الْمُحْكَـمُ والمتشابهُ[1]
تختلفُ قوى البشرِ ومداركُهم العقليةُ كما تختلفُ قواهم ومداركُهم الجسميةُ، فهناك من الأعمالِ ما يستطيعُ أن يفعلَه كلُّ البشرِ، ومنها ما لا يستطيعُ فعلَه إلا الأقوياءُ منهم، ومنها ما لا يستطيعُ أحدٌ من البشرِ فعلَه.
وكذا في المداركِ العقليةِ، هناك من المعاني ما يفهمُه كلُّ البشرِ، ومنها ما لا يفهمُه إلا العلماءُ، ومنها ما لا يدركُ المرادَ به أحدٌ من البشرِ، ولا يعلمُه إلا اللهُ.
ومن معاني القرآنِ الكريمِ ما هو ظاهرُ الدلالةِ، واضحُ المعاني، ومنه ما خفيَتْ دلالتُه، وغمضَ معناه.
وتدبرَ العلماءُ في معاني الآياتِ القرآنيةِ، ودرسوا هذين النوعين في بابِ المحكمِ والمتشابهِ.
وينقسمُ المحكمُ والمتشابهُ إلى قسمين:
الأولُ: الإحكامُ والتشابهُ العامُّ.
الثاني: الإحكامُ والتشابهُ الخاصُّ.
أولاً: الإحكامُ والتشابهُ العامُّ:
وردَتْ آياتٌ كثيرةٌ تصفُ القرآنَ الكريمَ كلَّه بأنه محكمٌ، منها: قولُه تعالى: ﴿ الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ [هود: 1]، وقولُه تعالى: ﴿ الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾ [يونس: 1]، ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ۚ ﴾ [الرعد: 37]، ﴿ ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۗ ﴾ [الإسراء: 39]، ﴿ ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 58]، ﴿ الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾ [يونس: 1]، ﴿ يس ١ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ٢ ﴾ [يس: 1، 2]، وغيرُ ذلك.
الإحكامُ -بكسرِ الهمزةِ- له معانٍ متعددةٌ، ترجعُ كلُّها إلى معنًى واحدٍ هو: المنعُ عن الفسادِ، ولا يعتبرُ المنعُ عن الإصلاحِ إحكامًا، بل هو خاصٌّ بالمنعِ عن الفسادِ، ومنه:
قولُهم: أحكمَ الأمرَ، أي: أتقنَه، ومنعَه من الفسادِ.
وقولُهم: أحكمَه عن الأمرِ، أي: منعَه منه.
وقولُهم: حكمَ نفسَه وحكمَ الناسَ، أي: منعَ نفسَه ومنعَ الناسَ عما لا ينبغي.
وقولُهم: أحكمَ الفرسَ، أي: جعلَ له (حَكَمَةً)، وهي ما أحاطَ بالحنكِ من لجامِ الفرسِ (تمنعُه) من الاضطرابِ[2].
وقولُ جريرٍ[3]:
| أبني حنيفةَ أَحْكِمُوا سفهاءَكم |
| إني أخافُ عليكُـمُ أن أغضبـا |
ومنه سُمِّيَتِ (الحكمة)، وهي إصابةُ الحقِّ؛ لمنعِها صاحبَها من الوقوعِ في الباطلِ؛ ولذا سُمِّيَ الحكيمُ حكيمًا؛ لمعرفةِ الحكمةِ.
وعلى هذا فالقرآنُ الكريمُ كلُّه محكمٌ، أي: متقنٌ يمتنعُ عنه الخللُ والنقصُ في ألفاظِه ومعانيه، ولهدايتِه إلى الحقِّ والطريقِ المستقيمِ، ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82]، ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت: 42].
قولُه تعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا ﴾ [الزمر: 23].
التشابهُ في الأصلِ هو التماثلُ بين شيئين فأكثرَ؛ حتى يشقَّ التمييزُ بينهما، ثم أُطْلِقَ بعد ذلك على كلِّ ما فيه غموضٌ والتباسٌ في تحديدِ معناه أو حقيقتِه.
ومن الأولِ: قولُك: فلانٌ يشبهُ فلانًا، أي: يماثلُه ويقاربُه، سواءٌ كانَ في الصفاتِ الحسيةِ كالجسمِ أو الوجهِ، أو في الصفاتِ المعنويةِ كالأخلاقِ والآدابِ.
ومن الثاني: قولُهم: (شُبِّه عليه الأمرُ) إذا التبسَ، وقولُهم: (فلانٌ مشبوهٌ) إذا التبسَتْ براءتُه من الجريمةِ باقترافِه لها.
(وذلك أن التشابهَ والتماثلَ قد يكونُ سببًا للعجزِ عن التمييزِ بين الأشياءِ؛ مما يؤدِّي إلى الالتباسِ والغموضِ؛ ولذلك سميَ هذا الالتباسُ أو الغموضُ متشابهًا من بابِ إطلاقِ السببِ على المسبِّبِ)[4].
ومنه في القرآنِ الكريمِ قولُه تعالى: ﴿ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ ﴾ [البقرة: 25]، أي: يشبهُ بعضُه بعضًا، وقولُه عن بني إسرائيلَ: ﴿ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا ﴾ [البقرة: 70]، أي: اختلطَ أمرُه علينا، والتبسَ المقصودُ منه، وقولُه سبحانه: ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ ﴾ [البقرة: 118]، أي: تماثلَت في الغيِّ والجهالةِ.
ومنه قولُه عليه الصلاة والسلام: «إنَّ الحلالَ بَيِّنٌ، وإنَّ الحرامَ بَيِّنٌ، وبينَهما أمورٌ مشتبهاتٌ، لا يعلمُهن كثيرٌ من الناسِ، فمنِ اتقى الشبهاتِ فقد استبرأَ لدينِه وعرضِه، ومن وقعَ في الشبهاتِ وقعَ في الحرامِ، كالراعي يرعى حولَ الحمى يوشكُ أن يرتعَ فيه» الحديثَ[5]، أي: أمورٌ تشتبهُ على كثيرٍ من الناسِ هل هي من الحلالِ أم من الحرامِ[6].
وعلى هذا فقولُه تعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا ﴾ [الزمر: 23]، (أي: يشبهُ بعضُه بعضًا في الفصاحةِ والإعجازِ وعدمِ تناقضِه، وإبداعِ ألفاظِه، واستخراجِ حكمِه)[7]، وهذا هو التشابهُ العامُّ بين آياتِ القرآنِ.
ثانيًا: الإحكامُ الخاصُّ والمتشابهُ الخاصُّ:
وإذا كانَ القرآنُ الكريمُ كلُّه محكمًا بمعنى: أنه مُتْقَنٌ، لا يتطرقُ إليه الخللُ والنقصُ، وهو كلُّه متشابهٌ، بمعنى: أن آياتِه يشبهُ بعضُها بعضًا في الإعجازِ والفصاحةِ، فإنه قد وردَتْ آيةٌ قرآنيةٌ تصفُ القرآنَ بأن بعضَه محكمٌ وبعضَه متشابهٌ، قالَ تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ ﴾ [آل عمران: 7]، فلا بدَّ أن يكونَ للإحكامِ والتشابهِ هنا معنًى غيرُ المعنى الأولِ، وهو خاصٌّ ببعضِ الآياتِ دونَ بعضٍ، ولهذا وقعَ الاختلافُ بين العلماءِ في تعريفِ المحكمِ والمتشابهِ هنا.
أقوالُ العلماءِ في المحكمِ والمتشابهِ:
للعلماءِ في تعريفِ المحكمِ الخاصِّ والمتشابهِ الخاصِّ أقوالٌ كثيرةٌ، منها:
الأولُ: المحكمُ ما عُرِفَ المرادُ منه، والمتشابهُ ما استأثرَ اللهُ بعلمِه كقيامِ الساعةِ، وخروجِ الدجالِ، والحروفِ المقطعةِ في أوائلِ السورِ.
ويُنسبُ هذا القولُ إلى أهلِ السنةِ.
الثاني: المحكمُ ما لا يحتملُ إلا وجهًا واحدًا، والمتشابهُ ما احتملَ أكثرَ من وجهٍ.
وهو قولُ الأصوليين، ويُرْوَى عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما.
الثالثُ: المحكمُ الذي يعملُ به، والمتشابهُ الذي يؤمنُ به، ولا يعملُ به.
وروي هذا القولُ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما وعكرمةَ وقتادةَ[8].
الرابعُ: المحكمُ هو ما استقلَّ بنفسِه ولم يحتجْ إلى بيانٍ، والمتشابهُ ما لا يستقلُّ بنفسِه ويحتاجُ إلى بيانٍ.
وهو قولُ الإمامِ أحمدَ.
الخامسُ: المحكمُ ما اتضحَ دليلُه، والمتشابهُ ما يحتاجُ إلى تدبرٍ، كقولِه تعالَى: ﴿ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ [الزخرف: 11] فأولُها محكمٌ، وآخرُها متشابهٌ.
وهو قولُ الأصمِّ[9].
السادسُ: المحكمُ ما تضمنَ حكمًا، والمتشابهُ ما تضمنَ أخبارًا وقصصًا.
السابعُ: المحكمُ هو الناسخُ، والمتشابهُ هو المنسوخُ.
وقيل: المحكمُ ناسخُه، وحلالُه، وحرامُه، وحدودُه، وفرائضُه.
والمتشابهُ: منسوخُه ومقدمُه، ومؤخرُه، وأمثالُه، وأقسامُه.
وهو قولُ ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ[10] وقتادةَ.
الثامنُ: المحكمُ ما كانت دلالتُه راجحةً كالنصِّ والظاهرِ.
والمتشابهُ ما كانَتْ دلالتُه غيرَ راجحةٍ، أي: أن دلالةَ اللفظِ عليه وعلى غيرِه متساويةٌ كالمجملِ والمؤولِ والمشكلِ[11].