حجم الخط:

محتوى الدرس (24)

[مدخل]

للعلماءِ في تعريفِ الإعجازِ أقوالٌ تختلفُ ألفاظُها وتتحدُ معانيها، منها تعريفُ الهمدانيِّ أن معناه: (أنه يتعذرُ على المتقدمين في الفصاحةِ فعلُ مثلِه، في القدرِ الذي اختصَّ به)[1].

ويمكنُ تعريفُه بقولِنا: هو عجزُ المخاطبين بالقرآنِ وقتَ نزولِه ومَن بعدَهم إلى يومِ القيامةِ عن الإتيانِ بمثلِ هذا القرآنِ، مع تمكنِهم من البيانِ، وتملكِهم لأسبابِ الفصاحةِ والبلاغةِ، وتوفرِ الدواعِي، واستمرارِ البواعثِ.

إثباتُ إعجازِ القرآنِ الكريمِ:

حين نزلَ القرآنُ الكريمُ لم ينزلْ بما يوافقُ معتقداتِ الجاهليةِ أو يدارِيها، بل نزلَ هادمًا لها، مبطلًا لأصولِها، منكرًا لمبادئِها، ساخرًا من معتقداتِها، وأهلُها أهلُ جاهليةٍ، أهلُ عنادٍ واستكبارٍ، أهلُ طغيانٍ وجبروتٍ، أهلُ أنفةٍ وعزةٍ، لو كانَ عندهم أدنى قدرةٍ على معارضةِ القرآنِ أو الإتيانِ بمثلِه، وقد تحداهم واستثارَهم لذلك، ما ترددُوا وما تلكؤُوا، ولكنهم يعلمون من فورِهم أن بينهم وبين ذلك بعدَ ما بينَ المشرقين، أو قلُ: بعدَ ما بينَ السمواتِ والأرضينَ.

نعم عجزُوا وهم أهلُ اللغةِ وأهلُ البيانِ (أجلْ، لقد سجلَ التاريخُ هذا العجزَ على أهلِ اللغةِ أنفسِهم في عصرِ نزولِ القرآنِ، وما أدراك ما عصرُ نزولِ القرآنِ؟ هو أزهى عصورِ البيانِ العربيِّ، وأرقى أدوارِ التهذيبِ اللغويِّ)[2].

جمعوا الحشودَ في الصحراءِ، ورفعوا المنابرَ في الأسواقِ، وعرضوا فيها أنفَسَ بضائعِهم، وأجودَ صناعاتِهم، وما البضاعةُ إلا بضاعةُ الكلامِ، وما الصناعةُ إلا صناعةُ الشعرِ والخطابةِ، يتبارون في عرضِها، ويتنافسون في نقدِها، (فما هو إلا أن جاءَ القرآنُ... وإذا الأسواقُ قد انفضتْ إلا منه، وإذا الأنديةُ قد صفرَتْ إلا عنه، فما قدرَ أحدٌ منهم أن يباريَه أو يجاريَه)[3].

كرروا النظرَ ورجعوا البصرَ؛ علَّهم يجدون فيه فجوةً ينفذون منها، فعادَ إليهم البصرُ خاسئًا وهو حسيرٌ.

(ولم يسدَّ القرآنُ عليهم بابَ المعارضةِ، بل فتحَه على مصراعيْهِ، فدعاهم إليه أفرادًا أو جماعاتٍ، بل تحداهم وكررَ عليهم ذلك التحديَ في صورٍ شتى، متهكمًا بهم، متنزلًا معهم إلى الأخفِّ فالأخفِّ... وأباحَ لهم في كلِّ مرةٍ أن يستعينوا بمن شاءُوا ومن استطاعوا، ثم رماهم والعالمَ كلَّه بالعجزِ في غيرِ مواربةٍ، فقالَ: ﴿ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: 88]، وقالَ: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ [البقرة: 24]، فانظر أيَّ إلهابٍ وأيَّ استفزازٍ!! لقد أجهزَ عليهم بالحكمِ الباتِّ المؤبَّدِ في قوله: ﴿ وَلَنْ تَفْعَلُوا ، ثم هددّهم بالنارِ، ثم سوَّاهم بالأحجارِ، فواللهِ لو كانَ فيهم لسانٌ يتحركُ، لما صمتوا عن منافستِه وهمُ الأعداءُ الألداءُ، وأباةُ الضيمِ الأعزاءُ، وقد أصابَ منهم موضعَ عزتِهم وفخارِهم، ولكنهم لم يجدوا ثغرةً ينفذون منها إلى معارضتِه، ولا سلمًا يصعدون به إلى مزاحمتِه، بل وجدوا أنفسَهم منه أمامَ طودٍ شامخٍ، فما اسطاعوا أن يظهروه، وما استطاعوا له نقبًا... حتى إذا استيأسوا من قدرتِهم، واستيقنوا عجزَهم، ما كانَ جوابُهم، إلا أن ركبوا متنَ الحتوفِ، واستنطقوا السيوفَ بدلَ الحروفِ، وتلك هي الحيلةُ التي يلجأُ إليها كلُّ مغلوبٍ في الحجةِ والبرهانِ، وكلُّ من لا يستطيعُ دفعًا عن نفسِه بالقلمِ واللسانِ)[4].

سلكوا مع الرسولِ كلَّ سبيلٍ للتوقفِ عن دعوتِه، ساوموه بالمالِ، وعرضوا عليه الملكَ، وقاطعوه ومن معه؛ حتى يموتوا جوعًا، وتآمروا على قتلِه، وأخرجوه من بلدِه، وسلكوا أصعبَ الطرقِ، وأعرضوا كلَّ الإعراضِ عن الطريقِ الوحيدِ الذي عرضَه عليهم الرسولُ لإبطالِ دعوتِه، وهو أن يأتوا بمثلِ هذا القرآنِ، فوجدوا أنَّ كلَّ سبيلٍ أهونُ من هذا السبيلِ، وكلَّ مشقةٍ دونَ هذا المطلبِ، فأيُّ شيءٍ يكونُ العجزُ إن لم يكنْ هذا هو العجزُ كلُّ العجزِ[5]؟

ولو أُثِرَ عنهم معارضةٌ للقرآنِ الكريمِ، أو محاولةٌ جادةٌ، لتطايرَ خبرُها في الأجيالِ، ولتداولتْها الألسنُ، وسطرتْها الأقلامُ، ولكنَّ ذلك لم ولن يكونَ ما دامَ هناك مُسْكَةٌ من عقلٍ، أو ذرةٌ من كرامةٍ.

عنايةُ العلماءِ به، وأهمُّ المؤلفاتِ فيه:

كانَ للعلماءِ رحمَهم اللهُ تعالى عنايةٌ كبيرةٌ واهتمامٌ عظيمٌ بإعجازِ القرآنِ الكريمِ.

وسبقَ أن ذكرْنا أن مصطلحَ (المعجزةِ) أو (إعجازِ القرآنِ) لم يردْ في الكتابِ، ولا في السنةِ، ولا في أقوالِ الصحابةِ رضي الله عنهم، وإنما وردَ التعبيرُ عن هذا المعنى بـ: الآيةِ، والبرهانِ، والسلطانِ، وغيرِ ذلك.

وهي العباراتُ التي كانَ يتداولُها العلماءُ في القرنين الأولِ والثاني الهجريينِ عند حديثِهم عن إعجازِ القرآنِ، وليسَ هناك تحديدٌ دقيقٌ لتأريخِ ظهورِ مصطلحِ إعجازِ القرآنِ.

وقد اسْتُعْمِلَ هذا المصطلحُ في نهايةِ القرنِ الثاني وأوائلِ القرنِ الثالثِ، ويؤيدُ هذا أن الإمامَ أحمدَ بنَ حنبلٍ رحمه الله (تـ: 241هـ) استعملَ كلمةَ (معجزةٍ) للأمرِ الخارقِ المؤيدِ للأنبياءِ، ولما استعملَ له من بعدِه مصطلحَ (الكرامةِ)[6].

كما ظهرَ استعمالُ هذا المصطلحِ عندَ النَّظَّامِ (تـ: 231هـ) أحدِ أئمةِ المعتزلةِ، حينَ زعمَ أن إعجازَ القرآنِ كانَ بالصَّرْفَةِ -كما سيأتي بيانُه إن شاءَ اللهُ تعالى- فتصدَّى له علماءُ السنةِ والجماعةِ، وردوا عليه، وأبطلوا زعمَه، فشاعَ مصطلحُ المعجزةِ، وقَلَّ استعمالُ مصطلحِ الآيةِ والبرهانِ والسلطانِ وغيرِها.

وللمعتزلةِ عنايةٌ خاصةٌ بإعجازِ القرآنِ، ولعلَّ عنايتَهم تلك نتيجةُ عدمِ اعتمادِهم في إثباتِ نبوةِ محمدٍ ، إلا على معجزةِ القرآنِ دونَ سواها من المعجزاتِ.

يقولُ الهمدانيُّ: (لم يعتمدْ شيوخُنا في إثباتِ نبوةِ محمدٍ على المعجزاتِ)[7].

ويقولُ عن المعجزاتِ: (فلا يصحُّ أن يستدلَّ بها على صحةِ النبوةِ؛ ولذلك اعتمدَ شيوخُنا في تثبيتِ نبوةِ محمدٍ على القرآنِ)[8].

ويوضحُ هذا الأمرُ فيقولُ: (إن شيوخَنا أثبتوها معجزةً ودلالةً، لكنَّهم لم يجوزوا الاعتمادَ عليها في مكالمةِ المخالفين)[9].

ولهذا كثرتْ مؤلفاتُهم في إعجازِ القرآنِ وبلاغتِه ومناظراتِهم ومجادلاتِهم وشطحاتِهم.

أما أولُ كتابٍ يحملُ هذا المصطلحَ في عنوانِه فهو كتابُ: (إعجازِ القرآنِ)، الذي ألفَه محمدُ بنُ زيدٍ الواسطيُّ (تـ: 306هـ)[10]، وهو كتابٌ مفقودٌ، إلا أنَّ أقدمَ كتابٍ خاصٍّ بإعجازِ القرآنِ وصلَ إلينا هو: (النُّكَتُ في إعجازِ القرآنِ) لأبي الحسنِ عليِّ بنِ عيسى الرمانيِّ (تـ: 384)[11]، وهو منْ أئمةِ المعتزلةِ.

ثمَّ تتابعتِ المؤلفاتُ بعدَ ذلك، وكثرتْ كثرةً لا تكادُ تحصى قديمًا وحديثًا، وليسَ من السهلِ حصرُها كلِّها.

[بعض المؤلفات]

[من المؤلفات قديمًا]

وسأذكرُ بعضَ هذهِ المؤلفاتِ إجمالًا، فمنَ المؤلفاتِ قديمًا:

1- النكتُ في إعجازِ القرآنِ: لأبي الحسنِ عليِّ بنِ عيسى الرمانيِّ (تـ: 384هـ)، وهي رسالةٌ مختصرةٌ جاءت جوابًا لسؤالٍ عن ذكرِ النكتِ في إعجازِ القرآنِ دون التطويلِ بالحجاجِ، وتقعُ في سبعٍ وثلاثينَ صفحةً، طُبِعَتْ ضمنَ ثلاثِ رسائلَ في إعجازِ القرآنِ.

2- بيانُ إعجازِ القرآنِ: لأبي سليمانَ حَمْدِ بنِ محمدٍ الخطابيِّ (تـ: 386هـ)، وهي أيضًا رسالةٌ مختصرةٌ تقعُ في (47) صفحةً، وطُبِعَتْ ضمنَ ثلاثِ رسائلَ في إعجازِ القرآنِ.

3- إعجازُ القرآنِ: لأبي بكرٍ محمدِ بنِ الطيبِ الباقلانيِّ (تـ: 403هـ)، طُبِعَ بتحقيقِ: عمادِ الدينِ أحمدَ حيدر في مجلدٍ واحدٍ يقعُ في (325) صفحةٍ.

4- الرسالةُ الشافيةُ: لأبي بكرٍ عبدِ القاهرِ الجرجانيِّ (تـ: 471هـ)، وهي رسالةٌ موجزةٌ، لكنَّها شاملةٌ، قررَ فيها أن الإعجازَ ثابتٌ عن طريقِ عجزِ العربِ عن معارضةِ القرآنِ، وقررَ أن العبرةَ بعجزِ العربِ المعاصرين لنزولِه دونَ المتأخرين عنْ زمانِه، وردَّ على القولِ بالصَّرْفةِ، وتقعُ هذه الرسالةُ في حوالي (40) صفحةً، وطُبِعَتْ ضمنَ ثلاثِ رسائلَ في إعجازِ القرآنِ.

5- دلائلُ الإعجازِ: وهو أيضًا لعبدِ القاهرِ الجرجانيِّ في مجلدٍ طُبِعَ أكثرَ من مرةٍ، بتحقيقِ: أحمدَ مصطفى المراغيِّ، وطُبِعَ كذلكَ بتحقيقِ: محمدِ عبدِ المنعمِ خفاجيٍّ.

6- نهايةُ الإيجاز في درايةِ الإعجازِ: للفخرِ الرازيِّ (تـ: 606هـ)، اختصرَ فيه كتابَيْ: (دلائلَ الإعجازِ) و(أسرارَ البلاغةِ) لعبدِ القاهرِ الجرجانيِّ، وزادَ فيه بعضَ الفوائدِ، وبينَ يدَيَّ طبعةُ مطبعةِ الآدابِ والمؤيدِ بمصرَ سنةَ (1317هـ).

7- البرهانُ الكاشفُ عن إعجازِ القرآنِ: لعبدِ الواحدِ الزملكانيِّ (تـ: 651هـ)، طُبِعَ بتحقيقِ: د. خديجةَ الحديثيِّ - د. أحمدَ مطلوبٍ، في بغدادَ، الطبعةُ الأولى عامَ (1394هـ)، وتقعُ مع الفهارسِ في (432) صفحةٍ، وللزملكانيِّ أيضًا كتابُ: (التبيانِ في علمِ البيانِ المطلعِ على إعجازِ القرآنِ)، طُبِعَ في بغدادَ أيضًا عامَ (1383هـ).

8- معتركُ الأقرانِ في إعجازِ القرآنِ: لجلالِ الدينِ السيوطيِّ (تـ: 911هـ)، طُبِعَ في ثلاثةِ مجلداتٍ، الطبعةُ الأولى (1408هـ).

[من المؤلفات حديثًا]

أمَّا المؤلفاتُ الحديثةُ فكثيرةٌ جدًّا في مختلفِ أوجهِ الإعجازِ، أذكرُ بعضَ أشهرِها:

1- إعجازُ القرآنِ والبلاغةِ النبويةِ: للأستاذِ مصطفى صادقِ الرافعيِّ (تــ: 1356هـ)، طُبِعَ عدَّةَ مراتٍ في مصرَ، وهوَ بحقٍّ من أفضلِ المؤلفاتِ في موضوعِه قديمًا وحديثًا.

2- النبأُ العظيمُ: د. محمدُ عبدِ اللهِ درازٍ (تــ: 1377هـ)، وهو كتابٌ في الإعجازِ اللغويِّ للقرآنِ الكريمِ، أحدِ ثلاثةِ أنواعٍ من الإعجازِ، وعدَ المؤلفُ بالكتابةِ عنها فأتمَّ الأولَ، وتوفِّيَ قبلَ تمامِ الباقي، وامتازَ بأسلوبِه الأدبيِّ المتميزِ، ودقةِ استنباطِه، وسلاسةِ لفظِه، يقعُ في (216) صفحةً، وطُبِعَ أكثرَ من مرةٍ.

3- مباحثُ في إعجازِ القرآنِ: د. مصطفى مسلمٍ، وكتبَهُ مؤلفُه لطلابِ قسمِ القرآنِ وعلومِه في كليةِ أصولِ الدينِ بجامعةِ الإمامِ محمدِ بنِ سعودٍ الإسلاميةِ لمادةِ إعجازِ القرآنِ، وهو كتابٌ قيمٌ يقعُ في حوالي ثلاثِ مئةِ صفحةٍ.

4- فكرةُ إعجازِ القرآنِ: تأليفُ: نعيمِ الحمصيِّ، وهو في أصلِه مقالاتٌ نشرَها في مجلةِ المجمعِ العلميِّ العربيِّ بدمشقَ، ثمَّ جمعَها في هذا الكتابِ، وصدرتْ طبعتُه الأولى عامَ (1374هـ)، والثانيةُ (1400هـ)، ويقعُ في حوالي خمسِ مئةِ صفحةٍ، وهو عرضٌ لقضيةِ إعجازِ القرآنِ الكريمِ منذُ البعثةِ إلى حينِ تأليفِه.

مراحلُ التحدِّي بالقرآنِ:

[مدخل]

وردَ التحدِّي بالقرآنِ الكريمِ في خمسِ آياتٍ من خمسِ سورٍ، هي على ترتيبِ السورِ[12]:

1- في سورةِ البقرةِ: الآيةُ 23: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ الآيةَ.

2- في سورة يونس: الآيةُ 38: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ الآيةَ.

3- سورةُ هودٍ: الآيةُ 13: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ .

4- سورةُ الإسراءِ: الآيةُ 88: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا .

5- سورةُ الطورِ: الآيةُ 33، 34: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ۚ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ ٣٣ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ .

والتحدِّي في هذه الآياتِ -كما ترى- جاءَ مرةً بالإتيانِ بمثلِ القرآنِ كلِّه، ومرةً بعشرِ سورٍ، ومرةً بسورةٍ، ومرةً بحديثٍ مثلِه، فهلْ جاءَ التحدِّي بالقرآنِ متدرجًا منَ الأكثرِ إلى الأقلِّ أم لا؟

[أقوال العلماء في ذلك]

للعلماءِ في مراحلِ التحدِّي بالقرآنِ الكريمِ أقوالٌ:

القولُ الأولُ: وهو قولُ جمهورِ علماءِ التفسيرِ والبلاغةِ أنَّ التحدِّي كانَ متدرجًا بالقرآنِ كلِّه كما في سورةِ الإسراءِ والطورِ، ثم تحدَّاهم بعشرِ سورٍ في سورةِ هودٍ، ثم تحدَّاهم بسورةٍ في سورةِ يونسَ، ثم بسورةٍ منْ مثلِه في سورةِ البقرةِ، ولكنَّ هذا القولَ لا يساعدُ عليه ترتيبُ نزولِ القرآنِ الكريمِ.

القولُ الثاني: رتبَ آياتِ التحدِّي ترتيبَ النزولِ، وأنَّه كانَ متدرجًا أيضًا، إلَّا أنَّ التحديَ بسورةٍ وقعَ قبلَ التحدِّي بعشرِ سورٍ، ثمَّ ذهبَ أصحابُ هذا القولِ يعللون ذلك بتعليلاتٍ ليسَ فيها ما يقنعُ.

القولُ الثالثُ: وهو ما أرى صوابَهُ أنَّ القولين السابقين قاما على تصورِ أنَّ الإتيانَ بمثلِ القرآنِ أصعبُ منَ الإتيانِ بمثلِ عشرِ سورٍ، وأنَّ الإتيانَ بالعشرِ أصعبُ منَ الإتيانِ بسورةٍ، وهذا غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ القرآنَ كلَّه قليلَه وكثيرَه على حدٍّ سواءٍ في الإعجازِ، فليس الإتيانُ بسورةٍ أسهلَ منَ الإتيانِ بالقرآنِ كلِّه، فالتحدِّي في القرآنِ بالكيفِ لا بالكمِّ، وبالنوعِ لا بالمقدارِ، فلَا يهمُّ إذًا أن يكونَ التحدِّي بسورةٍ جاءَ قبلَ التحدِّي بعشرِ سورٍ أو قبلَ التحدِّي بالقرآنِ كلِّه.

واستحالةُ المجيءِ بمثلِ سورةٍ من القرآنِ كاستحالةِ المجيءِ بعشرِ سورٍ، واستحالةُ المجيءِ بمثلِ القرآنِ كلِّه على حدٍّ سواءٍ، فكلُّ ذلك متعذرٌ؛ ولذا فلا أثرَ للاختلافِ في ترتيبِ آياتِ التحدِّي ما دامَ لا يترتبُ عليه أثرٌ في قوةِ التحدِّي، والعجزُ كانَ عنِ الإتيانِ بجنسِ القرآنِ، لا عنْ مقدارِه.

مقدارُ المعجزِ منَ القرآنِ الكريمِ:

وممَّا يتصلُ بالحديثِ عن مراحلِ التحدِّي بالقرآنِ -الحديثُ عنِ القدرِ المعجزِ منَ القرآنِ الكريمِ، فقد وقعَ في هذا القدرِ خلافٌ أيضًا على أقوالٍ، هي:

القولُ الأولُ: أنَّ الإعجازَ متعلقٌ بجميعِ القرآنِ لا ببعضِه، وهذا القولُ مردودٌ بالآياتِ التي تتحدَّى بعشرِ سورٍ وبسورةٍ واحدةٍ أو حديثٍ مثلِه.

القولُ الثاني: أنَّ الإعجازَ متعلقٌ بسورةٍ تامةٍ طويلةٍ أو قصيرةٍ، وهذا رأيُ الجمهورِ، وزادَ بعضُهم أنَّه يتعلقُ أيضًا بقدرِ سورةٍ تامةٍ[13] منَ الكلامِ، بحيثُ يظهرُ به تفاضلُ قوى البلاغةِ، وأقصرُ سورةٍ في القرآنِ هي سورةُ الكوثرِ ثلاثُ آياتٍ، فيكونُ مقدارُ هذه السورةِ من الآياتِ معجزًا.

القولُ الثالثُ: أنَّ الإعجازَ يتعلقُ بقليلِ القرآنِ وكثيرِه؛ لقولِه تعالى: ﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [الطور: 34]، والتحدِّي بجنسِ القرآنِ لا بالمقدارِ كما مرَّ بنا بيانُه، وهذا هو ما نرجحُه، واللهُ أعلمُ.

استمرارُ التحدِّي بالقرآنِ الكريمِ:

والتحدِّي في القرآنِ الكريمِ ليسَ خاصًّا بأمةٍ دونَ أمةٍ، أوْ عصرٍ دونَ عصرٍ، بل هو باقٍ ما بقيَ القرآنُ يعلنُ للناسِ تحديَه، فقولُه عزَّ شأنُه: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ ... الآيةَ [الإسراء: 88] عامٌّ، يشملُ جميعَ الإنسِ في جميعِ العصورِ.

ولأنَّ القرآنَ خاتمُ الكتبِ، والرسولَ خاتمُ الرسلِ، والإسلامَ خاتمُ الأديانِ، فقد اقتضتِ الحكمةُ بقاءَ المعجزةِ لتكونَ شاهدةً على كلِّ جيلٍ، كما هي شاهدةٌ على الجيلِ الأوَّلِ.

ولئنْ عجزَ الجيلُ الأولُ، وهم أهلُ الفصاحةِ والبلاغةِ، وأهلُ البيانِ والبديعِ عنِ الإتيانِ بمثلِ هذا القرآنِ أو بعضِه، أو مجردِ محاولةِ ذلك؛ لعلمِهم سلفًا بعجزِهم عن ذلك، فإنَّ مَنْ بعدَهم أعجزُ وأبعدُ عنِ الاستطاعةِ، فالإعجازُ مستمرٌّ، والتحدِّي قائمٌ إلى يومِ القيامةِ.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة