يقومُ منهجُ الصحابةِ رضي الله عنهم في التفسيرِ على ثلاثةِ أسسٍ:
الأول: تفسيرُ القرآنِ بالقرآنِ:
فإنَّ منْ آياتِ القرآنِ ما جاءَ مجملًا في موضعٍ، وجاءَ في موضعٍ آخرَ مبينًا، ومنه ما فيه إيجازٌ، وما فيه إطنابٌ، ومنه ما فيه عمومٌ، وما فيه خصوصٌ، وما فيه إطلاقٌ، وما فيه تقييدٌ، ومثل هذا يُفَسَّرُ بعضُه ببعضٍ.
فقصصُ القرآنِ مثلًا جاءت في بعضِ المواضعِ موجزةً، وجاءت القصةُ نفسُها في موضعٍ آخرَ مُفصَّلةً، كقصةِ آدمَ وإبليسَ، وقصةِ موسى عليه السلام مع فرعونَ.
وهذا النوعُ هو أحسنُ طرقِ التفسيرِ كما قالَ ابنُ تيميةَ رحمه الله[1].
الثَّاني: تفسيرُ القرآنِ بأقوالِ الرسولِ ﷺ:
وإنْ لم يجدِ الصحابةُ رضي الله عنهم تفسيرَ الآيةِ في القرآنِ، رجعوا إلى الرسولِ ﷺ فسألُوه عنها، فبيَّنها لهم؛ لقولِهِ تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 44].
وقدْ أفردَتْ كتبُ السنةِ بابًا للتفسيرِ بالمأثورِ، ذكرتْ فيه كثيرًا من التفسيرِ النبويِّ للقرآنِ الكريمِ.
والأمثلةُ على أسئلةِ الصحابةِ رضي الله عنهم للرسولِ ﷺ في التفسيرِ كثيرةٌ، منها ما رواه أحمدُ والشيخان وغيرُهم، عنِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: لمَّا نزلتْ هذه الآيةُ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام: 82] شَقَّ ذلك على النَّاسِ، وقالُوا: يا رسولَ اللهِ! فأيُّنا لا يظلمُ نفسَهُ؟ قال: «إنَّه ليس الذي تعنُونَ؛ ألم تسمعُوا ما قالَ العبدُ الصالحُ: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]، إنَّما هو الشركُ»[2].
وروى الترمذيُّ عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّه قالَ: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عنْ يومِ الحجِّ الأكبرِ، فقالَ: «يومُ النَّحْرِ»[3].
وما أخرجَهُ أحمدُ[4] والشيخانِ[5]، عن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «من نُوقِشَ الحسابَ عُذِّب» قلتُ: أليس يقولُ اللهُ: ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾ [الانشقاق: 8] قال: «ليس ذلك بالحسابِ، ولكن ذلك العرضُ».
وغيرُ ذلك كثيرٌ في تفسيرِ الرسولِ ﷺ للقرآنِ، بل كانَ كثيرٌ من تفسيرِه ﷺ ابتداءً من غيرِ سؤالٍ، كما روى مسلمٌ[6] عن عُقْبَةَ بنِ عامرٍ رضي الله عنه، قالَ: سمعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ، وهو على المنبرِ: « ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ [الأنفال: 60] ألا وإنَّ القوةَ الرَّميُ».
وما أخرجَه أحمدُ[7] ومسلمٌ[8]، عنْ أنسٍ رضي الله عنه أنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «الكوثرُ نهرٌ أعطانِيهِ اللهُ D في الجنةِ».
الثالثُ: الاجتهادُ والاستنباطُ:
فإنْ لم يجدِ الصحابةُ رضي الله عنهم التفسيرَ في القرآنِ، ولا في سنةِ رسول الله ﷺ، اجتهدوا؛ لأنهم عربٌ خُلَّصٌ شاهدُوا التنزيلَ، وحضروا مجالسَ الرسولِ ﷺ، والقرآنُ نزل بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، وهذا فيما يحتاجُ إلى اجتهادٍ وإعمالِ ذهنٍ، وقد توافرَتْ عندهم أدواتُ الاجتهادِ، فهم[9]:
أولًا: يعرفون أوضاعَ اللغةِ العربيةِ وأسرارَها، وهذا يعينُهم على معرفةِ الآياتِ التي يتوقفُ فهمُها على فهمِ اللغةِ العربيةِ.
ثانيًا: يعرفون عاداتِ العربِ وأخلاقَهم، وهذا يُعينُ على فهمِ ما يتعلقُ بإصلاحِ عاداتِهم وتهذيبِ سلوكِهم من الآياتِ، كقولِه تعالى: ﴿ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ ﴾ [التوبة: 37]، وقوله: ﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا ﴾ [البقرة: 189]، ومثل هذا يَفهمُ المرادَ منه من كان يعرفُ عاداتِ العربِ في الجاهليةِ.
ثالثًا: معرفتُهم بأحوالِ اليهودِ والنصارى في جزيرةِ العربِ وقتَ نزولِ القرآنِ الكريمِ، وهذا يُعينُهم على معرفةِ الآياتِ التي تتحدثُ عنِ اليهودِ والنَّصارى، وما يأتون من أمورٍ، وما يُدبرون للمسلمين.
رابعًا: معرفةُ أسبابِ النزولِ، فهمُ الذين شاهدوا التنزيلَ، وحضروا الأحداثَ والوقائعَ، ومعرفةُ ذلك تُعينُ على فهمِ كثيرٍ منَ الآياتِ؛ ولذلك قالَ ابنُ تيميةَ رحمه الله: (معرفةُ سببِ النزولِ يُعينُ على فهمِ الآيةِ، فإنَّ العلمَ بالسببِ يورثُ العلمَ بالمُسَبَّبِ)[10].
خامسًا: قوةُ الفهمِ والإدراكِ، فقد آتاهم اللهُ عقلًا وفهمًا جَلَوا به كثيرًا من الأمورِ، وهذا أمرٌ معلومٌ من سيرتِهم رضي الله عنهم.
وبهذه الأمورِ فَهِمَ الصَّحابةُ كثيرًا من آياتِ القرآنِ الكريمِ التي لم يَرِدْ تفسيرُها في الكتابِ، ولا في السنةِ.
وهم يتفاوتون في معرفةِ معانِي القرآنِ حسبَ تفاوتِ مداركِهم وتحصيلِهم، وحسبَ تفاوتِ قدراتِهم العقليةِ؛ ولذا يقعُ بينهم اختلافٌ في التفسيرِ، كما سيأتي بيانُه إن شاءَ اللهُ تعالى.
واشتهرَ عددٌ من الصحابةِ بالتفسيرِ، هم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعودٍ وعبد الله بن عباسٍ وعبد الله بن الزُّبيْرِ بن العوامِ، وأُبيُّ بن كعبٍ، وزيدُ بن ثابتٍ، وأبو موسى الأشعريُّ، وعائشةُ رضي الله عنهم أجمعين، وهؤلاء هم الذين اشتهروا بالتفسيرِ، وهناك عددٌ آخرُ من الصحابةِ نُقِلَ عنهم في التفسيرِ نقلًا قليلًا لم يصلْ بهم إلى درجةِ الشهرةِ، ومنهم: أنسٌ وأبو هريرةَ وابن عمرَ وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم.
[أكثر الصحابة رواية في التفسير]
أمَّا أكثرُ الصحابةِ رضي الله عنهم روايةً في التفسيرِ فأربعةٌ، همْ:
1- عليُّ بنُ أبي طالبٍ.
2- عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ.
3- عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ.
4- أُبيُّ بنُ كعبٍ.
أمَّا عليٌّ رضي الله عنه فيرجعُ السَّببُ في ذلك إلى سعةِ علمِه، وتفرغِه عن مَهَامِّ الخلافةِ مدةَ أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنه، وتأخرِ وفاتِهِ إلى زمنٍ كثرتْ حاجةُ الناسِ فيه إلى مَنْ يُفَسِّرُ لهم القرآنَ؛ لاتساعِ رقعةِ الإسلامِ، وكثرةِ الداخلين فيهِ.
أمَّا الثلاثةُ الباقونَ فلأنَّهم أنشأوا ما نستطيعُ أن نسميَهُ بالمصطلحِ الحديثِ: مدارسَ للتفسيرِ، وهيَ:
[أبرز مدارس الصحابة في التفسير]
1- مدرسةُ ابنِ مسعودٍ في الكوفةِ:
وابنُ مسعودٍ رضي الله عنه سادسُ رجلٍ دخلَ في الإسلامِ، وأولُ من جهرَ بالقرآنِ في مكةَ بعدَ الرسولِ ﷺ، وكان خادمًا لرسولِ اللهِ ﷺ، وصاحبَ طَهورِه وسواكِه ونعلِه، ويمشي أمامَه إذا سارَ، ويسترُه إذا اغتسلَ، ويوقظُه إذا نامَ، قرأَ القرآنَ على الرسولِ ﷺ حتى فاضتْ عيناه، وكانَ الرسولُ ﷺ يقولُ: «منْ سرَّه أنْ يقرأَ القرآنَ غضًّا كما أُنْزِلَ، فيقرأْهُ على قراءةِ ابنِ أمِّ عبدٍ»[11].
بعثَه عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه إلى الكوفةِ ليُعلِّمَ أهلَها، وقالَ: «لقدْ آثرْتُ أهلَ الكوفةِ بابن أمِّ عبدٍ على نفسي؛ إنَّه من أطولِنا فَوْقًا؛ كَنِيفٌ[12] مُلِئَ عِلْمًا»[13].
ولمَّا قدمَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه الكوفةَ، قال له أهلُ الكوفةِ: مَا رأينَا رجلًا أحسنَ خُلُقًا، ولا أرفقَ تعليمًا، ولا أحسنَ مجالسةً، ولا أشدَّ ورعًا من ابنِ مسعودٍ! فقال عليٌّ: «نشدتكم اللهَ، إنه لصِدْقٌ من قلوبِكم؟» قالوا: نعم، فقالَ: «اللهمَّ إنِّي أشهدُك، اللهمَّ إني أقولُ فيه مثلَ ما قالوا، أوْ أفضلَ»[14].
وقالَ ابنُ مسعودٍ عن نفسِهِ: «والذي لا إلهَ غيرُهُ، ما نزلتْ آيةٌ منْ كتابِ اللهِ إلَّا وأنا أعلمُ فيمن نزلَتْ، وأين نزلَتْ، ولو أعلمُ مكانَ أحدٍ أعلم بكتابِ اللهِ مني تنالُهُ المطايا، لأتيْتُه»[15].
تُوفِّي رضي الله عنه سنةَ (32هـ).
ومنْ أشهرِ تلاميذِهِ: مسروقُ بنُ الأجدعِ، وعلقمةُ بنُ قيس النخعيُّ، والأسودُ بن يزيدَ، وقتادةُ بنُ دعامةَ السدوسيُّ، وأبو عبد الرحمن السلميُّ، وعمرُو بنُ شرحبيل، وغيرُهم.
2- مدرسةُ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما في مكةَ:
وابنُ عباسٍ هو ابنُ عمِّ الرسولِ ﷺ، وُلِدَ قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنينَ، وأمُّه لُبابةُ الكبرى بنتُ الحارثِ، وخالتُه ميمونةُ بنتُ الحارثِ زوجةُ الرسولِ ﷺ وأمُّ المؤمنين.
قال عنه ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: «نِعْمَ تُرْجُمَانُ القرآنِ ابنُ عباسٍ»[16]، وقال ابنُ عمرَ رضي الله عنهما: «ابنُ عباسٍ أعلمُ من بقيَ بما أنزلَ اللهُ على محمدٍ»[17].
دعا له الرسولُ ﷺ، فقالَ: «اللهمَّ فقِّهْه في الدينِ، وعلِّمْه التأويلَ»[18].
وقيل لطاوس: لزمْتَ هذا الغلامَ -يعني: ابنَ عباسٍ- وتركْتَ الأكابرَ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ!! قال: «إنِّي رأيتُ سبعين رجلًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ إذا تدارءُوا في أمرٍ، صاروا إلى قولِ ابنِ عباسٍ»[19].
وتوفي رضي الله عنه سنة (68هـ).
ولمكانةِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما في التفسيرِ ومنزلتِه الكبيرةِ، فقد كثرَ الوضعُ عليه في هذا البابِ.
ومنْ أشهرِ تلاميذِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنه: مجاهدُ بنُ جبرٍ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وطاوسُ بنُ كيسانَ، وعطاءُ بنُ أبي رباحٍ، وعكرمةُ مولَى ابنِ عباسٍ.
3- مدرسةُ أُبيِّ بنِ كعبٍ رضي الله عنه في المدينةِ:
وهو منَ الخزرجِ منَ الأنصارِ، شهدَ العقبةَ وبدرًا، وأولُ من كتبَ للرسولِ ﷺ بعدَ قدومِهِ للمدينةِ، وكان سَيِّدَ القُرَّاءِ، وأحدَ كُتَّابِ الوحيِ، قالَ عنه الرسولُ ﷺ: «أقرؤُهُم لكتابِ اللهِ أُبيُّ بنُ كعبٍ»[20].
وروى أنسُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قال لأُبيِّ بن كعبٍ: «إنَّ الله أمرني أن أقرأَ عليكَ: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ » قال: وسمَّاني لك؟ قال: «نعمْ»؛ فبكَى[21].
تُوفِّيَ رضي الله عنه في خلافةِ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه.
وروى عنه أبو العاليةِ الرياحيُّ نسخةً كبيرةً في التفسيرِ، أخرج منها ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ كثيرًا، وأخرجَ منها الحاكمُ في المستدركِ والإمامُ أحمدُ في مسندِهِ[22].
ومن أشهرِ تلاميذِهِ: أبو العاليةِ الرياحيُّ، وزيدُ بنُ أسلمَ، ومحمدُ بنُ كعبٍ القرظيُّ، وابنه الطُّفَيْلُ بنُ أُبيِّ بنِ كعبٍ.
تفسيرُ الصحابيِّ ينقسمُ إلى قسمينِ:
1- إذا كانَ ممَّا ليسَ للرأيِ فيه مجالٌ كالأمورِ الغيبيةِ، وأسبابِ النزولِ ونحوِهَا، فلهُ حُكْمُ المرفوعِ يجبُ الأخذُ بهِ.
2- وإذا كانَ غيرَ ذلكَ مما يرجعُ إلى اجتهادِ الصحابيِّ، فهو موقوفٌ عليهِ، ما دامَ لم يسندْهُ إلى الرسولِ ﷺ، وأوجبَ بعضُ العلماءِ الأخذَ بموقوفِ الصحابيِّ؛ لما شاهدوه من القرائنِ والأحوالِ التي اختصُّوا بها، وليستْ لغيرِهم[23].
قالَ ابنُ تيميةَ رحمه الله: (وحينئذٍ إذا لم تجدِ التفسيرَ في القرآنِ، ولا في السنةِ، رجعتَ في ذلك إلى أقوالِ الصحابةِ، فإنَّهم أدْرَى بذلك؛ لمَا شاهدُوه من القرآنِ، والأحوال التي اختصُّوا بها، ولما لهم من الفهمِ التامِّ والعلمِ الصحيحِ، لا سيَّما علماؤُهم وكبراؤُهم)[24].
وقال الزركشيُّ رحمه الله وهو يعدُّ أمهاتِ مآخذِ التفسيرِ: (الثَّانِي: الأخذُ بقولِ الصحابيِّ، فإنَّ تفسيرَهم عندهم بمنزلةِ المرفوعِ إلى النبيِّ ﷺ كما قاله الحاكمُ فِي تفسيرِهِ)[25].
وقالَ في موضعٍ آخرَ: (ينظر في تفسيرِ الصحابيِّ، فإن فَسَّره من حيثُ اللغةِ فهمْ أهلُ اللسانِ، فلا شكَّ في اعتمادِهِم، وإنْ فسَّرَه بما شاهدَهُ من الأسبابِ والقرائنِ، فلا شكَّ فيهِ)[26].
المرحلةُ الثالثةُ: التفسيرُ في عهدِ التابعينَ رحمَهم اللهُ تعالى:
لم يكن ثمةَ فارقٌ كبيرٌ بينَ منهجِ الصحابةِ رضي الله عنهم ومنهجِ التابعينَ، فقد تَلَقَّى التابعون تفسيرَهم من الصحابةِ رضي الله عنهم كما أسلفْنَا.
وكان التابعون يَتَحرَّجون من التفسيرِ كما تَحَرَّج الصحابةُ رضي الله عنهم، فهذا سعيدُ بنُ المسيَّبِ رحمه الله كان إذا سُئلَ عن تفسيرِ آيةٍ من القرآنِ، سكتَ كأنْ لم يسمعْ[27].
وهذا الشعبيُّ يقولُ: «واللهِ ما منْ آيةٍ إلَّا وقد سأَلْتُ عنها، ولكنَّها الروايةُ عنِ اللهِ»[28].
وهذا القولُ منهم رحمهم الله تعالى محمولٌ على تحرُّجِهم عن الكلامِ في التفسيرِ بما لا عِلْمَ لهم بهِ، فأمَّا من تَكَلَّمَ بما يعلمُ من ذلك لغةً وشرعًا، فلا حرجَ عليهِ[29].