الأحرفُ السبعةُ لغةً:
الأحرفُ جمعُ حرفٍ، وله في اللغةِ عدةُ معانٍ:
1- يُطْلَقُ على الحرفِ منْ حروفِ الهجاءِ المعروفةِ: أ ب ت... إلخ.
2- يُطْلَقُ على اللغةِ، فيُقالُ: (حرفُ قريشٍ، وحرفُ ثقيفٍ)، أي: لغةُ قريشٍ ولغةُ ثقيفٍ.
3- يُطْلَقُ على طرفِ الشيءِ، وشفيرِه، وَحَدِّه، وجانبِه.
وفي الحديثِ: «فجاءَ عصفورٌ فوقعَ على حرفِ السفينةِ، فنقرَ نقرةً أو نقرتين في البحرِ، فقالَ الخضرُ: يا موسى، ما نقصَ علمي وعلمُك من علمِ اللهِ إلا كنقرةِ هذا العصفورِ في البحرِ»[1].
وفي التنزيلِ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ ﴾ [الحج: 11]، أي: على جانبِ السراءِ دونَ الضراءِ.
وفي حديثِ ابنِ عباسٍ: «وكانَ من أمرِ أهلِ الكتابِ ألَّا يأتوا النساءَ إلا على حرفٍ»[2]، أي: على جانبٍ.
ويُقَالُ: (انحرفَ فلانٌ) إذا خرجَ عن حَدِّ الاستقامةِ.
4- يُطْلَقُ على وجهِ القراءةِ، فيقالُ: (حرفُ ابنِ مسعودٍ)، أي: قراءتُه.
وأما السبعةُ فهو العددُ المعروفُ بينَ الستةِ والثمانيةِ، ويُطْلَقُ السبعةُ ويُرَادُ به المبالغةُ في الآحادِ، كما تُطْلَقُ السَّبعينَ للمبالغةِ في العشراتِ، والسبع مئة للمبالغةِ في المئاتِ على سبيلِ المجازِ.
الأدلةُ على نزولِ القرآنِ على سبعةِ أحرفٍ:
حكى العلماءُ ومنهم أبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلامٍ تواترَ نزولِ القرآنِ على سبعةِ أحرفٍ، فقالَ أبو عبيدٍ: (قد تواترتْ هذه الأحاديثُ كلُّها على الأحرفِ السبعةِ...)[3].
وذكرَ السيوطيُّ أنها رويتْ عن واحدٍ وعشرين صحابيًّا، فقالَ: (وردَ حديثُ: «نزلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ» من روايةِ جمعٍ من الصحابةِ: أُبيِّ بنِ كعبٍ، وأنسٍ، وحذيفةَ بنِ اليمانِ، وزيدِ بنِ أرقمَ، وسمرةَ بنِ جندبٍ، وسليمانَ بنِ صردٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ مسعودٍ، وعبدِ الرحمٰنِ بن عوفٍ، وعثمانَ بنِ عفانَ، وعمرَ بنِ الخطابِ، وعمرَ بنِ أبي سلمةَ[4]، وعمرِو بنِ العاصِ، ومعاذِ بنِ جبلٍ، وهشامِ بنِ حكيمٍ، وأبي بكرةَ، وأبي جهيمٍ، وأبي سعيدٍ الخدريِّ، وأبي طلحةَ الأنصاريِّ، وأبي هريرةَ، وأمِّ أيوبَ[5]، فهؤلاء أحدٌ وعشرون صحابيًّا)[6].
كما رويَ حديثُ الأحرفِ السبعةِ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، وعبادةَ بنِ الصامتِ، وزيدِ بنِ ثابتٍ[7]، رضي الله عنهم.
ونجدُ السيوطيَّ نفسَه يقولُ في موضعٍ آخرَ: (... وحديثُ: «نزلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ» من روايةِ سبعٍ وعشرين)[8].
وممَّا يؤكدُ كثرةَ الرواةِ: أنَّ عثمانَ بنَ عفانَ رضي الله عنه قالَ على المنبرِ: أُذَكِّرُ اللهَ رجلًا سمعَ النبيَّ ﷺ يقولُ: «القرآنَ أُنْزِلَ على سبعةِ أحرفٍ، كلُّها كافٍ شافٍ» إلا قامَ؛ فقامُوا حتى لم يُحْصَوْا، فشهدوا بذلك، ثم قالَ عثمان: وَأَنَا أَشْهَدُ مَعَكُمْ[9].
وليس في وسعِنا أن نذكرَ هذه الأحاديثَ كلَّها؛ ولذا سأذكرُ منها:
1- حديثَ عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه قالَ: سمعتُ هشامَ بنَ حكيمٍ يقرأُ سورةَ الفرقانِ في حياةِ رسولِ اللهِ ﷺ، فاستمعْتُ لقراءتِه، فإذا هو يقرأُ على حروفٍ كثيرةٍ لم يقرئْنِيها رسولُ اللهِ ﷺ، فكدْتُ أساورُه في الصلاةِ، فتصبرْتُ حتى سَلَّمَ، فلبَّبْتُه بردائِه، فقلْتُ: من أقرأَكَ هذه السورةَ التي سمعْتُك تقرأُ؟ قالَ: أقرأَنِيها رسولُ اللهِ ﷺ، فقلْتُ: كذبْتَ، فإن رسولَ اللهِ ﷺ قد أقرأَنِيها على غيرِ ما قرأتَ.
فانطلقْتُ به أقودُه إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقلْتُ: إني سمعتُ هذا يقرأُ بسورةِ الفرقانِ على حروفٍ لم تقرئْنِيها، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «أرسلْهُ، اقرأْ يا هشامُ» فقرأَ عليه القراءةَ التي سمعْتُه يقرأُ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «كذلك أُنْزِلَتْ»، ثم قالَ: «اقرأْ يا عمرُ» فقرأْتُ القراءةَ التي أقرأنِي، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «كذلك أُنْزِلَتْ، إن هذا القرآنَ أُنْزِلَ على سبعةِ أحرفٍ، فاقرؤُوا ما تيسرَ منه»[10].
2- حديثَ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «أقرأَني جبريلُ على حرفٍ فراجعْتُه، فلم أزلْ أستزيدُه ويزيدُني حتى انتهى إلى سبعةِ أحرفٍ»[11].
3- حديثَ أُبيِّ بنِ كعبٍ رضي الله عنه قالَ: إن النبيَّ ﷺ كانَ عندَ أضاة[12] بنِي غِفَارٍ، قالَ: فأتاه جبريلُ عليه السلام، فقالَ: إن اللهَ يأمرُك أن تَقْرَأَ أُمتُك القرآنَ على حرفٍ، فقالَ: «أسألُ اللهَ معافاتَهُ ومغفرتَهُ، وإن أمتي لا تطيقُ ذلك»، ثم أتاه الثانيةَ فقالَ: إن اللهَ يأمرُك أن تقرأَ أُمتُك القرآنَ على حرفين، فقالَ: «أسألُ اللهَ معافاتَهُ ومغفرتَهُ، وإن أمتي لا تطيقُ ذلك»، ثم جاءَه الثالثةَ، فقالَ: إن اللهَ يأمرُك أن تقرأَ أُمتُك القرآنَ على ثلاثةِ أحرفٍ، فقالَ: «أسألُ اللهَ معافاتَهُ ومغفرتَهُ، وإن أمتي لا تطيقُ ذلك»، ثم جاءَه الرابعةُ، فقال: إن اللهَ يأمرُك أن تقرأَ أُمتُك القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ، فأيُّما حرفٍ قرؤُوا عليه فقد أصابوا[13].
4- حديثُ أُبيِّ بنِ كعبٍ رضي الله عنه قالَ: لقيَ رسولُ اللهِ ﷺ جبريلَ عندَ أحجارِ المِرَاءِ[14]، فقالَ: «إني بُعِثْتُ إلى أمةٍ أُمِّيِّينَ، منهم الغلامُ والخادمُ والشيخُ العاسي[15] والعجوزُ» فقالَ جبريلُ: فليقرؤُوا القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ[16].
5- حديثَ أمِّ أيوبَ رضي الله عنها قالَتْ: إن النبيَّ ﷺ قالَ: «أُنْزِلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ، أيُّها قرأْتَ أصبتَ»[17].
والأحاديثُ -كما ترى- كثيرةٌ جدًّا، لكنَّها جاءَتْ على ثلاثِ صورٍ[18]:
الصورةُ الأولى: أحاديثُ حوارٍ بينَ الرسولِ ﷺ وجبريلَ عليه السلام كالحديثِ الثاني والثالثِ والرابعِ هنا.
الصورةُ الثانيةُ: خلافٌ بينَ الصحابةِ رضي الله عنهم في القراءةِ، واحتكامُهم إلى الرسولِ ﷺ فيما اختلفوا فيه كالحديثِ الأولِ.
الصورةُ الثالثةُ: خبرٌ منَ الرسولِ ﷺ غيرُ مرتبطٍ بحادثةٍ كالحديثِ الخامسِ.
اختلفَ العلماءُ كثيرًا في المرادِ بالأحرفِ السبعةِ المذكورةِ في هذه الأحاديثِ، حتى قالَ ابنُ حبانَ: (اختلفَ أهلُ العلمِ في معنى الأحرفِ السبعةِ على خمسةٍ وثلاثين قولًا)[19].
ثم سردَ هذه الأقوالَ، وعقبَ عليها بقولِه: (فهذه خمسةٌ وثلاثون قولًا لأهلِ العلمِ واللغةِ في معنى إنزالِ القرآنِ على سبعةِ أحرفٍ، وهي أقاويلُ يشبهُ بعضُها بعضًا، وكلُّها محتملةٌ وتحتملُ غيرَها)[20].
أما السيوطيُّ فقالَ: (اخْتُلِفَ في معنى هذا الحديثِ على نحوِ أربعين قولًا)[21].
وقالَ المرسيُّ: (هذه الوجوهُ أكثرُها متداخلةٌ، ولا أدري مستندَها، ولا عمن نُقِلَتْ)[22].
ولعلَّنا نقسمُ أصحابَها إلى أربعِ طوائفَ:
الطائفةُ الأولى: وهم الذين أوَّلُوا الأحرفَ السبعةَ، ولهم قولان:
القولُ الأولُ: أن هذا الحديثَ من المشكلِ المتشابهِ الذي لا يُعْلَمُ معناه.
القولُ الثاني: ليسَ المرادُ بالسبعةِ حقيقةَ العددِ، وإنما هو رمزٌ إلى ما ألفَه العربُ من معنى الكمالِ في هذا العددِ، وهو إشارةٌ إلى كمالِ القرآنِ في لغتِه وبيانِه ومعانِيه وإعجازِه.
الطائفةُ الثانيةُ: رأتْ أن هذه الأحرفَ تتعلقُ بالمعاني وليسَ بالألفاظِ.
الطائفةُ الثالثةُ: رأتْ أن المرادَ بالأحرفِ السبعةِ الوجوهُ التي يقعُ بها التغايرُ والاختلافُ في الكلماتِ القرآنيةِ، ولا يخرجُ عنها، وقد اتفقوا أنها سبعةٌ.
الطائفةُ الرابعةُ: رأتْ أن المرادَ بالأحرفِ السبعةِ سبعُ لغاتٍ من لغاتِ العربِ.
بادئَ ذي بدءٍ ينبغي أن نقرَّ ونعترفَ بأنه لا يمكنُ لأحدٍ الجزمُ بمعنى الأحرفِ السبعةِ، وإنما هي اجتهاداتٌ لا يسلمُ كلُّ قولٍ منها على كثرتِها من اعتراضاتٍ وإشكالاتٍ، وقد سُئِلَ الشيخُ محمدُ الأمينِ الشنقيطيُّ رحمه الله -صاحبُ أضواءِ البيانِ- عما ترجحَ لديه في معنى حديثِ الأحرفِ السبعةِ، فقالَ: الذي ترجحَ لديَّ أني لا أعرفُ معناه[23].
وقبلَه قالَ ابنُ الجزريِّ: (لا زلتُ أستشكلُ هذا الحديثَ، وأفكرُ فيه، وأمعنُ النظرَ من نيفٍ وثلاثين سنةً، حتى فتحَ اللهُ عليَّ بما يمكنُ أن يكونَ صوابًا إن شاءَ اللهُ)[24].
ولذا، فلا تطمعْ أن تجدَ هنا أكثرَ من ذلك، أو مثلِه، لكن هذا لا يعني أن الأقوالَ كلَّها على درجةٍ واحدةٍ من القربِ أو البعدِ عن الصوابِ، فمنها ما هو ظاهرُ الضعفِ، وهو ما ذكرناه من أقوالِ الطائفتين الأولى والثانيةِ، وهي أقوالٌ كثيرةٌ تقاربُ الثلاثين قولًا.
وإذا علمْنا أن أحاديثَ الأحرفِ السبعةِ تدلُّ على أمرين:
الأولِ: أن الأحرفَ السبعةَ في القراءةِ، وليسَ في المعنى.
الثاني: أن الحكمةَ منها التخفيفُ والتيسيرُ على الأمةِ والرحمةُ بهم.
ظهرَ لنا أن الصوابَ أقربُ إلى قولِ الطائفتين الثالثةِ والرابعةِ، وعلى هذا فإن هذين القولين هما الأقربُ للصوابِ، وهما قولان لا يتعارضان، بل يتداخلان، وتداخلُها يزيدُهما قوةً وظهورًا.
ولنا أن نقولَ: إن المرادَ بالأحرفِ السبعةِ هو: تغايرُ الألفاظِ مع اتفاقِ المعنى؛ كما قالَ أبو الفضلِ الرازيُّ، في سبعِ لغاتٍ من لغاتِ العربِ؛ كما قالَ ابنُ جريرٍ الطبريُّ.
قالَ ابنُ حجرٍ رحمه الله: (يمكنُ الجمعُ بينَ القولين بأنْ يكونَ المرادُ بالأحرفِ تغايرَ الألفاظِ معَ اتفاقِ المعنى مع انحصارِ ذلك في سبعِ لغاتٍ)[25].
وذلك أن اختلافَ القبائلِ العربيةِ فيما مضى كانَ يدورُ على اللهجاتِ في كثيرٍ من الحالاتِ، والتخفيفُ على الأمةِ بنزولِ القرآنِ على سبعةِ أحرفٍ يتحققُ بملاحظةِ اختلافِ اللهجاتِ، إذ إنَّ اختلافَ اللغةِ في جوهرِها أيسرُ من اختلافِ اللهجةِ، فقد يسهلُ على المرءِ أن ينطقَ بكلمةٍ من غيرِ لغتِه، ولا يسهلُ عليه أن ينطقَ بكلمةٍ من غيرِ لغتِه نفسِها بلهجةٍ غيرِ لهجتِه، وطريقةٍ في الأداءِ غيرِ طريقتِه[26].
أي: أنَّ القرشيَّ مثلًا يسهلُ عليه أن ينطقَ بلغةِ هذيلٍ في جوهرِها، لكنَّه يشقُّ عليه أن ينطقَ لغةَ هذيلٍ بلهجةِ أهلِها.
ولما كانتِ الأحرفُ بمعنى اللغاتِ، فإنَّ الوجوهَ التي ذكرتْها الطائفةُ الثانيةُ ليستْ إلا الفوارقَ بينَ اللغاتِ السبعِ التي نزلَ القرآنُ عليها.
وإنَّ حصرَ الفروقِ في سبعةٍ أمرٌ لا موجبَ له، ولو زادَتْ عن السبعةِ أو نقصَتْ لما كانَ مخالفًا لنصٍّ شرعيٍّ، طالما حققْنَا أنَّ الأحرفَ هيَ اللغاتُ السبعُ التي أُنْزِلَ القرآنُ وفقَها، فلا عبرةَ عندئذٍ لعددِ الفروقِ بينها سواءٌ أزادَتْ عن السبعةِ أم نقصَتْ[27].
أنَّ المرادَ بالأحرفِ السبعةِ وجوهُ القراءاتِ المتغايرةِ في سبعِ لغاتٍ من لغاتِ العربِ، وليسَتْ لغاتُ القبائلِ على حَدٍّ سواءٍ، بل بعضُها أسعدُ من بعضٍ بهذه الوجوهِ.
ونختمُ هذا بالتأكيدِ أن هذا ما قلناه، ونحن ندركُ أنَّ عليه مآخذَ وفيه إشكالاتٌ تظهرُ للمتأملِ، كغيرِه من الأقوالِ، واللهُ أعلمُ.