حجم الخط:

محتوى الدرس (56)

أسبابُ الاختلافِ:

ولاختلافِ السلفِ في التفسيرِ أسبابٌ كثيرةٌ[1]، منها:

أولًا: [الاختلاف في وجوه القراءات]

أنْ يكونَ في الآيةِ أكثرُ من قراءةٍ؛ فيفسرَ كلٌّ منهم الآيةَ على حسبِ قراءةٍ مخصوصةٍ.

مثالُ ذلكَ: ما أخرجَهُ ابنُ جريرٍ الطبريُّ[2]، عن مجاهدٍ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ١٤ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ١٥ [الحجر: 14، 15]، أنَّ معنى (سُكِّرَت): سُدَّت.

ثمَّ أخرجَ عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنه قالَ: سُكرَتْ بمعنى: أُخِذَت وسُحِرَت[3].

ثمَّ أوردَ قولَ قتادةَ[4]: من قرأَ (سُكِّرَت) مُشَدَّدَةً يعني: سُدَّتْ، ومن قرأَ (سُكِرَت)[5] مخففةً فإنه يعني: سُحِرَت.

ومثالُهُ أيضًا: ما أخرجَهُ ابنُ جريرٍ الطبريُّ[6]، عنِ الحسنِ في تفسيرِ قولِهِ تعالَى: ﴿ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ [إبراهيم: 50] أنَّ القطران الذي تُهْنَأ به الإبلُ، وروى عنِ ابنِ عباسٍ وغيرِهِ[7]: «أنَّه النحاسُ المُذَابُ»، فمنْ قرأَ: (قَطِرَان) قالَ بالتفسير الأول، ومن قرأَ: (قَطْرآن)[8] قال بالتفسير الثاني، فالاختلاف يرجع إلى الاختلاف في القراءة.

ومثالُهُ أيضًا: الاختلافُ الواردُ عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما في قولِهِ تعالى: ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء: 43] هلْ هو الجماعُ، أو اللمسُ باليدِ؟ فقد روى ابنُ جريرٍ رحمه الله عنِ ابنِ عباسٍ: «أنهُ الجماعُ»[9]، وروى عنْ غيرِهِ أنهُ اللمسُ باليدِ[10]، فمنْ قرأَ: (لامستم) قالَ: إنَّهُ الجماعُ، ومنْ قرأَ: (لمستم)[11] قالَ: إنَّه اللمسُ باليدِ.

ثانيًا: [الاختلاف في وجوه الإعراب]

ومنْ أسبابِ اختلافِ المفسرِين: الاختلافُ في وجوهِ الإعرابِ، ولا شكَّ أنَّ للإعرابِ تأثيرَهُ في المعنى، فليسَ بينَ الفاعلِ والمفعولِ به مثلًا إلَّا الضبطُ بالشكلِ، ويكفرُ من لَحَن مُتعمدًا في قولِهِ تعالى: ﴿ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ۚ [سورة التوبة، الآية:3] لو قرأَهَا بكسرِ اللامِ منْ (رسوله)، وكذا قولُهُ تعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ [سورة الحشر، الآية:24] لو قرأها بفتحِ الواوِ من (المصور)، وها أنت ترى أنه ليس بين الكفر والإيمان إلا حركةٌ واحدةٌ، كلُّ هذَا يدلُّ على ما للإعرابِ من تأثيرٍ في المعانِي.

ومثالُ الاختلافِ في الإعرابِ، اختلافُهُم في قولِهِ تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [سورة آل عمران، الآية:7]، فقدِ اختلفُوا في (والراسخونَ) فقيلَ: عطفُ نَسَقٍ على اسمِ اللهِ D.

وقيلَ: هم مرفوعون بالابتداءِ، والخبرُ في قولِه تعالى: ﴿ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [12].

ثالثًا: [احتمال اللفظ أكثر من معنى]

وقدْ يكونُ سببُهُ الاختلافَ في المرادِ باللفظِ؛ لاحتمالِهِ أكثرَ من معنًى:

إما بسببِ الاشتراكِ اللغويِّ، بمعنى أنَّ الكلمةَ بحكمِ وضعِها لغةً تُسْتَعْمَلُ لمعنيين مختلفين، فيُفسرُها أحدُ العلماءِ بأحدِ المعنيينِ، ويُفسرُها آخرُ بالمعنى الثانِي، وكلا التفسيرين جائزٌ وصحيحٌ، ما لم يَقُمْ دليلٌ على أحدِ المعنيينِ، كلفظِ: (قسورة) الذي يُطْلَقُ على (الرامي) وعلى (الأسد)، ولفظِ: (عسعس) الذي يُرادُ به إقبالُ الليلِ وإدبارُه، ولفظُ (الجون) يُطْلَقُ على الأسودِ وعلى الأبيضِ، ولفظُ (النكاح) يُطْلَقُ على العَقدِ، ويُطْلَقُ على الوطءِ، ولفظُ (القَرْءِ) يُرادُ به الحيضُ، ويُرادُ به الطهرُ.

وكما يقعُ الاشتراكُ اللفظيُّ في الأسماءِ والأفعالِ، فإنهُ يقعُ في الحروفِ، كحرفِ (مِنْ) فإنهُ يأتي لابتداءِ الغايةِ كقولِهِ تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الآية [الإسراء: 1]، وللتبعيضِ كقولِه تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ [آل عمران: 92]، وللسببيةِ كقوله تعالى: ﴿ مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا [نوح: 25]، وللجنس كقوله D: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ [الحج: 30].

ولمَّا استعملَ القرآنُ الكريمُ هذه الألفاظَ المشتركةَ ونحوَها، كانتْ سببًا لاختلافِ العلماءِ في التفسيرِ.

وإمَّا لكونِهِ متواطئًا في الأصلِ، لكنَّ المرادَ به أحدُ النوعينِ أو أحدُ الشخصينِ، كالضمائرِ في قولِه تعالى: ﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ٨ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ ٩ [النجم: 9]، وكأسماءِ الجنسِ مثل: ﴿ وَالْفَجْرِ و ﴿ وَلَيَالٍ عَشْرٍ و ﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: 13] وما أشبهَ ذلكَ، فمثلُ هذا قدْ يجوزُ أنْ يُرادَ به كُلُّ المعانِي التي قالها السلفُ، وقد لا يجوزُ ذلكَ[13].

رابعًا: [الاختلاف في المطلق والمقيد]

ومنْ أسبابِ الاختلافِ: احتمالُ الإطلاقِ والتقييدِ في الآيةِ:

والمُطلقُ هو: ما دَلَّ على الماهيةِ بلا قيدٍ[14].

والمُقَيَّدُ هو: ما دَلَّ على الماهيةِ بقيدٍ.

كالدمِ المقيدِ بالسفحِ في قولِه تعالَى: ﴿ أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام: 145].

ومنَ المعلومِ أنَّهُ يجبُ حَمْلُ المُطلقِ على المُقَيَّدِ إذا وُجِدَ دليلٌ يقتضي التقييدَ، ويقعُ الخلافُ بينَ السلفِ في هذا الدليلِ، فتراه طائفةٌ فيحملون المُطلقَ على المُقيدِ، ولا تراهُ أخرى فيُبقُونَ المُطلقَ على إطلاقِهِ والمقيدَ على تقييدِهِ.

ومثالُ ذلكَ: عتقُ الرقبةِ في الكفاراتِ، فقد وردتْ مُقَيَّدَةً في كفارةِ القتلِ الخطإِ بالرقبةِ (المؤمنةِ) قالَ تعالَى: ﴿ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء: 92]، ووردتْ مُطلقةً في كفارةِ الظهارِ، قالَ تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ۚ [المجادلة: 3]، ووردتْ مُطلقةً أيضًا في كفارةِ اليمينِ، قالَ تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ [المائدة: 89]، فالرقبةُ في كفارةِ الظهارِ واليمينِ مُطلقةٌ تشملُ المؤمنةَ والكافرةَ، وفي كفارةِ القتلِ الخطإِ مُقيدةٌ بالإيمانِ، فقالتْ طائفةٌ بحملِ المطلقِ على المقيدِ، فلا تجزئُ عندهم الرقبةُ الكافرةُ في الظهارِ واليمينِ، بل لا بدَّ منْ رقبةٍ مؤمنةٍ كما هي في كفارةِ القتلِ الخطإِ.

وقالتْ طائفةٌ أخرَى: لا يُحملُ المُطلقُ على المُقيَّدِ إلا بدليلٍ، ولا دليلَ هنا، فيبقَى المطلقُ على إطلاقِهِ، فيجوزُ عتقُ الرقبةِ الكافرةِ فِي كفَّارةِ الظهارِ واليمينِ.

خامسًا: [الاختلاف في العموم والخصوص]

ومنْ أسبابِ الاختلافِ: العمومُ والخصوصُ.

والعامُّ: هو اللفظُ الواحدُ الدالُّ على مُسَمَّيينِ فأكثر في وقتٍ واحد[15]، ومثالُه: قولُه تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة: 38] فلفظُ السارقِ وكذَا السارقةُ عامٌّ يشملُ كُلَّ مَنْ سَرَقَ أوْ سَرقَتْ منْ غيرِ حصرٍ في عددٍ مُعينٍ ومنْ غيرِ تخصيصٍ.

والفرقُ بينَ العمومِ والاشتراكِ اللفظيِّ أنَّ المشتركَ لفظٌ واحدٌ يُطْلَقُ على مُسمَّيينِ فأكثر، إلا أنَّه ليس في وقتٍ واحدٍ، فالعينُ تُطْلَقُ على الباصرةِ والحسدِ وعينِ الماءِ، لكن هذا الإطلاق ليسَ في وقتٍ واحدٍ، فإمَّا يُرادُ بها هذا أو ذاك، أمَّا السارقُ فيطلقُ على أكثرِ من واحدٍ في وقتٍ واحدٍ.

والخاصُّ: هو اللفظُ الواحدُ الدالُّ على مفردٍ معينٍ، ومثالُهُ: لفظُ (المائة) في قولِهِ تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ [النور: 2]، ولفظُ الثمانين في قولِه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النور: 4].

فهذه الأعدادُ تدلُّ على العددِ المعينِ الذي وُضِعَتْ لهُ، لا يشتركُ معها فيه معنًى آخرُ.

ومن أمثلتِهِ أيضًا: الركوعُ والسجودُ المشار إليهما في قوله تعالى: ﴿ ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [سورة الحج، الآية:77]، فإنَّ دلالةَ اللفظِ عليهما قطعيةٌ لا يَحْتَمِل معنًى آخرَ غير المعنَى المرادِ.

وقدْ يُستعملُ اللفظُ العامُّ محلَّ الخاصِّ حسبَ ما يقتضِيهِ الحالُ، كقولِهِ تعالَى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: 173]، فالناسُ الأولى عامَّةٌ، والمرادُ بها خاصٌّ وهو نُعيمُ بنُ مسعودٍ، والناسُ الثانيةُ عامةٌ، لكن المراد بها أبُو سفيانَ وأصحابُهُ.

والعمومُ والخصوصُ من أسبابِ الاختلافِ بين المفسرين، فقدْ يختلفون في عمومِ لفظٍ أو خصوصِهِ، كاختلافِهم في عمومِ أوْ خصوصِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ [البقرة: 221]، فقيلَ: إنَّ لفظَ المشركاتِ عامٌّ يشملُ الوثنياتِ والكتابياتِ، وقيلَ: خاصٌّ بالوثنياتِ، وعلى القولِ الأولِ فإنَّ قولَهُ تعالَى: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [المائدة: 5] مخصصٌ لهذه الآيةِ، وعندَ الآخرين غيرُ مخصصٍ؛ لأنَّه لا يشملُ الكتابياتِ أصلًا.

سادسًا: [الاختلاف في الحقيقة والمجاز]

ومنْ أسبابِ اختلافِ المفسرين: الحقيقةُ والمجازُ:

والحقيقةُ هي اللفظُ المستعملُ فيما وُضِعَ لَه[16].

والمجازُ هو اللفظُ المستعملُ في غيرِ ما وُضِعَ له، على وجهٍ يصحُّ معَ قرينةٍ دالةٍ على عدمِ إرادةِ المعنى الأصليِّ[17].

وقدْ وقعَ اختلافٌ بينَ العلماءِ في وقوعِ المجازِ، فقالتْ بوقوعِه طائفةٌ، وأنكرتْه أخرى.

ومثالُه: اختلافُ العلماءِ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ [النجم: 43] فقد قالَ الحسنُ والكلبيُّ في تفسيرِها: (أضحكَ أهلَ الجنةِ في الجنةِ، وأبكى أهلَ النارِ في النارِ).

وقالَ سهلُ بنُ عبدِ اللهِ: (أضحكَ المطيعينَ بالرحمةِ، وأبكى العاصين بالسخطِ)[18].

وهذا التأويلُ وذاك بالمعنى الحقيقيِّ للضحكِ والبكاءِ.

وقال الضحاكُ: (أضحكَ الأرضَ بالنباتِ، وأبكى السماءَ بالمطرِ)[19]، وهذا تأويلٌ بالمعنى المجازيِّ.

ومنه -أيضًا- فهمُ ذلكَ الصحابيِّ للخيطِ في قولِه تعالى: ﴿ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [سورة البقرة، الآية:187] بمعناه الحقيقيِّ، حيثُ وضعَ عندَ رأسِهِ عقالين: أحدهما أبيض، والآخر أسود، حتَّى بين له الرسولُ أنَّ المرادَ بهما بياضُ النهارِ وسوادُ الليلِ.

ومنها ما وردَ في صحيحِ البخاريِّ في تفسيرِ قولِهِ تعالى في وصفِ امرأةِ أبِي لهبٍ: ﴿ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [المسد: 4]، حيث روي عن مجاهدٍ قولُهُ: (حمالةَ الحطبِ: تمشِي بالنميمةِ)[20].

وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: (حمالة الخطايَا والذنوبِ)[21].

وهذان على المعنى المجازيِّ.

وفسرَه بعضُهم بالمعنى الحقيقيِّ لحملِ الحطبِ، فقيلَ: في النارِ، وقيلَ: إنَّها كانتْ تحملُ الغضَى والشوكَ فتطرحُه في الليلِ على طريقِ النبيِّ ، كذا قالَ ابنُ زيدٍ والضحاكُ والربيعُ بنُ أنسٍ ومرةُ الهمدانيُّ[22].

سابعًا: [الاختلاف في المضمر والظاهر]

ومنْ أسبابِ اختلافِ المفسرينَ: الإضمارُ والإظهارُ:

وبيانُ ذلكَ أنَّ المرادَ قد يكونُ ظاهرًا، لا لبْسَ فيه، ولا اختلافَ، كقولِهِ تعالَى: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف: 143]، فإنَّ فاعلَ المجيءِ ظاهرٌ لا لبسَ فيه، وكذا فاعلُ التكليمِ.

ويختلفُ المفسرونَ أحيانًا في مرجعِ الضميرِ إذا كانَ الفاعلُ مضمرًا، نحو قولِهِ تعالى: ﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ٨ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ ٩ [النجم: 9]، فقيلَ: هو جبريلُ عليه السلام، وهو قولُ أمِّ المؤمنينَ عائشةَ وابنِ مسعودٍ وأبي ذرٍّ وأبي هريرةَ رضي الله عنهم.

وقيل: دنا الربُّ من محمدٍ ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ وأنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنهم[23].

ثامنًا: [الاختلاف في النسخ والإحكام]

ومنْ أسبابِ اختلافِ المفسرين: النسخُ والإحكامُ:

ومنْ أمثلةِ الاختلافِ في القولِ بالنسخِ: اختلافُهم في قولِه تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ [البقرة: 115].

فقد روى جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رضي الله عنه ما يدلُّ على أنَّها مُحكمةٌ، وأنَّ المرادَ أنها نزلتْ في اشتباهِ القبلةِ[24].

وروى ابنُ عمرَ رضي الله عنهما ما يدلُّ على أنَّها محكمةٌ، وأنَّ المرادَ بها صلاةُ التطوعِ[25].

وعلى كلا القولينِ فإنَّها محكمةٌ غير منسوخةٍ، وهو -أيضًا- قولُ سعيدِ بنِ المسيَّبِ وعطاء والشعبيِّ والنخعيِّ[26].

ورُويَ عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنَّها منسوخةٌ؛ فقدْ روى عطاءٌ عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قالَ: «أولُ ما نُسِخ منَ القرآنِ -فيما ذُكِرَ لنا واللهُ أعلمُ- شأنُ القِبلَةِ: قالَ: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ [البقرة: 115] فاستقبلَ رسولُ اللهِ ، فصلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ، وتركَ البيتَ العتيقَ، ثمَّ صرفَهُ اللهُ إلى البيتِ العتيقِ، فقالَ: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ [البقرة: 142]، يعنون بيتَ المقدسِ، فنسخَها، وصُرِفَ إلى البيتِ العتيقِ، فقالَ: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ [البقرة: 144]».

تاسعًا: [الاختلاف في الرواية عن النبي ﷺ]

ومنْ أسبابِ اختلافِ المفسرين في تفسيرِ الآيةِ؛ الاختلافُ في الرِّوايةِ عنِ الرسولِ ، فقدْ يبلغُ أحَدَهم حديثُ الرسولِ ، ولا يبلغُ الآخرَ، فيختلفُ تفسيرُ كلِّ مُفسِّرٍ عنِ الآخرِ.

ومثالُه في قولِه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ [البقرة: 234]، وقوله تعالى: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ [الطلاق: 4]، فقدِ استندَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ وعبدُ اللهِ بنُ عباسٍ رضي الله عنهم إلى هاتين الآيتينِ في أنَّ المرأةَ التي تُوفِّيَ عنها زوجُها تَعْتَدُّ بأبْعَدِ الأجلينِ.

أما ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه فقدْ قالَ: «من شاءَ قاسمْتُه باللهِ أنَّ هذه الآيةَ أُنْزِلَتْ فِي سورةِ النساءِ القُصرى[27]، نزلتْ بعدَ الأربعةِ الأشهرِ، ثم قالَ: أجلُ الحاملِ أنْ تَضَعَ ما في بطنِهَا»[28].

ويشهدُ لابنِ مسعودٍ رضي الله عنه حديثُ سُبَيْعةَ الأسلميةِ، فقد تُوفِّيَ عنها زوجُها في حجةِ الوداعِ وهي حاملٌ، فلم تَنْشَبْ أن وضعتْ حملَها بعدَ وفاتِهِ، فلما تَعَلَّت من نِفَاسِها تَجَمَّلت للخُطَّابِ، فدخلَ عليها أبو السنابلِ بنُ بَعْكَكٍ، فقالَ لها: «ما لي أراك مُتَجمِّلةً؟ لعلكِ ترجينَ النكاحَ، إنَّكِ واللهِ ما أنتِ بناكحٍ حتَّى تَمُـرَّ عليكِ أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ».

قالت سُبيعة: «فلمَّا قال لي ذلك جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيتُ، فأتيتُ رسولَ اللهِ فسألْتُه عنْ ذلكَ؟ فأفتانِي بأنِّي قد حَلَلتُ حينَ وضعْتُ حَمْلِي وأمرَني بالتزوجِ إنْ بَدَا لِي»[29].

وقد رجعَ عليٌّ وابنُ عباسٍ رضي الله عنهم عن قولِهِمَا بعدَ أنْ بلغَهُما حديثُ سُبيعةَ، فقدْ روى مسلمٌ: أنَّ أبا سَلَمةَ بنَ عبدِ الرحمنِ وابنَ عباسٍ اجتمَعَا عندَ أبي هريرةَ، وهمَا يذكرانِ المرأةَ تَنْفَسُ بعد وفاةِ زوجِهَا بليالٍ، فقالَ ابنُ عباسٍ: عدَّتُها آخرُ الأجلينِ، وقالَ أبو سلمةَ: قد حَلَّتْ، فجعلَا يتنازعانِ ذلكَ، قالَ: فقالَ أبُو هريرةَ: أنا مع ابنِ أخي (يعنِي: أبا سلمةَ) فبعثُوا كُريْبًا (مولى ابنِ عباسٍ) إلى أمِّ سَلَمةَ يسألُهَا عن ذلك، فجاءَهُم، فأخبرَهُم أنَّ أمَّ سلمةَ قالتْ: «إنَّ سبيعةَ الأسلميةَ نفسَتْ بعدَ وفاةِ زوجِهَا بليالٍ، وأنَّها ذكرتْ ذلك لرسولِ اللهِ فأمرَها أنْ تتزوجَ»[30].

تلكم أهمُّ أسبابِ اختلافِ المفسرينَ في التفسيرِ، وهناك أسبابٌ أخرى غيرُها، ويكفِينا منْهَا ما ذكرْنَا، واللهُ أعلمُ.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة