسول ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم، خاصة في العهد المكي.
والوقفة الثانية: عند مصير زعماء من المشركين استهزءوا بالرسول ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم.
الوقفة الأولى: هو ما حكاه القرآن الكريم، كما في الآيات القرآنية الآتية:
1- ﴿ وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴿ ٥٣ ﴾ ﴾ [الأنعام:53].
2- ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴿ ٢٩ ﴾ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴿ ٣٠ ﴾ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ﴿ ٣١ ﴾ ﴾ [المطففين:29-31].
3- ﴿ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿ ٣٢ ﴾ ﴾ [الأنفال:32].
روى البخاري [ح 4648] أن هذه الآية نزلت في أبي جهل -أحد كبار المستهزئين-.
ومما جاء في أحداث السيرة من صور الاستهزاء:
4- قول الوليد بن المغيرة -أحد كبار المستهزئين: «أينزل القرآن على محمد وأُترك وأنا كبير قريش وسيدها، ويُترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف، ونحن عظيما الفريقين؟! -يعني بالقريتين: مكة والطائف». فنزل فيه قول الله عز وجل: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴿ ٣١ ﴾ ﴾ [الزخرف:31].
5- قول أبي جهل، عندما أنزل الله عز وجل: ﴿ إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ﴿ ٤٣ ﴾ طَعَامُ الْأَثِيمِ ﴿ ٤٤ ﴾ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ﴿ ٤٥ ﴾ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ﴿ ٤٦ ﴾ ﴾ [الدخان:45]، تخويفًا للمشركين بها، قال: «يا معشر قريش: هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد؟ قالوا: لا، قال: عجوة يثرب بالزبد! والله لئن استمكنا منها، لنتزقمن منها»، وزعم أنه سيطأ رقبة الرسول ﷺ إذا غبر وجهه بين ظهراني قريش -أي: صلى أمامهم-، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ ﴿ ٩ ﴾ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ ﴿ ١٠ ﴾ ﴾ .
وشجرة الزقوم من أخبث الشجر المر بتهامة، نبتها في الجحيم، وطعام الأثيم: أي طعام ذوي الإثم الكبير أمثال أبي جهل وزمرته من المستهزئين.
6- أما عن الاستهزاء الجماعي [فانظر: المطففين: 29-31؛ والأنعام: 52، 10].
7- وضع عقبة بن أبي معيط -من كبار المستهزئين- سلا جزور بين كتفي الرسول ﷺ وهو ساجد في صلاته، وشيعته يتمايلون بعضهم على بعض ويضحكون، فلما قضـى صلاته دعا عليهم، يقول ابن مسعود رضي الله عنه -راوي الخبر-: «فوالذي بعث محمدًا ﷺ بالحق، لقد رأيت الذين سمى، صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر» [البخاري (2934)؛ مسلم (1794)].
8- وكان أبو الأصداء، أو ابن الأصداء، يقول للرسول ﷺ: إنما يعلمك أهل الكتاب أساطيرهم؛ ويقول للناس: هو مُعَلَّمٌ مجنون. [البلاذري: أنساب الأشراف (1/150)].
9- كان الأسود بن عبد يغوث الزهري -أحد كبار المستهزئين- إذا رأى المسلمين قال لشرذمته: «قد جاءكم ملوك الأرض الذين يرثون ملك كسـرى وقيصـر»، ويقول للنبي ﷺ: «أما كُلمت اليوم من السماء يا محمد!!» [نفسه].
10- وللعاص بن وائل -أحد كبار المستهزئين- قصة مشهورة مع خباب رضي الله عنه، يقول خباب: «كنت قينًا [أي: حدادًا] بمكة، فعملت للعاص بن وائل السهمي سيفًا، فجئت أتقاضاه، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر بمحمد ﷺ حتى يميتك الله ثم يحييك، قال: إذا أماتني الله ثم بعثني ولي مال وولد فسأقضيك، فأنزل الله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ﴿ ٧٧ ﴾ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا ﴿ ٧٨ ﴾ ﴾ »[مريم: 77-78]- [البخاري (4733)؛ مسلم (2795)].
11- وكان الحارث بن عيطلة يقول مستهزئًا بالبعث: «لقد غر محمد نفسه وأصحابه أن وعدهم أن يحيوا بعد الموت، والله ما يهلكنا إلا الدهر ومرور الأيام والأحداث». وفيه نزلت الآية: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ ﴾ .
12- عتبة بن أبي لهب، من سفهاء المستهزئين:
روى البيهقي [الدلائل (2/196)]، وأبو نعيم [الدلائل، (ص 389- 390)]، وابن عساكر [التاريخ (11/65)]، وابن كثير [التاريخ (7/421)] قصة استهزائه، فقالوا: (وكان أبو لهب وابنه عتبة قد تجهزا إلى الشام، وتجهز معهما هبار بن الأسود، فقال ابنه عتبة: والله لأنطلقن إلى محمد فلأذينه في ربه، فانطلق حتى آتى رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد: أنا أكفر بالذي دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى؛ فقال ﷺ: «اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك»، وأبو طالب حاضر، فوجم منها، وقال: «ما أغناك عن دعوة ابن أخي»، ثم انصرف عنه، فرجع إلى أبيه، فقال له: أي بُني، ما قلت له؟ قال: كفرت بالإله الذي يعبد، قال: فما قال لك؟ قال: قال: «اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك». فقال أبو لهب: أي بني، والله ما آمن عليك دعوة محمد. وخرجوا إلى الشام، قال هبار: فسرنا حتى نزلنا الشراة، وهي مأسدة [أي مكان أسود]، فنزلنا إلى صومعة راهب، فقال: يا معشر العرب، ما أنزلكم هذه البلاد، وإنها مسرح الضيغم؟ [أي: الأسود]. فقال لنا أبو لهب: يا معشر قريش إنكم قد عرفتم كبر سني وحقي. فقلنا: أجل يا أبا لهب، فقال: إن هذا الرجل قد دعا على ابني دعوة، والله ما آمنها عليه، فأجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة، وأفرشوا لابني عليها، ثم افرشوا حولها، ففعلنا، فجاء الأسد، فشم وجوهنا، فلما لم يجد ما يريد، تقبض، ثم وثب، فإذا هو فوق المتاع، فشم وجهه، ثم هزمه هزمة، ففضخ رأسه، فقال: سيفي يا كلب (قتلني)، فلم يقدر على غير ذلك (ومات مكانه)، ووثبنا، فانطلق الأسد، وقد فضخ رأسه، فقال أبو لهب: قد عرفت والله ما كان لينفلت من دعوة محمد). [انظر القصة أيضًا محققة في: صحيح السيرة النبوية للشيخ محمد بن رزق طرهوني (2/229-230)، حاشية (940)، (ص 665) وما بعدها].
13- أبو لهب، عبد العزى بن عبد المطلب عم النبي ﷺ:
وقصصه في إيذاء الرسول ﷺ ومحاولات صد الناس عن دعوته مشهورة، ومما سجله القرآن الكريم: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿ ١ ﴾ ﴾ ... [المسد:1-3]؛ وذلك يوم صدع الرسول ﷺ بالدعوة علنًا من على جبل الصفا، واجتمع إليه الناس، فقال لهم: «أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟» قالوا: ما جربنا عليك كذبًا. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب عظيم»، قال أبو لهب: تبًا لك، ما جمعتنا إلا لهذا؟! ثم قام منصرفًا. فنزلت: ﴿ تُبْتُ ﴾ [البخاري (4971-4972)؛ مسلم (208)].
14- أم جميل -العوراء، أو أروى- بنت حرب بن أمية، زوجة أبي لهب، وأخت أبي سفيان.
حاولت الاعتداء على الرسول ﷺ بحرج، فحماه الله عز وجل منها. [البيهقي: دلائل النبوة (2/196)، بإسناد حسن لغيره]، وكانت تحمل الحطب ذي الشوك لتضعه في طريقه، كما حكاه القرآن الكريم: [المسد: 4].
والوقفة الثانية: عند مصير زعماء المستهزئين:
ولبيان الوعيد الإلهي لنبيه ورسوله محمد ﷺ -أي: كفايته له من المستهزئين-: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴿ ٩٥ ﴾ ﴾ ، نذكر الأمثلة التالية:
روى البيهقي بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنه [الدلائل (1/85)] في قوله عز وجل: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴿ ٩٥ ﴾ ﴾ ، قال: المستهزئون هم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن عبد المطلب -أبو زمعة، من بني أسد بن عبد العزى-، والحارث بين عيطل السهمي، والعاص بن وائل السهمي، فأتاه جبريل ﷺ، فشكاهم إليه ﷺ، فأراه الوليد أبا عمرو بن المغيرة، فأومأ جبريل ﷺ إلى أبجله [عرق غليظ في اليد أو الرجل إذا قطع نزف حتى الموت، ومثله الأكحل]، فقال ﷺ لجبريل ﷺ: «ما صنعت به؟! قال جبريل ﷺ: كفيته»، ثم أراه الأسود بن عبد المطلب، فأومأ جبريل إلى عينيه، فقال: «ما صنعت؟ قال: كفيته»، ثم أراه الأسود بن عبد يغوث الزهري، فأومأ جبريل إلى رأسه، فقال ﷺ: «ما صنعت، قال: كفيته»، ثم أراه الحارث بن عيطل السهمي، فأومأ إلى رأسه أو إلى بطنه، فقال ﷺ: «ما صنعت؟ قال: كفيته»، ومر به العاص بن وائل فأومأ إلى أخمصه، فقال: «ما صنعت؟ قال: كفيته».
فأما الوليد بن المغيرة فمر برجل من خزاعة وهو يريش [يبري] نبلًا له، فأصاب أبجله فقطعها. [وفي رواية أن جبريل مر به فأشار إلى جرح بأسفل كعب رجله، كان قد أصابه قبل ذلك بسنتين، فانتفض به فقتله].
وأما الأسود بن عبد المطلب فعمي، ومنهم من يقول: نزل تحت سمرة [شجرة طلح] فجعل يقول: يا بني! ألا تدفعون عني؟ قد قتلت. فجعلوا يقولون: ما نرى شيئًا، وجعل يقول: يا بني! ألا تمنعون عني؟ قد هلكت، ها هو ذا أُطعن بالشوك في عيني، فجعلوا يقولون: ما نرى شيئًا، فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه. [وفي رواية أن جبريل دحى في وجه الأسود بن عبد المطلب ورقة خضـراء فعمي]، وفي رواية للبلاذري أنه كلم رسول الله ﷺ بكلام شق عليه، فدعا عليه أن يعمي بصره ويثكل ولده، فذكر العمى، وقتل ولداه زمعة وعقيل يوم بدر [البلاذري: أنساب الأشراف (1/148-149)]. [وفي رواية بزيادة: مقتل ابنه الحارث أيضًا].
وأما الأسود بن عبد يغوث الزهري، فخرج في رأسه قروح، فمات منها [وهو ابن خال الرسول ﷺ]. [وفي رواية أن الأسود بن عبد يغوث الزهري هذا، مر به جبريل ﷺ، فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات من ذلك]. وقال البلاذري في الأنساب: أنه خرج من أهله فأصابته السَّمُوم فاسود وجهه حتى صار حبشيًا، فأتى أهله فلم يعرفوه، وأغلقوا دونه الباب، فرجع متلددًا [أي: يتلفت يمينًا وشمالًا تحيرًا] حتى مات عطشًا. وذكر رواية أخرى -أي البلاذري- ويقال إن جبريل أومأ إلى رأسه فضربته الأكلة فأمتخض رأسه قيحًا، ويقال: أومأ إلى بطنه، فاستسقى بطنه، ومات حَبَنًا -أي: بعظم البطن- ويقال: إنه عطش فشرب الماء حتى انشقت بطنه [أنساب الأشراف (1/31-132)]. [ورواية فعل جبريل ﷺ ههنا عند: الطبراني والضياء في المختارة، بسند صحيح].
قال الشامي [السبل (2/606)]: وروى ابن أبي حاتم والبلاذري بسند صحيح عن عكرمة أن جبريل حنى ظهر الأسود حتى احقوقف صدره، فقال ﷺ: «خالي خالي، فقال جبريل: دعه عنك يا محمد، فقد كفيته». قال الشامي [(2/606)]: (ولا تعارض بين هذه الروايات لاحتمال أن جميعها حصل له).
وأما الحارث بن عيطل، ويقال الحارث بن قيس السهمي، وهو ابن العَيْطَلَةِ، فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج من فمه فمات منها. [وفي رواية: أن جبريل مر به، فأشار إلى رأسه فتحرك القيح فيه فقتله]. قال الشامي في السبل: (فأكل حوتًا مملوحًا، فلم يزل يشـرب عليه الماء حتى انقد بطنه. ويقال: إنه أصابته الذبحة. وقال بعضهم: امتخض رأسه قيحًا.
وأما العاص بن وائل: فبينما هو كذلك يومًا إذ دخل في رأسه شِبْرِقة [نوع من الشوك] حتى امتلأت منها. فكان هلاكه.
وفي رواية: أن جبريل ﷺ مر به، فأشار إلى أخمص رجله فخرج على حمار له يريد الطائف، فربض به حماره على نبات خفيف، فدخلت في أخمص رجله منها شوكة فقتلته).
وفي رواية البلاذري: (... ركب حمارًا له، ويقال: بغلة بيضاء... وأن رجله انتفخت من هذه الشوكة حتى صارت كعنق البعير، وقال: ويقال: إنه لما ربض به حماره أو بغلته لدغ فمات مكانه!).
أما أبو جهل -عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي- فقد كان مصيره القتل كافرًا بوم بدر. [انظر: قصته في أحداث غزوة بدر عند البخاري (3141)؛ ومسلم (1752)؛ وغيرهما].
أما النضر بن الحارث -أحد زعماء المستهزئين- الذي كان على رأس وفد كفار قريش إلى المدينة ليأتي من اليهود بأسئلة تعجيزية لتطرح على محمد ﷺ، فقالت لهم يهود: سلوه عن أهل الكهف وذي القرنين والروح، ولكن الله عز وجل أبطل كيدهم وأنزل قرآنًا في الإجابة عن هذه الأسئلة [انظر: أحمد: الفتح الرباني (18/196-197)، وإسناده صحيح]. وذهب إلى فارس ليجمع قصص ملوكهم، وجلس يحدث بها، ويقول: إنها أفضل من قصص قرآن محمد [انظر في كتب التفسير: لقمان: 6؛ القلم:15].
وكان مصيره القتل صبرًا من بين أسرى بدر، لأنهم من مجرمي الحرب [ابن هشام (2/347)، من حديث ابن إسحاق، بإسناد منقطع].
أما أمية بن خلف -أحد كبار المستهزئين- الذي أنزل الله عز وجل فيه: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴿ ١ ﴾ ﴾ [الهمزة:1] [انظر: التفاسير، والسبل للشامي (2/612)]، فقد قتل يوم بدر كافرًا على يد بلال رضي الله عنه -فقد كان من أشد الناس تعذيبًا لبلال، لأنه كان سيده حينذاك. [البخاري (230)؛ ابن هشام (2/329) من حديث ابن إسحاق، بسند حسن].
وأما أبي بن خلف -أحد كبار المستهزئين- فقد قتله النبي ﷺ بحربة يوم أحد [ابن هشام (3/122-123)، من حديث ابن إسحاق بسند منقطع؛ ابن كثير: البداية (4/32)، من رواية أبي الأسود عن عروة، ومن رواية الزهري عن ابن المسيب، وكلاهما مرسلًا، ومراسيل ابن المسيب قوية].
وأما عقبة بن أبي معيط، فقد أُسر يوم بدر، وأمر النبي ﷺ بضرب عنقه، لأنه كان من مجرمي الحرب [ابن هشام (2/347) من حديث ابن إسحاق، بدون إسناد؛ وانظر ما جاء عنه في كتب التفسير: ابن كثير (6/116) حاشية 5] عند قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴿ ٢٧ ﴾ يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴿ ٢٨ ﴾ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ﴿ ٢٩ ﴾ ﴾ [الفرقان: 27-29]، [الطبري: التفسير (17/440)، تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي].
وأما مصير عتبة بن أبي لهب فقد ذكرناه في قصة استهزائه بالرسول ﷺ والقرآن الكريم.
وأما مصير أبي لهب فقد أهلكه الله بداء العَدَسة [بثرة تخرج بالبدن فتقتل]. وهو مرض كانت العرب تتشاءم به وتفر ممن ظهر عليه، فلما أصابه هذا الداء تركه أهله حتى مات، ومكث مدة لا يدفن حتى خافوا العار، فحفروا له حفرة فرموه فيها. وفي رواية: أنهم رموا على جثته أحجارًا من السطح فغطته وصارت قبرًا له. [انظر الشامي: السبل (2/610)].
وأما مصير أم جميل، فبينما هي ذات يوم تحمل حزمة من الحطب أعيتها، فقعدت على حجر لتستريح، أتاها ملك فجذبها من خلفها بالحبل الذي كان في عنقها فخنقها به، فهلكت من ساعتها. [السبل (2/610)].
وأما مصير أبي الأصداء؛ فقد روي أن الرسول ﷺ دعا عليه، فعندما كان على جبل اجتمعت عليه الأروَى [أنثى الوعل] فنطحته حتى قتلته. [انظر: أنساب الأشراف (1/150)].
ولقد كفى الله عز وجل كل المستهزئين، غير الذين ذكرنا أمثال: عتيب [حفيد الأسود ابن عبد يغوث]؛ وحارث بن زمعة [ابن عم عتيب]؛ والأخنس بن شريق؛ وطعيمة بن عدي، الذي قتل صبرًا وهو أسير يوم بدر، لأنه كان من مجرمي الحرب [البخاري 4072]؛ والعاص بن منبه، الذي مات بسم شوكة هو في طريقه إلى الطائف؛ ومنبه بن الحجاج، الذي عمي ثم هلك متألمًا؛ وزبير بن أمية، الذي مات موبوءًا. [انظر: أنساب الأشراف (1/124-156)، فقد ذكر قصص المستهزئين ومصيرهم. تحقيق د. محمد حميد الله].
وحتى الكلاب ردت بطريقتها على من استهزأ بالرسول ﷺ بعد وفاته بقرون، وذلك بدليل القصة التي رواها ابن حجر [في: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (3/202)]، ونصها: (كان النصارى ينشـرون دعاتهم بين قبائل المغول طمعًا في تنصيرهم، وقد مهد لهم الطاغية هولاكو سبيل ذلك بتأثير من زوجته النصـرانية ظفر خاتون.. وفي حفل بمناسبة تنصر أحد أمراء المغول، شتم أحد المتحدثين الرسول ﷺ، فزمجر كلب كان مربوطًا وهاج، ثم وثب على الشاتم، فخلصوه منه. فقال بعض الحضور للشاتم: هذا بكلامك في حق محمد ﷺ، فقال: كلا، بل هذا الكلب عزيز النفس، فعندما رآني أشير بيدي ظن أني أريد ضربه، ثم عاد للاستهزاء والسب المقذع للنبي ﷺ، عندها قطع الكلب رباطه ووثب على عنق المستهزئ، فقلع زوره في الحال، فمات المستهزئ من فوره؛ عندها أسلم نحو أربعين ألفًا من المغول).
وانتقم الله عز وجل كذلك بالذين استهزءوا بسنة الرسول ﷺ، ومثال ذلك ما ذكره ابن خلكان [في وفيات الأعيان (3/317)]: (... بلغنا أن رجلًا يدعى أبا سلامة، من ناحية بصرى، كان فيه مجون واستهتار، فذكر عنده السواك وما فيه من الفضيلة، فقال: والله لا أستاك إلا في المخرج -يعني: دبره- فأخذ سواكًا فوضعه في مخرجه ثم أخرجه، فمكث بعد تسعة أشهر وهو يشكو من ألم في البطن والمخرج، فوضع ولدًا على صفة جرذان، له أربعة قوائم ورأسه كرأس السمكة، وله أربعة أنياب بارزة، وذنب طويل، وأربعة أصابع، وله دبر كدبر الأرنب. ولما وضعه صاح ذلك الحيوان ثلاث صيحات، فقامت ابنة ذلك الرجل فرضخت رأس الحيوان الغريب، وعاش ذلك الرجل بعد وضعه له يومين ومات في الثالث، وكان يقول: هذا الحيوان قتلني وقطع أمعائي).
قال ابن كثير [في البداية 13/263]: (وقد شاهد ذلك جماعة من أهل تلك الناحية وخطباء ذلك المكان، ومنهم من رأى ذلك الحيوان حيًا، ومنهم من رآه بعد موته). [وانظر: مجدي الشهاوي: دعوات المظلوم وعجائب قدرة الله في الظالمين؛ والنووي في بستان العارفين، ص 51].
ومثال آخر ذكره ابن القيم [في مفتاح السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة (1/106-107)، تحقيق: عصام الدين سيد الصبابطي]، ونصه: (وقال أحمد بن مروان الملايك في كتاب المجالسة له: حدثنا زكريا بن عبد الرحمن البصري. قال: سمعت أحمد بن شعيب يقول: كنا عند بعض المحدثين بالبصـرة، فحدثنا بحديث النبي ﷺ: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العمل رضًا بما يصنع» وفي المجلس معنا رجل من المعتزلة فجعل يستهزئ بالحديث، فقال والله لأطرقن غدًا نعلي بمسامير فأطأ بها أجنحة الملائكة، ففعل ومشى في النعلين فجفت رجلاه جميعًا، ووقعت فيها الآكلة [داء يأكل الأعضاء] [قلت: أخرج هذا الحديث: أبو داود (3641، 3642) - وصححه الألباني؛ الترمذي (2683)، وقال: حسن صحيح؛ ابن ماجه (223)؛ البيهقي: الأدب (1045، 1046)، وفي الشعب (1696، 1697)، حسن - كما قال محققو ترغيب المنذري (ح 106)].
وقال الطبراني: سمعت أبا يحيى زكريا بن يحيى الساجي، قال: كنا نمشـي ومعنا رجل ماجن متهم في دينه، فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة لا تكسـروها، كالمستهزئ، فما زال من موضعه حتى جفت رجلاه وسقط.
ومثال ثالث: أن أعين بن ضبيعة المجاشعي اطلع في هودج عائشة، رضي الله عنها أيام موقعة الجمل، يريد أن ينظر إليها، وكان من أرباب الفتن، فقالت رضي الله عنها: «إليك عني لعنك الله»، فقال: والله ما أرى إلا حميراء، فقالت: «هتك الله سترك، وقطع يدك، وأبدى عورتك». فقتل بالبصرة وسلب، وقطعت يده، ورمي عريانًا في خربة من خرابات الأزد. [ابن كثير: البداية 7/245].