حجم الخط:

محتوى الدرس (33)

[تمهيد]

في القرآنِ الكريمِ خمسَ عشرةَ سورةً مبدوءةً بالقسمِ، وجاءَ القسمُ في أثناءِ سورٍ كثيرةٍ من القرآنِ الكريمِ.

ويأتي القسمُ في اللغةِ العربيةِ؛ لتأكيدِ المقسمِ عليه، وتمكينِه من النفسِ.

والقرآنُ يخاطبُ الناسَ كافةً، وفيهم المنكرُ وفيهم الشاكُّ، وفيهم الخصمُ الألدُّ، وفيهم المؤمنُ المصدقُ، ولكلٍّ منهم الأسلوبُ الذي يناسبُه من المؤكداتِ أو عدمِها، فجاءَ القسمُ لإقامةِ الحجةِ، وتأكيدِ الخبرِ، ولتطمئنَّ نفسُ المؤمنِ.

المؤلفاتُ فيه:

وقد اعتنى العلماءُ بدراسةِ القسمِ في القرآنِ الكريمِ، وأفردوه بمؤلفاتٍ مستقلةٍ، منها:

1- التبيانُ في أقسامِ القرآنِ: لابنِ قيمِ الجوزيةِ (تـ: 751هـ)، وطُبِعَ مراتٍ كثيرةً.

2- الإمعانُ في أقسامِ القرآنِ: عبدُ الحميدِ الفراهيِّ (مطبوعٌ).

3- آياتُ القسمِ في القرآنِ الكريمِ: أحمدُ كمالِ محمدِ المهديِّ[1].

تعريفُـه:

لغةً: الحلفُ واليمينُ والقسمُ بمعنًى واحدٍ.

و(الحِلْفُ) بكسرِ الحاءِ: العهدُ يكونُ بينَ القومِ، و(حالفَه) أيْ: عاهدَه، و(الحَلِفُ): هو اليمينُ، قالَ تعالى: ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [القلم: 10]، وقالَ عليه الصلاة والسلام: «من حَلَفَ على يمينٍ فرأى غيرَها خيرًا منها فليكفرْ وليأتِ الذي هو خيرٌ»[2].

وسُمِّيَ يمينًا؛ لأنَّهم إذا تحالفوا تصافقوا بأيمانِهم، ولا يزالُ الناسُ إلى يومِنا هذا يفعلون ذلك أحيانًا؛ ولذلك سُمِّيَ الحلفُ يمينًا.

وسُمِّيَ قسمًا مِن قَسَّمَ الشيءَ بمعنى جَزَّأَه وفرَّقَه، وذلك أن اليمينَ تُقسَّمُ على أولياءِ القتيلِ إذا ادعَوْا على رجلٍ أنه قتلَ صاحبَهم، فيحلفون خمسين يمينًا تُقسَّمُ عليهم، ثم صارَ اسمًا لكلِّ حَلِفٍ، فكأنَّه كانَ في الأصلِ تقسيمُ أيمانٍ، ثم صار يُسْتَعْمَلُ في نفسِ الحَلِفِ والأيمانِ[3]، وتُسَمَّى هذه المسألةُ عند الفقهاءِ القسامةَ.

اصطلاحًا:

أما في الاصطلاحِ فهو: (ربطُ النفسِ بالامتناعِ عن شيءٍ أو الإقدامِ عليه أو على صحتِه أو بطلانِه بمعنًى معظمٍ عندَ الحالفِ حقيقةً أو اعتقادًا)[4].

أرأيتُم ذلك الصحابيَّ الجليلَ الذي ربطَ نفسَه بساريةِ المسجدِ حتى يتوبَ اللهُ عليه في حادثةِ الثلاثةِ الذين خُلِّفُوا[5]؛ للدلالةِ على عزمِه وإصرارِه على التوبةِ، فذلك مثلُ الذي يربطُ نفسَه ربطًا معنويًّا لتأكيدِ عزمِه على الشيءِ بمعنًى معظمٍ عنده، سواءٌ كان معظمًا حقيقةً كالذاتِ الإلهيةِ، أو بمجردِ اعتقادِه كالكفارِ الذين يقسمون باللاتِ والعزَّى وأمثالِهم.

صيغتُه:

وصيغةُ القسمِ الأصليةِ أن يُؤْتَى بالفعلِ (أقسمُ) أو (أحلفُ) متعديًا بالباءِ إلى المقسمِ به، ثم يأتي المقسمُ عليه، وهو جوابُ القسمِ.

ومثالُ ذلك قولُه تعالى: ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ۚ [سورة النحل: 38].

أركانُ القسمِ:

وعلى هذا فأركانُ القسمِ أربعةٌ:

الأولُ: فعلُ القسمِ (أقسمُ) أو (أحلفُ).

الثاني: أداةُ القسمِ، أو حروفُ القسمِ، وهنَّ: (الباءُ، والواوُ، والتاءُ، واللامُ، ومِن)، ولم يردِ القسمُ في القرآنِ إلا بالأحرفِ الثلاثةِ الأولى، أما اللامُ فقالَ سيبويه: (وبعضُ العربِ يقولون في هذا المعنى: للهِ، فيجيءُ باللامِ، ولا تجيء إلا أن يكونَ فيها معنى التعجبِ)[6]، وأما (مِن) فقالَ سيبويه أيضًا: (واعلمْ أن مِن العربِ مَن يقولُ: مِن ربي لأفعلنَّ ذلك... ولا يُدخِلونها في غيرِ ربي كما لا يدخلون التاءَ في غيرِ (اللهِ))[7]، والواوُ أكثرُ ما يُسْتَعْمَلُ في القسمِ.

الثالثُ: المقسمُ به، وهو اللهُ عز وجل.

ولا يجوزُ القسمُ بغيرِ اللهِ، وللهِ سبحانَه أن يقسمَ بما شاءَ من مخلوقاتِه.

الرابعُ: المقسمُ عليه أو جوابُ القسمِ.

أنواعُ القسمِ:

وهو نوعان:

1- قسمٌ ظاهرٌ:

وهو ما توافرَتْ فيه أركانُ القسمِ الأربعةُ كما جاءَ في المثالِ السابقِ، أو حُذفَ منه أولُها، وهو فعلُ القسمِ، كقولِه تعالى: ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ [الذاريات: 23]، وقولِ إبراهيمَ عليه السلام: ﴿ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ [الأنبياء: 57]، أو حُذِفَ منه جوابُ القسمِ إذا كانَ في نفسِ المقسمِ به ما يدلُّ على المقسمِ عليه، وهي طريقةُ القرآنِ، فإن المقصودَ يحصلُ بذكرِ المقسمِ به، فيكونُ حذفُ المقسمِ عليه أبلغَ وأوجزَ[8]، كقولِه تعالى: ﴿ ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق: 1]، ﴿ ص ۚ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ص: 1].

2- قسمٌ مضمرٌ:

وهو ما حُذِفَ منه فعلُ القسمِ وأداتُه والمقسمُ به، وتدلُّ عليه اللامُ المؤكدةُ للقسمِ، والتي تدخلُ على جوابِ القسمِ، كقولِه تعالى: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ [آل عمران: 186]، أي: واللهِ، وكقولِه تعالى: ﴿ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ [العلق: 15].

المقسَمُ به في القرآنِ الكريمِ:

وهو نوعان:

النوعُ الأولُ: قسمٌ باللهِ تعالى:

أقسمَ اللهُ تعالى بنفسِه في خمسةِ مواضعَ:

1- قولِه تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: 65].

2- قولِه تعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٩٢ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ٩٣ [الحجر: 92، 93].

3- قولِه تعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ [مريم: 68].

4- قولِه تعالى: ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ [الذاريات: 23].

5- قولِه تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ ٤٠ عَلَىٰ أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ٤١ [المعارج: 40، 41].

كما وردَ القسمُ باللهِ على لسانِ أنبيائِه، أو أمرًا لهم عليهم السلام بالقسمِ في أربعةِ مواضعَ:

1- قولِ إبراهيمَ عليه السلام: ﴿ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ [الأنبياء: 57].

2- وأمرِه سبحانَه لنبيِّه بالقسمِ في قولِه تعالَى: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن: 7].

3- وكذلك قولُه سبحانَه: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ: 3].

4- وقولُه سبحانَه: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ۖ [يونس: 53].

كما جاءَ القسمُ باللهِ في آياتٍ أخرى، منها:

1- كقولِ إخوةِ يوسفَ لأبيهم عليهم السلام: ﴿ تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا [يوسف: 85].

2- وكقولِه: ﴿ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات: 56].

3- وقولِه سبحانَه: ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ۚ [النحل: 38] وغيرِ ذلك.

النوعُ الثاني: قسمُ اللهِ تعالى بمخلوقاتِه:

وهو كثيرٌ في القرآنِ، والقسمُ بها لدلالتِها على عظمةِ خالقِها وبارئِها، وفيه إشارةٌ:

إما لفضيلتِها، كقولِه سبحانَه: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ [البلد: 1]، وقولِه: ﴿ وَطُورِ سِينِينَ [التين: 1]، ﴿ وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [التين: 3]، ﴿ ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق: 1].

وإما لنفعِها، كقولِه سبحانه: ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين: 1].

وإما لكونِها من أعظمِ آياتِه ومخلوقاتِه، كقولِه سبحانَه: ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ١ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ٢ [الشمس: 2]، ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق: 1]، ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ ١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ ٢ [الليل: 2]، وقولِه: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [القيامة: 1].

وللهِ عز وجل أن يحلفَ بما شاءَ من خلقِه، وليس لأحدٍ غيرَه أن يحلفَ بغيرِ اللهِ، وفي الحديثِ: «من حلفَ بغيرِ اللهِ فقد كفرَ أو أشركَ»[9]، وقالَ عليه الصلاة والسلام: «ألا إن اللهَ ينهاكم أن تحلفوا بآبائِكم، فمن كانَ حالفًا فليحلفْ باللهِ أو ليصمتْ»[10].

وأخرجَ ابنُ أبي حاتمٍ، عنِ الحسنِ، قالَ: «إن اللهَ يقسمُ بما شاءَ من خلقِه، وليسَ لأحدٍ أن يقسمَ إلا باللهِ»[11].

المقسمُ عليه في القرآنِ الكريمِ:

قالَ ابنُ تيميةَ رحمه الله: (والمقسمُ عليه يرادُ بالقسمِ توكيدُه وتحقيقُه، فلا بدَّ أن يكونَ مما يحسنُ فيه ذلك كالأمورِ الغائبةِ والخفيةِ إذا أقسمَ على ثبوتِها، فأما الأمورُ المشهودةُ الظاهرةُ كالشمسِ والقمرِ، والليلِ والنهارِ، والسماءِ والأرضِ، فهذه يقسمُ بها، ولا يقسمُ عليها)[12].

والأمورُ التي أقسمَ اللهُ عليها في القرآنِ الكريمِ هي أصولُ الإيمانِ[13] التي يجبُ على الخلقِ معرفتُها، ويمكنُ إجمالُها بِـ:

1- التوحـيدِ:

كقولِه تعالى: ﴿ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ١ فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ٢ فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ٣ إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ ٤ [الصافات: 14].

2- أن القرآنَ حقٌّ:

كقولِه تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ٧٥ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ٧٦ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ٧٧ [الواقعة: 75 - 77].

3- أن الرسولَ ﷺ حقٌّ:

كقولِه سبحانَه: ﴿ يس ١ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ٢ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ٣ [يس: 1 - 3]، وقولِه سبحانَه: ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ١ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ٢ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ٣ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ٤ [النجم: 1 - 4].

4- أنَّ القيامةَ حقٌّ:

كقولِه سبحانَه: ﴿ وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ١ فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا ٢ فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا ٣ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا ٤ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ٥ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ٦ [الذاريات: 1 - 6]، وقولِه سبحانَه: ﴿ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ١ إلى قوله: ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ٧ [المرسلات: 17].

5- بعضُ أحوال الإنسان وما فطره الله عليه من صفات:

كقولِه تعالى: ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ١ وَطُورِ سِينِينَ ٢ وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ٤ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ٥ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٦ [التين: 1 - 6]، وقولِه سبحانَه: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ ١ إلى قولِه: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ ٤ [الليل: 14]، وقولِه سبحانَه: ﴿ وَالْعَادِيَاتِ إلى قولِه: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ٦ [العاديات: 16]، وقولِه سبحانه: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ ١ إلى قولِه: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ٤ [البلد: 14][14].

المناسبةُ بينَ المقسمِ به والمقسمِ عليه:

ولك أن تتأملَ في الحكمةِ في أنْ يقسمَ اللهُ على ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ بـ ﴿ وَالْعَصْرِ ، وعلى ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ بـ ﴿ وَالْمُرْسَلَاتِ ، لِـمَ لَـمْ يقسمُ على ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ بالضحى مثلًا أو بالصافاتِ أو المرسلاتِ، وقلْ مثلَ هذا في الأقسامِ الأخرى.

فإن فعلْتَ فإنك ستدركُ في أقسامِ القرآنِ وجهًا بلاغيًّا من أظهرِ أوجهِ الإعجازِ البلاغيِّ في القرآنِ الكريمِ، وهو الصلةُ بينَ المقسمِ به والمقسمِ عليه.

من الأمثلةِ على ذلك:

1- قولُه تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ٧ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ٨ [الذاريات: 8].

قالَ البيضاويُّ: (ولعلَّ النكتةَ في هذا القسمِ تشبيهُ أقوالِهم في اختلافِها وتنافي أغراضِها بطرائقِ السمواتِ في تباعدِها واختلافِ غاياتِها)[15].

2- قولُه تعالى: ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ١ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ٢ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ٣ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ٤ [النجم: 1 - 4].

والمقسمُ به هنا النجمُ الذي يهتدي به السائرون في ظلمةِ الليلِ، والمقسمُ عليه نفيُ ضلالِ الرسولِ ، وإثباتُ صدقِه ونبوتِه وهدايتِه للناسِ، فكأنَّه النجمُ الذي يهتدي به الناسُ إلى الحقِّ والنجاةِ.

قالَ ابنُ القيمِ رحمه الله: (وبين المقسمِ به والمقسمِ عليه من التناسبِ ما لا يخفى؛ فإن النجومَ التي ترمي الشياطينَ آياتٌ منْ آياتِ اللهِ يحفظُ بها دينَه ووحيَه، وآياتِه المنزلةَ على رسولِه، بها ظهرَ دينُه وشرعُه وأسماؤُه وصفاتُه، وجُعِلَتْ هذه النجومُ المشاهدةُ خدمًا وحرسًا لهذه النجومِ الهاديةِ)[16].

3- قولُه تعالى: ﴿ وَالضُّحَىٰ ١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣ [الضحى: 1 - 3].

قالَ ابنُ القيمِ رحمه الله: (فتأملْ مطابقةَ هذا القسمِ، وهو نورُ الضحى الذي يوافِي بعدَ ظلامِ الليلِ للمقسمِ عليه، وهو نورُ الوحيِ الذي وافاه بعدَ احتباسِه عنه حتى قالَ أعداؤُه: وَدَّع محمدًا ربُّه؛ فأقسمَ بضوءِ النهارِ بعدَ ظلمةِ الليلِ، على ضوءِ الوحيِ ونورِه بعد ظلمةِ احتباسِه واحتجابِه.

وأيضًا فإن فالقَ ظلمةِ الليلِ عن ضوءِ النهارِ هو الذي فلقَ ظلمةَ الجهلِ والشركِ بنورِ الوحيِ والنبوةِ فهذانِ للحسِّ، وهذانِ للعقلِ.

وأيضًا فإن الذي اقتضَتْ رحمتُه ألَّا يتركَ عبادَه في ظلمةِ الليلِ سرمدًا، بل هداهم بضوءِ النهارِ إلى مصالِحهم ومعايشِهم -لا يليقُ به أن يتركَهم في ظلمةِ الجهلِ والغيِّ، بل يهديهم بنورِ الوحيِ والنبوةِ إلى مصالحِ دنياهم وآخرتِهم.

فتأملْ حسنَ ارتباطِ المقسمِ به بالمقسمِ عليه، وتأملْ هذه الجزالةَ والرونقَ الذي على هذه الألفاظِ، والجلالةَ التي على معانيها)[17].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة