حجم الخط:

محتوى الدرس (7)

المراد بجمع القرآن:

[تمهيد]

يطلق جمع القرآن الكريم ويُرَادُ به أحدُ ثلاثة أنواع:

الأول: جمعه بمعنى حفظه في الصدور واستظهاره.

الثاني: جمعه بمعنى كتابته وتدوينه كله حروفًا وكلمات وآيات وسورًا.

الثالث: جمعه بمعنى تسجيله تسجيلًا صوتيًّا.

ولكلِّ نوع من هذه الأنواع الثلاثة تاريخ وخصائص ومزايا؛ ولذا فسنتناول كلَّ نوع على حدة.

النوع الأول: جمعه بمعنى حفظه في الصدور واستظهاره:

1- الدليل:

ويشهد لهذا النوع قوله تعالى: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ١٦ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ١٧ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ١٨ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة: 16-19]، فالمراد بالجمع هنا: الحفظ في الصدور، ويُفَسِّرُه حديثُ ابن عباس رضي الله عنهما: «كان رسولُ الله يُعالج من التنزيل شِدَّة؛ كان يُحَرِّكُ شَفَتَيْه؛ فأنزل الله تعالى: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ١٦ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ قال: جَمْعهُ في صدرك ثم تَقْرَأهُ، ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ قال: فاسْتَمِعْ وأَنْصِت، ثم إنَّ علينا أن نقرأه، قال: فكان رسولُ الله إذا أتاه جبريل اسْتَمَعَ، فإذا انطلقَ جبريلُ قرأهُ النبيُّ كما أَقْرَأَهُ»[1].

2- حكمه:

حفظُ القرآن كلِّه واجبٌ على الأُمَّةِ؛ بحيث يحفظه عدد كثير يثبت به التواتر وإلا أَثِمَت الأمةُ كلُّها، وليس هذا لكتاب غير القرآن، وأما الأفراد فيجب على كلِّ فردٍ أن يحفظ مِن القرآن ما تقومُ به صلاتُه.

3- فضله:

لم يترك الرسول ﷺ أمرًا فيه حثٌّ على حفظ القرآن إلا وسَلَكَه وأَمَرَ به؛ فكان يُفاضل بين أصحابه بحفظ القرآن، ويَعقد الراية لأكثرهم حفظًا للقرآن، وإذا بعث بَعْثًا جعل إمامَهم في صلاتهم أكثرَهم قراءة للقرآن، ويُقدِّمُ لِلَّحْدِ في القبر أكثرهم أَخْذًا للقرآن، ويُزَوِّج الرجلَ المرأةَ ويُمهرها ما مع الرجل من القرآن، فضلًا عن الأحاديث الكثيرة الداعية لحفظ القرآن وتعلُّمِه وتعليمه.

4- حفظ الرَّسول ﷺ القرآنَ:

إدراكًا من الرسول للأمانة الكبرى التي كُلِّف بها، وهي أن يُبَلِّغَ الناسَ القرآنَ: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ۚ [الأنعام: 19].

وإدراكًا منه عليه الصلاة والسلام أن تبليغ القرآن يجب أن يكون كما سمعه بلا زيادة ولا نقصان، ولا استبدال لحرف بحرف، أو حركة بحركة؛ لذا فقد كان عليه الصلاة والسلام يشعر بحرجٍ شديد وخوفٍ عظيم أن ينسى شيئًا من القرآن؛ مما جعله يُحَرِّك لسانه بالقرآن لحظة نزول الوحي مع شدة وَطْأَةِ الوحي وما يُعانيه من الجهد والكرب عند نزوله.

وما زال كذلك حتى نزل عليه قوله تعالى: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ١٦ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ١٧ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ١٨ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ١٩ [القيامة: 16-19]، وقال سبحانه: ﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ [طه: 114]، فكان بعد هذا إذا أتاه الوحيُ أَطْرَقَ، فإذا ذهب جبريلُ وجد الرسولُ القرآنَ مجموعًا في صدره كما وعده الله.

وقد حفظ الرسول القرآن كلَّه، وحفظه أصحابه، وكان جبريلُ يُعارضه إياه في كل عام مرة في شهر رمضان، وعارضه إياه في العام الذي تُوُفِّي فيه مرتين، كما في حديث عائشة رضي الله عنها، عن رسول الله أنه قال: «إنَّ جبريل كان يُعارضني القرآنَ كلَّ سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلَّا حَضَرَ أجلي»[2]، وكان يقوم بالقرآن ويتلوه آناء الليل وأطراف النهار حتى كادت أن تتشقق قدماه.

5- حفظ الصحابة رضي الله عنهم للقرآن الكريم:

اشتد التنافسُ بين الصحابة رضي الله عنهم في حفظ القرآن الكريم وتلاوته وتدبره، وتسابقوا إلى مدارسته وتفسيره والعمل به، وكانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، وكانوا يَهْجُرون لذيذ المنام ودِفء الفراش، ويؤثرون قيام الليل والتهجد بالقرآن، حتى كان يُسمَع لبيوتهم دَوِيٌّ كدوي النَّحْل لتلاوتهم القرآن.

وكان رسول الله يحثُّهم على ذلك، ويحرص على سماع تلاوتهم؛ فقد قال لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: «لو رأيتني وأنا أستمعُ لقراءتك البارحة! لقد أُوتيت مِزْمَارًا من مزامير آل داود»[3].

واستمعَ لتلاوة سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهما فقال له: «الحمدُ للهِ الَّذي جعل في أُمَّتِي مثلَك»[4].

وقال لابن مسعود رضي الله عنه: «اقْرَأْ عليَّ القرآنَ»، فقال ابن مسعود: يا رسول الله، أقرأ عليك، وعليك أُنزل؟! قال: «إنِّي أحبُّ أن أسمعه من غيري»، فقرأ عليه سورة النساء حتى إذا بلغ قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا [النساء: 41]، قال: «حَسْبُكَ الآن»، قال ابن مسعود: «فالتفتُّ، فإذا عيناه تَذْرِفان»[5].

وقال : «إنِّي لأعرف أصوات رُفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أَرَ منازلهم حين نزلوا بالنهار»[6].

والأخبار الكثيرة تشهد على عناية الصحابة رضي الله عنهم بالقرآن الكريم وتلاوته وحفظه، وعلى حثِّ الرسول عليه الصلاة والسلام لأصحابه على ذلك؛ فلا عجب أن يَكْثُر عددُ حُفَّاظ القرآن من الصحابة؛ إذ حَفِظَهُ في حياة الرسول الجَمُّ الغفير من الصحابة رضي الله عنهم.

فمِن المهاجرين الذين حفظوا القرآن كله: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، وسعد، وابن مسعود، وحذيفة، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وابنه عبد الله، ومعاوية، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن السائب، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة[7] رضي الله عنهم أجمعين.

ومن الأنصار: عبادة بن الصامت، وأُبَيُّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وفَضَالة بن عُبَيْد، ومَسْلَمة بن مَخْلَد، وأبو الدرداء، وأنس بن مالك، وأبو زيد بن السَّكَن رضي الله عنهم أجمعين.

(إشـكال):

روى البخاريُّ في (صحيحه) ثلاثة أحاديث:

الأول: عن قتادة، قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه: مَن جمع القرآن على عهد النبي ؟ قال: «أربعة، كلهم من الأنصار: أُبَيُّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد»[8].

الثاني: عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: «مات النبيُّ ولم يجمع القرآنَ غيرُ أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت وأبو زيد، قال: ونحن وَرِثْنَاه»[9].

الثالث: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعتُ رسولَ الله يقول: «خُذُوا القرآنَ من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأُبي بن كعب»[10].

وقد يُستدل بهذه الأحاديث على أن الذين يحفظون القرآن هم: عبد الله بن مسعود، وسالم بن معقل مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبَيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد بن السكن وأبو الدرداء.

وهذا يُخالف ما هو معلوم أنَّ الذين يحفظون القرآن من الصحابة جمٌّ غفير، وليس محصورًا بهذا العدد.

والجواب عن هذا الإشكال من وجوه:

الأول: أنَّه لا يُراد بهذه الأحاديثِ الحَصْرُ، وإنما يُراد بها ضربُ المَثَل، ويشهد لهذا أنَّ أَنَسًا نفسه ذكر في حديث (أُبي بن كعب) وفي حديثٍ آخر (أبا الدرداء)، فلو كان المراد الحصر لاتَّفقت الأسماء في الحديثين.

الثاني: أن المراد بالجمع الكتابة لا الحفظ.

الثالث: أن المراد بالجمع حفظه بوجوهِ القراءات كلها.

الرابع: أن المراد بالجمع تلقِّيه كله مِن فَمِ الرسول .

الخامس: أن المراد أنهم هم الذين عَرَضوه على النبي واتصلت بنا أسانيدهم، وأمَّا مَن حفظه ولم يتصل بنا سندُه فكثير[11].

قال المازري رحمه الله: (وقد تَمَسَّك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة، ولا متمسَّك لهم فيه؛ فإنَّا لا نُسَلِّم حملَه على ظاهره، سلمناه، ولكن مِن أين لهم أنَّ الواقع في نفس الأمر كذلك؟ سلمناه، لكن لا يلزم من كون كلٍّ من الجَمِّ الغفير لم يحفظه كلَّه، ألا يكون حَفِظَ مجموعَه الجَمُّ الغفيرُ، وليس مِن شرط التواتر أن يحفظ كلُّ فردٍ جميعَه، بل إذا حفظ الكلُّ الكُلَّ ولو على التوزيع كفى)[12].

6- حفظ التابعين ومَن بعدهم رحمهم الله تعالى للقرآن الكريم:

مَرَّ بنا أنَّ الصحابة رضي الله عنهم انتشروا في الآفاق الإسلامية والبلدان المفتوحة يُعَلِّمون الناس أمور دينهم، ويعقدون حِلَقَ التعليم والتدريس في مساجد تلك البلدان، وأقبل عليهم كثيرٌ من الناس يتحلَّقون حولهم، ويتلقون العلم منهم، وصار لبعض هذه المدارس شهرة كبيرة حملت كثيرًا من التابعين على الرحلة إليها وتلقِّي العلم من أهلها؛ كمدرسة ابن مسعود رضي الله عنه في الكوفة، ومدرسة أُبي بن كعب رضي الله عنه في المدينة، ومدرسة ابن مسعود رضي الله عنهما في مكة، وغيرها من مدارس الصحابة رضي الله عنهم.

وكان الصحابة يُعَلِّمونهم القرآن الكريم ويُحفِّظونهم إياه، ويُفَسِّرون لهم معانيه، ويبينون لهم أحكامه، وقد أقبل التابعون على هذه المدارس؛ فكَثُرَ حُفَّاظُ القرآن الكريم، ولم يقتصروا على تلاوته، بل حفظوا أوجه قراءته، واشتهر عدد كبير من الحُفَّاظ بالقراءة والرواية.

وتجَرَّد بعضُ التابعين رحمهم الله تعالى للعناية بضبط القراءات وإتقانها، ووضع القواعد لها والأصول حتى صاروا أئمة يُقتدَى بهم.

7- حفظ القرآن الكريم في العصر الحديث:

أمَّا في العصور الحديثة فما زالت المسيرة -والحمد لله- مستمرة؛ يحفظ المسلمون القرآن في صدورهم مع تكالب الأحوال على المسلمين واضطراب المعيشة ومغريات الحضارة وتوافر الموانع وانحسار الدوافع، وما زلنا نرى كثرة حُفَّاظ القرآن الكريم، ونجد إقبالًا لا يخطر ببالٍ، ولا يَحْلُم بمثله أهل كتاب؛ فقد انتشرت مدارسُ تحفيظ القرآن الكريم العديدة، وأُنشئت معاهد للقراءات وكليات القرآن في العديد من الدول الإسلامية، والحمد لله.

8- خصائص جمع القرآن؛ بمعنى حفظه في الصدور:

ولهذا النوع من الجمع مزايا وخصائص منها:

1- أنَّ جمع القرآن بمعنى حفظه هو أول عِلْمٍ نَشأ من علوم القرآن الكريم؛ وذلك أنه حين نزل الوحيُ على الرسول في غار حراء -وجرى ما جرى- تلا عليه الصلاة والسلام ما نزل عليه من القرآن على خديجة، وذلك من حفظه، فهو أول علم نشأ من علوم القرآن.

2- أنه دائم لا ينقطع إن شاء الله تعالى؛ فقد حفظ الرسول القرآن، وحفظه أصحابه والتابعون ومَن بعدهم، وما زال المسلمون يحفظونه إلى أن يأذن الله برفعه، بخلاف جمعه بمعنى كتابته، فقد مَرَّ بثلاث مراحل؛ آخرُها في عهد عثمان رضي الله عنه.

3- أن الحفظ في الصدور خاصٌّ بالقرآن، وليس هناك كتاب يحفظه أهله غير القرآن.

4- أنه يجب على كل مسلم أن يحفظ من القرآن ما يؤدي به الصلوات، بخلاف جمعه بمعنى كتابته وتدوينه؛ فلا يجب على كل مسلم.

5- الوعيد لمن حفظ شيئًا من القرآن ثم نَسِيَه.

النوع الثاني: جمعه بمعنى كتابته وتدوينه:

[تمهيد]

جُمِعَ القرآن الكريم بهذا المعنى ثلاث مرات:

- الجمع الأول: في عهد الرسول .

- الجمع الثاني: في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

- الجمع الثالث: في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه.

المراد بالجموع الثلاثة:

وقد يُشْكِل على الذهن كيف يُجمع الشيءُ الواحدُ ثلاث مرات، فإذا كان جُمِعَ في عهد الرسول فكيف يجمع في عهد أبي بكر رضي الله عنه؟! وإذا جُمع في عهد أبي بكر ثانية فكيف يُجمع ثالثة؟!

والجواب: أنَّه لا يُراد بالجمع معناه الحقيقي في جميع المراحل؛ فالمراد بجمع القرآن في عهد الرسول : (كتابته وتدوينه)، والمراد بجمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه: (جمعه في مصحفٍ واحدٍ)، والمراد بجمع القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه: (نَسْخُه) في مصاحف متعددة.

ويظهر بهذا أنَّ الجمع بمعناه الحقيقي كان في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وسنتحدث عن كل مرحلة من مراحل هذا الجمع:

أولاً: جمع القرآن بمعنى كتابته وتدوينه في عهد الرسول :

كُتَّابُ الوحي:

اتخذ الرسولُ عددًا من الصحابة، وكان إذا نزل عليه شيء من القرآن أَمَرَ أحدُهم بكتابته وتدوينه، ويُعرف هؤلاء الصحابة بـ(كُتَّاب الوحي)، ومنهم: الخلفاء الأربعة، وزيد بن ثابت، وأُبي بن كعب، ومعاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن أبي سفيان، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع، والزُّبير بن العوام، وعامر بن فُهَيْرة، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن الأرقم، والمغيرة بن شُعبة، وعبد الله بن رواحة، وخالد بن الوليد، وثابت بن قيس، وغيرهم[13].

صفة هذا الجمع:

وَصَفَ هذا الجمعَ صحابيان جليلان؛ فقال زيد بن ثابت رضي الله عنه: «كنا عند رسول الله نُؤَلِّف القرآنَ من الرِّقاع»[14]، أي: نجمعه لترتيب آياته من الرِّقاع.

وروى عثمان بن عفان رضي الله عنه: أن رسول الله كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض مَن كان يكتبه، فيقول: «ضعوا هذه في السورةِ التي يُذكر فيها كذا وكذا» الحديث[15].

أدوات الكتابة:

لم تكن أدواتُ الكتابة مُيَسَّرَةً للصحابة في ذلك الوقت؛ فكانوا يكتبونه على كل ما تناله أيديهم من العُسُب (وهي جَرِيد النَّخْل)، واللِّخَاف: (وهي الحجارة الرقيقة)، والرِّقاع: (وهي القطعة من الجلد أو الورق)، والكرانيف: (وهي أطراف العُسُب العريضة)، والأقْتَاب: (جمع قَتب، وهي الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه)، والأكتاف: (جمع كتف، وهي عظم عريض للإبل والغنم).

وكان كُتَّابُ الوحي رضي الله عنهم يضعون كُلَّ ما يكتبون في بيت رسول الله ، ويَنسخون لأنفسهم منه نسخة.

مميزات جمع القرآن في عهد الرسول :

1- كُتِب القرآن في عهد الرسول على الأحرف السبعة؛ فقد ثبت في السُّنَّة نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف، ومما ورد في ذلك حديثُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفيه: قال رسول الله : «إنَّ هذا القرآنَ أُنزل على سبعة أحرف؛ فاقرءوا ما تيسر منه»[16].

2- أجمع العلماء على أنَّ جمع القرآن في عهد رسول الله كان مُرَتَّب الآيات؛ أما ترتيب السور ففيه خلاف.

3- بعض ما كُتِب في عهد الرسول نُسِخت تلاوتهُ وظلَّ مكتوبًا حتى تُوفِّي رسولُ الله ، وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: «عشر رضعات مَعلومات يُحرِّمْن»، ثم نُسخن: «بخمس معلومات»، فتوفي رسول الله وهنَّ فيما يُقرأ من القرآن[17].

4- لم يكن القرآن الكريم في عهد رسول الله مجموعًا في مصحف واحد، بل كان مُفَرَّقًا في الرِّقاع والأكتاف واللِّخاف وغيرها، ولهذا قال زيد بن ثابت رضي الله عنه: «قُبضَ النبيُّ ولم يكن القرآن جُمِع في شيء»[18]، وقال -أيضًا- لما أُمِر بجمعِ القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه: «فتتبعتُ القرآن أجمعه من العُسُب واللِّخاف وصدور الرجال»[19].

[تساؤل]

ولعلك تسأل بعد هذا: لماذا لم يُجمَع القرآنُ في عهد الرسول في مصحف واحد؟

وقد أجاب العلماء رحمهم الله تعالى على ذلك، وذكروا أسبابًا منها:

1- أن الله تعالى قد أمَّنَ نبيَّه عليه الصلاة والسلام من النسيان بقوله عز وجل: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَىٰ ٦ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ [الأعلى: 7]، أي: ما شاء أن يرفع حكمه بالنسخ، فلا خوف إذن أن يذهب شيءٌ من القرآن الكريم، وأما بعد وفاته فإن النسيان قد يقع، فبادر المسلمون إلى جمعه في مصحف واحد[20].

2- قال الخَطَّابيُّ: (إنَّما لم يَجْمَعْ القرآنَ في المُصحف لِـمَا كان يَتَرقَّبه مِن ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزولُه بوفاته ألهَمَ اللهُ الخلفاءَ الراشدين ذلك؛ وفاءً بوعده الصادق بضمان حِفظه على هذه الأُمَّة)[21].

وقال الزركشيُّ: (وإنما ترك جمعه في مصحف واحد؛ لأن النسخ كان يَرِدُ على بعضٍ، فلو جمعه ثم رُفِعَت تلاوةُ بعضٍ لأدَّى إلى الاختلاف واختلاط الدِّين، فحفظه الله في القلوب إلى انقضاء زمان النسخ، ثم وَفَّقَ لجمعه الخلفاءَ الرَّاشدين)[22].

3- أن القرآن الكريم لم ينزل جملةً واحدة، بل نزل مُنَجَّمًا في ثلاث وعشرين سنة.

4- أن ترتيب آيات القرآن وسوره ليس على حسب ترتيب نزوله، ولو جُـمِع القرآنُ في مصحف واحد حينئذ لكان عُرْضَة للتغيير كلما نزل شيءٌ من القرآن[23].

ولم يكن الصحابةُ رضي الله عنهم إذا اختلفوا في شيء من القرآن يرجعون إلى ما هو مكتوب؛ بل كانوا يرجعون إلى الرسول فيَعرضون عليه قراءتهم ويسألونه عنها، وبعد وفاة الرسول ومَقْتَل بعضِ القُرَّاء من الصحابة دعتِ الحاجة إلى جمع القرآن في مصحف واحد، فكان ذلك في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة