حجم الخط:

محتوى الدرس (36)

[تمهيد]

سلكَ القرآنُ منهجًا خاصًّا فريدًا في عرضِه للقضايا، فلم يلتزمِ الطريقةَ المعروفةَ بتقسيمِ الكتابِ إلى أبوابٍ، والأبوابِ إلى فصولٍ، يتناولُ كلُّ بابٍ موضوعًا خاصًّا، ويعرضُ كلُّ فصلٍ جانبًا منْ جوانبِ هذا الموضوعِ حتى اكتمالِ الموضوعِ وتمامِه.

والقرآنُ الكريمُ ليسَ كذلك، فهو ينوعُ في العرضِ بالترغيبِ مرةً، والترهيبِ أخرى، وبالموعظةِ حينًا، والقصةِ حينًا آخرَ، ويذكرُ طرفًا من الموضوعِ مرةً، ثم ينتقلُ إلى غيرِه، ثم يعودُ إلى إتمامِه مرةً أخرى؛ مما جعلَ العلماءُ يقبلون على دراسةِ هذا الأسلوبِ وأسرارِ الانتقالِ من موضوعٍ إلى آخرَ، ويبينون وجهَ الارتباطِ بين الآياتِ ذاتِ الموضوعاتِ المختلفةِ مع بعضٍ، حتى نشأَ علمٌ خاصٌّ سمَّوْه: (علمَ المناسباتِ بين الآياتِ والسورِ).

وقد اعتنى المفسرون كثيرًا ببيانِ المناسبةِ بين الآياتِ والسورِ في تفاسيرِهم، بل حكى الزركشيُّ خلافَ العلماءِ في أيّها أولى بالبداءة بسببِ النزولِ أو بالمناسبةِ؛ لأنَّها المصححةُ لنظمِ الكلامِ، وهي سابقةٌ على النزولِ.

ثم حققَ الخلافَ بأنه إذا كانَ وجهُ المناسبةِ متوقفًا على معرفةِ سببِ النزولِ، فهذا ينبغي فيه تقديمُ ذكرِ السببِ؛ لأنه حينئذٍ من بابِ تقديمِ الوسائلِ على المقاصدِ، وإن لم يتوقفْ على ذلك فالأولى تقديمُ وجهِ المناسبةِ[1].

[المؤلفات في ذلك]

وإذا علمْنا أن معرفةَ المناسباتِ هو العلمُ الثاني الذي تحدثَ عنه الزركشيُّ بعدَ حديثِه عنِ النوعِ الأولِ وهو سببُ النزولِ، علمْنا مكانةَ هذا العلمِ ودرجتَه في التفسيرِ.

ولذا، فقد أفردَه العلماءُ بمؤلفاتٍ كثيرةٍ، منها:

1- البرهانُ في مناسبةِ ترتيبِ سورِ القرآنِ، لأبي جعفرٍ أحمدَ بنِ الزبيرِ الغرناطيِّ (تـ: 708هـ)، طُبِعَ بتحقيقِ: محمدِ شعبانيٍّ، كما طُبِعَ بتحقيقِ: د. سعيدِ الفلاحِ.

2- نظمُ الدررِ في تناسبِ الآياتِ والسورِ: برهانُ الدينِ البقاعيُّ (تـ: 885هـ)، وهو تفسيرٌ طُبِعَ في الهندِ في اثنين وعشرين مجلدًا.

3- ألفَ السيوطيُّ (تـ: 911هـ) ثلاثةَ كتبٍ في هذا الموضوعِ، هي: (قطفُ الأزهارِ في كشفِ الأسرارِ)، و(تناسقُ الدررِ في تناسبِ السورِ)، و(مراصدُ المطالعِ في تناسبِ المقاطعِ والمطالعِ)، وقد طُبِعَتْ كلُّها محققةً.

4- (الإعجازُ البيانيُّ في ترتيبِ آياتِ القرآنِ الكريمِ وسورِهِ): د. محمد أحمد يوسف القاسم.

5- جواهرُ البيانِ في تناسبِ سورِ القرآنِ: عبدُ اللهِ بنُ محمدِ الصديقِ الغماريِّ.

ومع هذا فقد تحدثَ العلماءُ عن المناسبةِ في أبوابٍ مستقلةٍ من كتبِهم المؤلفةِ في علومِ القرآنِ، واعتنى به المفسرون في تفاسيرِهم، ومن أشهرِ التفاسيرِ التي تظهرُ فيها العنايةُ ببيانِ المناسبةِ: (البرهانُ في متشابهِ القرآنِ) للكرمانيِّ، و(الكشافُ) للزمخشريِّ، و(مفاتيحُ الغيبِ) للرازيِّ، و(البحرُ المحيطُ) لأبي حيانَ الأندلسيِّ، وغيرِهم.

تعريفُ المناسبةِ:

لغـةً: المناسبةُ: المقاربةُ والمشاكلةُ، يقالُ: (فلانٌ يناسبُ فلانًا)، أي: يقربُ منه ويشاكلُه.

ومنه: النسيبُ، وهو: القريبُ المتصلُ.

ومنه: المناسبةُ في العلةِ في بابِ القياسِ، وهي: الوصفُ المقارنُ للحكمِ؛ لأنه إذا حصلَتْ مقارنتُه للحكمِ ظُنَّ عند وجودِ ذلك الوصفِ وجودُ الحكمِ، كالإسكارِ في الشرابِ علةُ التحريمِ، والمناسبةُ أمرٌ معقولٌ إذا عُرِضَ على العقولِ، تلقتْهُ بالقبولِ[2].

واصطلاحًا: المناسبةُ هي وجهُ الارتباطِ بينَ الآيةِ والآيةِ التي تليها، والسورةِ والسورةِ التي تلِيها، وفاتحةِ السورةِ وخاتمتِها، ونحوِ ذلكَ.

أو هي ارتباطُ أجزاءِ القرآنِ بعضِها ببعضٍ.

أهميةُ هذا العلمِ ومكانتُه:

أكدَ العلماءُ كثيرًا على أهميةِ هذا العلمِ ومكانتِه وفضلِه.

يقولُ الزركشيُّ: (اعلمْ أنَّ المناسبةَ علمٌ شريفٌ تحرزُ به العقولُ، ويُعْرَفُ به قدرُ القائلِ فيما يقولُ)[3].

وقالَ ابنُ العربيِّ: (ارتباطُ آيِ القرآنِ بعضِها ببعضٍ حتى يكونَ كالكلمةِ الواحدةِ متسقةَ المعاني منتظمةَ المباني -علمٌ عظيمٌ)[4].

وقالَ الرازيُّ: (أكثرُ لطائفِ القرآنِ مودعةٌ في الترتيباتِ والروابطِ)[5].

وقالَ: (إن القرآنَ كما أنه معجزٌ بحسبِ فصاحةِ ألفاظِه وشرفِ معانِيه، فهو أيضًا معجزٌ بحسبِ ترتيبِه ونظمِ آياتِه، ولعلَّ الذين قالوا: إنه معجزٌ بحسبِ أسلوبِه أرادوا ذلك)[6].

فوائدُ علمِ المناسباتِ:

ولهذا العلمِ فوائدُ كثيرةٌ، منها:

1- جعلُ أجزاءِ الكلامِ بعضها آخذ بأعناقِ بعضٍ، فيقوى بذلك الارتباطُ، ويصيرُ التأليفُ حالُهُ حالُ البناءِ المحكمِ المتلائمِ الأجزاءِ، وبهذا يظهرُ وجهٌ من أوجهِ الإعجازِ البلاغيِّ.

2- إبطالُ الشبهاتِ وإزالةُ الشكِّ الحاصلِ في القلبِ بسببِ خفاءِ وجهِ الاتصالِ بين بعضِ الآياتِ، وبالتأملِ والتدبرِ يزولُ الإشكالُ.

3- إدراكُ بعضِ أسرارِ التشريعِ وحكمتِه، والتلازمُ التامُّ بين أحكامِ الشريعةِ، فإذا قرأتَ قولَه تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ [النور: 30]، وتعرفْتَ على المناسبةِ بينَ الأمرِ بغضِّ البصرِ وحفظِ الفرجِ، علمْتَ ما بينَهما من التلازمِ؛ فحفظُ الفرجِ لا يتمُّ إلا بغضِّ البصرِ، ومن أطلقَ بصرَه في الحرامِ، فحريٌّ أن تزلَّ قدمُه في الآثامِ.

4- أنه يعينُ على فهمِ الآيةِ وتحديدِ المرادِ منها، ومثالُ ذلكَ خلافُ المفسرين في معنى قولِه تعالى: ﴿ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا [الصافات: 1] حيثُ قالَ الجمهورُ: هي الملائكةُ، وقال آخرون: هي الطيرُ، والصحيحُ الأولُ؛ لأنه ذكرَ في آخرِ السورةِ قولَ الملائكةِ: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [الصافات: 165].

5- كشفُ حكمةِ تكرارِ بعضِ قصصِ القرآنِ، وأن القصةَ تُكَرَّرُ حسبَ المناسبةِ؛ ولذلك ترى اختلافًا في ترتيبِ القصةِ ونظمِها ومقدارِ ما يُذْكَرُ منها بحسبِ المناسبةِ، وإن كانتِ القصةُ في أصلِها واحدة[7].

خلافُ العلماءِ في المناسباتِ:

للعلماءِ في المناسباتِ في القرآنِ الكريمِ قولان:

الأولُ: المنعُ:

وذهبَ إلى ذلك العزُّ بنُ عبدِ السلامِ رحمه الله حيث قالَ: (المناسبةُ علمٌ حسنٌ، ولكنْ يشترطُ في حسنِ ارتباطِ الكلامِ أن يقعَ في أمرٍ متحدٍ مرتبطٍ أولُّه بآخرِه، فإن وقعَ على أسبابٍ مختلفةٍ لم يُشْتَرَطْ فيه ارتباطُ أحدِهما بالآخرِ).

قالَ: (ومن ربطَ ذلك فهو متكلفٌ بما لا يقدرُ عليه إلا برباطٍ ركيكٍ يصانُ عنه حسنُ الحديثِ فضلًا عن أحسنِه، فإن القرآنَ نزلَ في نيفٍ وعشرين سنةً في أحكامٍ مختلفةٍ ولأسبابٍ مختلفةٍ، وما كان كذلك لا يتأتى ربطُ بعضِه ببعضٍ)[8].

كما ذهبَ إلى هذا الرأيِ أيضًا الشوكانيُّ في تفسيرِه[9].

الثاني: الجـوازُ:

وذهبَ إلى ذلك جمهورُ العلماءِ وعامتُهم.

قالَ وليُّ الدينِ الملّويُّ: (قد وهمَ من قالَ: لا يُطْلَبُ للآيِ الكريمةِ مناسبةٌ؛ لأنها على حسبِ الوقائعِ المتفرقةِ.

وفصلُ الخطابِ أنها على حسبِ الوقائعِ تنزيلًا، وعلى حسبِ الحكمةِ ترتيبًا وتأصيلًا، فالمصحفُ على وفقِ ما في اللوحِ المحفوظِ مرتبةٌ سورُه كلُّها وآياتُه بالتوقيفِ)[10].

ووضحَ ذلك د. محمدُ عبدِ اللهِ درازٍ، فقالَ عن آياتِ القرآنِ الكريمِ: (إن كانَتْ بعدَ تنزيلِها قد جُمِعَتْ عن تفريقٍ، فلقدْ كانَتْ في تنزيلِها مفرقةً عنْ جمعٍ، كمثلِ بنيانٍ كانَ قائمًا على قواعدِه، فلما أُرِيدَ نقلُه بصورتِه إلى غيرِ مكانِه، قُدِّرَتْ أبعادُه، ورُقِّمَتْ لبناتُه، ثم فُرِّقَ أنقاضًا، فلم تلبثْ كلُّ لبنةٍ أن عرفَتْ مكانَها المرقومَ، وإذا البنيانُ قد عادَ مرصوصًا يشدُّ بعضُه بعضًا كهيئتِه أولَ مرةٍ)[11].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة