حجم الخط:

محتوى الدرس (12)

[تمهيد]

من المعلوم أنَّ سببَ نزول آيات القرآن الكريم كلها هو هداية الناس إلى الحق والصراط المستقيم، لكنَّ هناك آياتٍ تزيد على هذا السبب العام بسبب خاص مرتبط بها وحدها دون غيرها، وهذا السبب الخاص هو الذي يبحثه العلماء تحت هذا الموضوع، وعلى هذا فإنَّ آيات القرآن الكريم تنقسم من حيث سبب النزول وعدمه إلى قسمين:

الأول: قسم نزل من الله ابتداءً غير مرتبط بسبب من الأسباب الخاصة، وإنَّما هو مرتبط بالسبب العام، وهو هداية الناس، وهذا القسم هو أكثر آيات القرآن الكريم.

الثاني: قسم نزل مرتبطًا بسبب من الأسباب الخاصة، يُسَمِّيه العلماءُ (سبب نزول الآية)، وآيات هذا القسم هي الأقل، ولأهميتها أفردها العلماء بالدراسة والبيان.

عناية العلماء بأسباب النزول:

اعتنى العلماء رحمهم الله تعالى عناية فائقة بدراسة أسباب النزول وأفردوها بمؤلفات مستقلة، وهي مؤلفات كثيرة، وأول مَن أفرده بالتأليف علي بن المديني (تـ: 234هـ)، وممن ألف فيه عبد الرحمن بن محمد؛ المعروف بمُطَرِّف الأندلسي (تـ: 402هـ)؛ فقد ألف كتابه (القصص والأسباب التي نزل من أجلها القرآن)، ومنهم أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (تـ: 468هـ)، واسم كتابه (أسباب النزول)، وطُبع مرارًا[1]، وقد اختصر الجَعْبَريُّ هذا الكتاب بحذف أسانيده[2]، ومنهم ابن الجوزي (تـ: 597هـ)، واسم كتابه (أسباب نزول القرآن)، ومنهم ابن حَجَر العسقلاني (تـ: 852هـ) واسم كتابه (العُجَابُ في بيان الأسباب)، وقد ذكر السيوطي أنَّه اطلع على مُسودة هذا الكتاب، وأنَّ ابن حجر مات قبل أن يُبَيِّضه[3]، ومنهم السيوطي (تـ: 911هـ) الذي أَلَّف كتابًا سَمَّاه (لباب النقول في أسباب النزول)، وطبع في مجلد واحد.

وفي العصر الحديث:

ألف الأستاذ إبراهيم محمد العليّ كتابه (صحيح أسباب النزول)، وألف د. أبو عمر نادي بن محمود الأزهري ثلاثة كتب: (نهاية السول فيما استدرك على الواحدي والسيوطي من أسباب النزول) و(المقبول من أسباب النزول) و(الدخيل من أسباب التنزيل)، كما أَلَّف الشيخ مُقبل بن هادي الوادعي (الصحيح المسند من أسباب النزول).

تعريف سبب النزول:

هو (ما نزل قرآنٌ بشأنه وقت وقوعه)؛ كحادثة تقع حين نزول القرآن الكريم فتنزل آية أو آيات من القرآن تبيِّن الحُكمَ فيها، أو كسؤال يُوجَّه إلى الرسول فتنزل آية أو آيات من القرآن الكريم وفيها الإجابة عليه.

ويُفيد قولنا: (وقت وقوعه) أنَّه لا بدَّ أن يكون نزول الآيات وقت وقوع الحادثة أو توجيه السؤال، فإن كانت الحادثة قبل نزول الآيات بزمن طويل خرج ذلك عن هذا الباب، وصار من باب الإخبار عن الوقائع الماضية والأمم السابقة؛ كالآيات التي تتحدث عن خَلْقِ آدم عليه السلام وقِصَّته مع إبليس، وقصة ابْنَي آدم، وقصص الأنبياء السابقين؛ كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم عليهم السلام، فإن الحديث عن ذلك ليس من هذا الباب.

ولا يلزم أن يكون نزول الآيات بعد الحادثة أو السؤال مباشرة، بل يصح أن يتأخر زمنًا يسيرًا؛ فإن قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا ٢٣ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا [الكهف: 23، 24] قد نزل بعد خمس عشرة ليلة من الحادثة، وكذا الآيات المتعلقة بحادثة الإفك إنَّما نزلت بعد نحو شهر منها.

والحادثة التي ينزل القرآن لأجلها قد تكون من الرسول ، كما حدث في سبب نزول سورة (عَبَس) حين جاء ابنُ أمِّ مكتوم إلى الرسول وهو يُناجي بعض زعماء قريش ويدعوهم إلى الإسلام؛ فجاءه ابنُ أمِّ مكتوم وقال: «يا رسول الله! علِّمني مما علَّمك الله»، وجعل يناديه ويكرر النداء، والرسول مشغول عنه ومُقبل على هؤلاء النفر، فنزلت سورة (عبس)؛ فكان الرسول إذا رأى ابنَ أمِّ مكتوم بعد ذلك يقول: «مرحبًا بمَن عاتبني فيه ربِّي»[4].

وقد تكون الحادثة من جماعة من الصحابة رضي الله عنهم؛ كأولئك الصحابة الذين كانوا يُصَافون المنافقين، ويواصلون رجالًا من اليهود لِـمَا كان بينهم من القرابة والصداقة والحِلف والجوار والرضاع؛ فأنزل الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران: 118][5].

وقد تكون الحادثة من المشركين أو من اليهود أو من المنافقين، والأمثلة على ذلك كثيرة.

كما أن السؤال قد يكون عن ماضٍ؛ كقوله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ [الكهف: 83]، أو عن حاضر؛ كقوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ [البقرة: 189]، وكقوله سبحانه: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ [البقرة: 85]، أو عن مستقبل؛ كقوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ۖ [البقرة: 215]، وقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ [النازعات: 42].

طريق معرفة سبب النزول:

[مدخل]

سبب النزول حادثة من أحداث التاريخ الواقعة في عهد الرسول ، ولهذا فلا طريق لمعرفته إلا طريق الرواية الصحيحة عمن شاهده وحضره، ولا يمكن الاجتهاد في معرفة ذلك، بل لا يجوز؛ لأنه من القول في القرآن بغير علم، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ [الإسراء: 36].

وقال : «مَن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار»[6].

وروى الواحدي عن محمد بن سيرين قال: (سألت عَبِيدَةَ عن آية من القرآن فقال: اتقِّ الله وقُلْ سَدَادًا؛ ذهب الذين يعلمون فيما أُنزل القرآن)[7]، وقال الواحدي: (ولا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب)[8].

وإذا ورد سببُ النزول عن صحابي فلا تَخْلُو عبارته: أن تكون جازمة وصريحة في السببية فلها حكم الحديث المرفوع، وإمَّا أن تكون العبارة غير صريحة كأن يقول: (نزلت هذه الآية في كذا)؛ فإنَّها تحتمل أنَّ المراد بها سببُ النزول، وتحتمل أنَّ هذا داخلٌ في الآية وإن لم يكن السبب، بل يرادُ بيانُ حُكم من الأحكام الواردة في الآية.

قال ابن تيمية رحمه الله: (وقد تنازع العلماءُ في قول الصاحب: (نزلت هذه الآية في كذا)؛ هل يجري مجرى المُسند -كما لو ذَكر السبب الذي أنزلت لأجله- أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمُسند؟ فالبخاري يُدخله في المسند، وغيره لا يدخله في المسند، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كـ(مسند أحمد) وغيره، وبخلاف ما إذا ذكر سببًا نزلت عقبه؛ فإنهم كلهم يُدخلون مثل هذا في المسند)[9].

[إذا ورد السبب عن تابعي]

وإذا ورد سببُ النزول عن تابعي فيشترط لقبوله أربعة شروط:

1- أن تكون عبارته صريحة في السببية: بأن يقول: (سبب نزول هذه الآية كذا) أن يأتي بفاء تعقيبية داخلة على مادة النزول بعد ذكر حادثة أو سؤال؛ كأن يقول: حدث كذا وكذا، أو سئل رسولُ الله عن كذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية أو فنزلت هذه الآية.

2- أن يكون الإسناد صحيحًا.

3- أن يكون التابعيُّ من أئمة التفسير الذين أخذوه عن الصحابة.

4- أن يعتضد برواية تابعي آخر تتوافر فيه نفس الشروط، وإذا اكتملت هذه الشروط في رواية تابعي قُبِلت وصار لها حُكمُ الحديث المرسل.

قال السيوطي رحمه الله عن سبب النزول إذا ورد عن تابعي: إنه (قد يُقبل إذا صَحَّ السندُ إليه، وكان من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة؛ كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، أو اعتضد بمُرسل آخر ونحو ذلك)[10].

وبهذا نُدرك الحيطة الشديدة التي اتخذها العلماء رحمهم الله تعالى لصيانة تفسير القرآن من الدخيل والتحريف والتبديل.

فوائد معرفة سبب النزول:

لمعرفة سبب النزول فوائد كثيرة من أهمها:

1- معرفة حكمة التشريع:

وأنَّه قام على رعاية مصلحة الأمة ودفع الضرر عنها وجلب الخير لها والرحمة بها، وذلك كحادثة خَوْلَة بنت ثعلبة رضي الله عنها، حين جاءت إلى الرسول تشتكي زوجها، وهي تقول: يا رسول الله، أبلى شبابي ونَثَرْتُ له بطني، حتى إذا كبر سِنِّي وانقطع وَلَدي ظَاهَرَ مني، اللهم إني أشكو إليك؛ فنزل قوله تعالى: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة: 1] وهو أوس بن الصامت[11]؛ فشرع الله تعالى الكفارة رحمة بها وبأمثالها، وصيانة للأسرة في المجتمع الإسلامي من التفكك، وحماية للأبناء من التشرد.

2- معرفة سبب النزول يعين على فهم المراد بالآية:

وتفسيرها التفسير الصحيح، ودفع اللبس والإشكال عن معناها.

قال الواحدي عن أسباب النزول: (هي أوفى ما يجب الوقوف عليها، وأولى ما تُصرَفُ العنايةُ إليها لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها)[12]، وقال أبو الفتح القُشيري: (بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز)[13]، وقال ابن تيمية رحمه الله: (ومعرفة سبب النزول يُعينُ على فهم الآية؛ فإنَّ العلم بالسبب يُورث العلم بالمسبب، ولهذا كان أصح قولي الفقهاء أنه إذا لم يُعرف ما نواه الحالفُ رجع إلى سبب يَمِينه وما هَيَّجَها وأثارها)[14].

ومن الأمثلة على ذلك:

‌أ) قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ [البقرة: 115]:

فظاهر هذه الآية يدل على أن للإنسان أن يُصَلِّي إلى أية جهة شاء، ولا يجب عليه استقبال القبلة لا في سفر ولا في حضر ولا في فرض ولا في نافلة، وهذا مخالف لما هو معلوم من الأدلة الأخرى في الكتاب والسنة بوجوب التوجه إلى شطر المسجد الحرام، ويزول الإشكالُ إذا عُرِف سببُ نزول هذه الآية كما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «بعث رسولُ الله سَرِيَّةً كنتُ فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نَعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة، هي هاهنا قِبَل الشمال، فصلَّوْا وخَطُّوا خطوطًا، وقال بعضنا: القبلة هاهنا قِبَل الجنوب، فصلَّوْا وخطوا خطوطًا، فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي عن ذلك، فسكت، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ [البقرة: 115]»[15].

وروى مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله يُصلي وهو مُقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ »[16].

وبهذا ندرك أنَّ هذه الآية خاصة بمَن صَلَّى وهو لا يعرف القبلة ثم يتبين له خطؤه، فإنه لا يُعيد الصلاة، وكذا في صلاة النافلة على الراحلة في السفر لا يلزم التوجه إلى القبلة، وبمعرفة سبب النزول زال الإشكال.

‌ب) قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ [البقرة: 158]، فظاهر الآية نفي الجناح عمَّن طاف بالصفا والمروة مع أنَّ الطواف بهما فرض، والتعبير بنفي الإثم لا يدل على الفرضية، وإذا عرف سبب النزول زال الإشكال، فقد كان للمشركين أصنامٌ على الصفا والمروة، وكانوا يطوفون بهما، فلما جاء الإسلام تحَرَّج هؤلاء عن الطواف بهما، فنزلت هذه الآية، وقد روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه سُئل: أكنتم تَكرهون السعيَ بين الصفا والمروة؟ قال: «نعم؛ لأنها كانت من شعائر الجاهلية، حتى أنزل الله: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ [البقرة: 158]»[17]، فدل سبب النزول على أنَّ المراد بالآية نفي ما وَقَرَ في أذهان بعض الصحابة من التحَرُّج من السعي بين الصفا والمروة والاعتقاد بتحريم ذلك لأنه من عمل الجاهلية؛ فنزلت الآيةُ نافيةً لهذا الإثم ورافعة للتحرج.

3- تيسير الحفظ، وتسهيل الفهم:

ومن فوائد معرفة سبب النزول: تيسير الحفظ، وتسهيل الفهم وتثبيت الوحي في ذهن كل مَن يسمع الآية إذا عرف سبب نزولها؛ لأنَّ رَبْطَ الأسبابِ بالمسببات والأحكام بالحوادث، والحوادث بالأشخاص والأزمنة والأمكنة؛ كل ذلك من دواعي ثبوت المعلومات في الذهن وسهولة استذكارها عند تذكُّر بعضها، وذلك ما يُعرف في علم النفس بقانون (تداعي المعاني)[18].

4- معرفة مَن نزلت فيه الآية بعينه، حتى لا يُبرَّأ المُتَّهم أو يتهم البريء، وحتى لا يزعم أحدٌ أنَّ المراد بالذم في تلك الآية فلان من الصحابة وهو بريء، أو يُنسب إلى آخر صفات مدح في آية، والمراد بها غيره، وفي تفاسير الشيعة كثير من هذا النوع، فلا تكاد تجد آية فيها مدح وثناء على أحد أيًّا كان إلا وألصقوها بأحد أئمتهم، ولا يَدَعُون آية فيها ذم إلا وألصقوها بمُخالفيهم، أو بأحد صحابة رسول الله كأبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم[19].

وقد روى البخاري رحمه الله: (أنَّ مروان بن الحكم كان على الحجاز، استعمله معاوية، فخطب، فجعل يَذكر يزيد بن معاوية لكي يُبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئًا، فقال: خُذوه، فدخل بيتَ عائشة فلم يَقْدِروا عليه، فقال مروان: إنَّ هذا الذي أنزل اللهُ فيه: ﴿ وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي [الأحقاف: 17]؛ فقالت عائشة مِن وراء حجاب: «ما أنزل اللهُ فينا شيئًا من القرآن إلا أن الله أَنزل عُذري»)[20].

5- [فهم النص المخصص]

ومن فوائد معرفة أسباب النزول: معرفة أنَّ سبب النزول غير خارج عن حكم الآية إذا ورد مخصِّص لها؛ وبيان ذلك أنَّ اللفظ قد يكون عامًّا، ويقوم دليل على تخصيصه، فلا يجوز إخراج السبب من حكم الآية بالاجتهاد والإجماع؛ لأن دخول السبب قطعي وإخراجه بدليل التخصيص اجتهادي، والاجتهاد ظني، ولا يجوز إخراج القطعيِّ بالظني، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور: 23]، وسبب نزول هذه الآية حادثة الإفك المشهورة، ولفظ الآية عام بالوعيد يشمل التائب وغير التائب، لكن الآية الأخرى استثنت من تاب؛ فقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ٤ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٥ [النور: 5]، فلفظ الآية هنا عام ثم خصص بقوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ، وبهذا التخصيص نُخَصِّص عمومَ الآية الأولى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الآية، لكن التخصيص للآية الأولى لا يشمل سبب نزولها، وهو قذفُ عائشة رضي الله عنها؛ فيَبقى على عمومه بعدم قبول توبة مَن قذفها؛ لأنَّ دخوله في لفظ الآية الأولى العام قطعي، وإخراجه بما ورد في الآية الثانية اجتهادي ظني، والقطعي لا يخرج بالظني.

وبهذا يبقى حكمُ عدم قبول توبة القاذف خاصًّا بقذف عائشة وأمَّهات المؤمنين، ويكون قبول التوبة في قذفِ غيرهن؛ ولذا قال ابنُ عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ [النور: 23]: «نزلت في عائشةَ خاصَّة»[21].

وفي حديث آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: «هذه في عائشة وأزواج النبي ، ولم يجعل الله لمن فعل ذلك توبة، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي التوبة، ثم قرأ: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ إلى قوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [النور: 5]»، فجعل لمن قذف امرأة من المؤمنين التوبة، ولم يجعل لمن قذف امرأة من أزواج النبي توبة[22].

والخلاصة أنَّ الثانية خَصَّصَت عموم الآية الأولى، إلا سبب النزول فلا تخصِّصُه؛ لأنَّ دخوله قطعي وتخصيصها ظني.

6- تخصيص الحكم بالسبب

[وذلك] عند مَن يرى أنَّ العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، ومثاله: قوله تعالى: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران: 188]، فقد أشكل عموم هذه الآية على مروان بن الحكم، فقال لبوَّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فقل: لئن كان كل امرئٍ فرح بما أُوتي وأحبَّ أن يُـحمد بما لم يفعل مُعذَّبًا، لنُعَذَّبَنَّ أجمعون! فقال ابن عباس: «وما لكم ولهذه، إنَّما دعا النبيُّ يهودًا فسألهم عن شيء، فكتموه إيَّاه، وأخبروه بغيره، فأَرَوْه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أَتوا من كتمانهم، ثم قرأ ابن عباس: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [آل عمران: 187] كذلك حتى قوله: ﴿ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا [آل عمران: 188]»[23].

7- [كشف بلاغة القرآن في مراعاة مقتضى الحال]

ومن فوائد معرفة سبب النزول: كشف وجهٍ من وجوه بلاغة القرآن الكريم، حيث مراعاة الكلام لمقتضى الحال، وذلك بالمطابقة والمقارنة بين الحادثة والنص القرآني الذي نزل فيها.

الاستفادة من معرفة سبب النزول في مجال التربية والتعليم:

نقل المعلومات من ذهن إلى ذهن يحتاج إلى أمرين مهمين:

- أولهما: القدرة من المدرس.

- ثانيهما: الاستعداد من الطالب.

ولا نَجَاح للعملية التعليمية ما لم يكن عند مدرس المادة قدرة على التعبير الصحيح عما يُريد إيصاله إلى أذهان الطلاب.

ولا نَجَاح للعملية ما لم يكن ذهن الطالب مُهَيَّئًا ومُشْرِعًا أبوابه لدخول المادة العلمية، وفتح ذهن الطالب عملية مشتركة بين الطالب والمدرس؛ فالمدرس الناجح هو الذي يستطيع أن يُثير مشاعر الطلاب ويَجذب انتباههم ويُهيِّئ نفوسهم لتقبُّل المادة العلمية، وليست هذه المهمة بالمهمة السهلة، بل تحتاج إلى جهد كبير وفطنة لمَّاحة.

والتمهيدُ للدرس من أهمِّ مراحله، وهي مرحلة تحتاج إلى خبرة ودراية:

1- الربط بين المعلومات.

2- لتأسيس قاعدة يقف عليها ذهن الطالب للانطلاق من معلومة إلى معلومة، أو من الكُلِّ إلى الجزء، إلى أن يُدرك عناصر الدرس ويستوعبها.

3- لإثارة انتباه الطلاب وجذب مشاعرهم، وعرضُ سبب النزول سبيلٌ ناجح لتحقيق هذه الأمور في تدريس تلاوة القرآن الكريم، وتدريس تفسير القرآن الكريم؛ إذ إن سبب النزول -كما أشرنا في التعريف- لا يخلو من أن يكون حادثة أو سؤالًا، ومثل هذا كاف لجذبِ انتباه الطلاب وربطهم بالمادة العلمية وتزويدهم بمعلومة عامة ينطلقون منها إلى التفصيل، ومعرفة ما يتعلق بالآية من تفسير لمفرداتها وبيان لأحكامها، وإدراك لأسرار التشريع فيها وتوثيق صلتهم بالآية.

وإذا كان عرضُ سبب النزول طريقة ناجحة للتمهيد لدرس التلاوة ودرس التفسير مثلًا، فإنه يُمكن الاستفادة من هذا الأسلوب في سائر المواد؛ بأن يبدأ المدرس بعرض قصة مناسبة تلائم المادة العلمية التي يُريد عرضها، أو يوجه سؤالًا يجذب به انتباه الطلاب، ثم يَنطلق إلى درسه بعد أن يَطمئن إلى إقبال الطلاب عليه وتوَجُّه أذهانهم إليه، فيَسهل حينئذٍ تلَقِّيهم للدرس واستيعابهم له.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة