حجم الخط:

محتوى الدرس (2)

الوحدة الأولى: مدخل إلى علوم الحديث

مبادئ علوم الحديث

مبادئ ومقدمات علوم الحديث:

أولا: تعريف علوم الحديث:

تطلق (علوم الحديث) ويراد بها: مجموع العلوم والفنون المتصلة بـ: نقل الحديث، ودراسته دراسة شاملة؛ من حيث السند والمتن.

وبمراعاة هذا الإطلاق سمي (قسم الحديث وعلومه) في الجامعات الأكاديمية.

ثانيًا: تعريف مصطلح الحديث:

الاصطلاح في الأصل: ما اتفق عليه طائفة معينة؛ من اسم معين، أو رمز معين لشيء من الأشياء[1].

فلا يختص بالمحدثين؛ وإنما لكل أهل فن أن يتَّفِقُوا على تسمية أمر ما باسم بما، فإذا صار ذلك شائعًا بينهم =أصبح مصطلحًا لهم.

وإنما اشتهر هذا الوصف (المصطلح) عند المحدثين خاصة؛ لكثرت الاصطلاحات وتنوعها في كل باب من أبوابه.

ويُعرَّف علم (مصطلح الحديث) بأنه:

علمٌ بقوانين وقواعد يُعْرفُ بها أحوالُ السَّندِ والمَتْنِ؛ من حيثُ القَبُولِ أو الرَدِّ [2].

ثالثًا: أسماء مصطلح الحديث:

يدخل في جملة أسمائه: كل ما أفاد المعنى المذكور، وشاركه في الدلالة على المعنى المراد، ومن ذلك:

مصطلح الحديث علوم الحديث علم أصول الحديث - علم الرواية قوانين الرواية أصول الرواية علم الإسناد.

رابعًا: موضوعه:

الراوي والمروي.

خامسًا: ثمرته:

معرفة الصحيح والسقيم من الأخبار.

سادسًا: أهميته:

1- يُحتاج إليه في نقد الاستدلالات بالسنة.

2- هو الركن الأول في الحفاظ على الدِّين من التحريف والتبديل؛ من خلال التمييز بين ما صح نقله عن النبي ﷺ وما لم يصح.

3- حائط الدفاع المتين للأمة الإسلامية في حربها -التي لا تخمد- مع كل جاهل، أو معاند، أو طاعن في طرف من أطراف الشريعة الغراء.

سابعًا: نشأة علوم الحديث، ومراحل التأليف فيها، وأشهر المصنفات:

أصول هذا العلم الشريف موجودة في القرآن والسنة:

فمن القرآن قوله تعالى: ﱡ ﭐ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: 6] ، وقوله تعالى قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: 111].

ومن السنة: قوله ﷺ «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[3].

وقوله ﷺ «نَضَّـرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»[4].

ففي الآيتين الكريمتين دلالة ظاهرة وأمر صريح بالتثبت في نقل الأخبار.

والأمر بالتبليغ المأمور به في الحديث أمر بلازمه، وهو: سماع الحديث، وما يتلوه مِن ضبط وإتقان عند التحمل والأداء.

وقوله ﷺ : «وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ» فيه التنبيه على أن خبر الضعيف لا يلزم ردُّه في كل حال؛ فإن أخبار بني إسرائيل إن ورد في شرعنا ما يشهد لها صارت صدقًا، لا لذاتها بل بما احتف بها من قرائن.

وأما قوله: «وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ففيه إشارة إلى شَرْطَي العدالة والضبط؛ فالراوي مأمور بالصدق وتحري الدقة فيما ينقل وعدم الكذب، والناقد مأمور باختبار ذلك كله والتأكد منه.

وقد سار الأمر على ذلك في عهد النبوة وما تلاه من عصـر الصحابة Ȋ فيما يعرف بـ: (طور النشوء).

وقصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أبي موسى رضي الله عنه في (حادثة الاستئذان) أصل عظيم في باب المتابعات[5].

وكان الأمر في هذه المرحلة سَلِسًا غير مُقَعَّدٍ؛ فلم يكن الصحابة بحاجة إلى التحرِّي عن الواسطة بينهم وبين النبي ﷺ -ولا حتى ذكرها- ولكن مع الفتنة التي ابتليت بها الأمة في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وما تلاها من ظهور الفرق =برزت الحاجة إلى المزيد من التثبت في الأحاديث والتحقق من الرجال.

يقول ابن سيرين رحمه الله: (لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُم؛ فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ)[6].

وهكذا بدأ علم المصطلح ينمو شيئًا فشيئًا؛ بتقعيد قواعد من شأنها زيادة التثبت والتحري في الأخبار، مواكبًا لزيادة الحاجة إلى ذلك.

وقد مر تدوين مصطلح الحديث بمرحلتين أساسيتين:

المرحلة الأولى: المدونات في علوم الحديث قبل التدوين المستقل:

وفي هذه المرحلة كان التأليف مختصرًا وغير شامل؛ نظرًا لأن المصنِّفِين لم يقصدوا جمع قواعد مصطلح الحديث وأصول نقد السنة، وإنما هي منثورات في ثنايا الأسفار.

ومن أوائل من قام بذلك:

· الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه (الرسالة).

· الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة (الصحيح).

· الإمام أبو داود رحمه الله في (رسالته إلى أهل مكة).

· الإمام الترمذي رحمه الله في كتابه (العلل الصغير).

· الإمام ابن حبان رحمه الله في مقدمة كتبه: (الصحيح، المجروحين، الثقات).

المرحلة الثانية: التصنيف في مصطلح الحديث على وجه الاستقلال:

بداية هذه المرحلة:

وقد بدأت مع بداية القرن الرابع الهجري، وامتازت بتناول مباحث علوم الحديث كفن مستقل، ويمكن أن تُقَسَّم هذه المرحلة إلى ثلاثة أطوار:

الطور الأول: الجمع والتأليف والتقعيد:

ومما أُلِّف في هذه المرحلة:

· (المحدث الفاصل بين الراوي والسامع) لأبي محمد الرَّامَهُرْمُزِي (تـ:360هـ)، وقد حوى فوائد وعلومًا لم يُسبق إليها، ولكنه لم يَستوعب مباحث الفن.

· (معرفة علوم الحديث) للحاكم النيسابوري (تـ:405هـ) صاحب المستدرك، وقد حوى (52) اثنين وخمسين نوعًا في أصول الحديث، وهو من أمتع وأدق المؤلفات، ولكنه يحتاج إلى خبير يستخرج كنوزه.

· (المستخرج على أنواع علوم الحديث) لأبي نُعَيْم الأصبهاني (تـ:430هـ) وهو على كتاب (معرفة علوم الحديث) للحاكم، وعِداده في المفقودات.

· (الكفاية في علم الرواية) للخطيب البغدادي (تـ:463هـ).

· (الجامع لأخلاق الرَّاوي وآداب السامع) للخطيب البغدادي (تـ:463هـ).

· (الإلماع إلى معرفة أصول الرِّواية وتقييد السماع) للقاضي عياض (تـ:544هـ)، وهو من أجمع الكتب في باب «التحمل والأداء».

· (ما لا يسع المحدث جهله) للـمَيَّانِجيّ (تـ:580هـ)، وهو وريقات في كراس صغير.

والملاحظ على الكتب في هذه المرحلة:

أنها أُلِّفت على طريقة المتقدمين -أعني بالإسناد- فترى الإمام يضع بابًا يقدم له بمقدمة، ثم يورد من النصوص والنُّقول ما يوضح به مراد الباب، وربما جاء في الباب الواحد بأخبار متعارضة؛ لاختلاف الرأي في المسألة.

الطور الثاني: تهذيب علوم الاصطلاح:

والعمدة في ذلك هو كتاب: (علوم الحديث) لأبي عمرو عثمان بن الصلاح الشَّـهْـرَزُورِي (تـ:643هـ).

وقد حاول مؤلِّفُه أن يجمع ما سبقه ويهذبه ويرتبه، ويجعله على طريقة أنواع لعلوم الحديث، وقد اشتمل على (69) تسعة وستين نوعًا من علوم الحديث.

وقد اشتهر كتابه بعدة أسماء منها: (علوم الحديث)، (مقدمة ابن الصلاح)، (المقدمة)، (مدخل ابن الصلاح)، (كتاب ابن الصلاح).

ويُعدُّ كتاب ابن الصلاح من أهم ما كتب في علوم الحديث أثرًا، وأوسعها انتشارًا، وهو العمدة لعامة من جاء بعده؛ فلا تجد كتابًا في الشـرق ولا في الغرب إلا ومنه نقل، ومن فوائده اقتبس.

وقد عَظُم اهتمام المصنِّفين به في القديم والحديث؛ ما بين شارح، وناظم، ومختصـر، ومقتبس...[7].

الطور الثالث: التحرير (استقرار الاصطلاح):

وفي هذه المرحلة برزت كتب الحافظ ابن حجر رحمه الله (تـ:852هـ): (نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر)، وشرحه (نزهة النظر).

فقد رأى الحافظ أن كتاب ابن الصلاح يحتاج إلى إعادة ترتيب؛ فألف (النخبة) وشَرَحَهَا في (النزهة)، وقد راعى فيهما:

الابتكار والاختصار، ومراعاة الترابط في الترتيب، وتحرير كثير من معاني المصطلحات، وبيان الراجح في تعريفها بما يُمَيِّزُها عن غيرها، هذا مع الزيادة على أنواع الحديث التي وردت في كتاب ابن الصلاح[8]؛ حتى جاوز ما ورد في كتابه (100) مائة نوع من أنواع علوم الحديث[9].

وقد عظمت عناية العلماء به إلى يومنا هذا، وصار مرجعًا لأغلب من جاء بعده، ودارت جُلُّ التصانيف -إلى عصرنا- حول آراء الحافظ.

تعريف السنة:

السنة لغةً: الطريقة، أو المنهج، أو الهَدْي [10]، ومنه قول الله تبارك وتعالى: ﱡﭐ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ [الفتح:13].

ومنه الحديث: «من سَنَّ في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها»[11].

واصطلاحًا: كل ما أُثر عن الرسول ﷺ؛ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلقية أو خُلقية[12].

فيدخل في هذا معظم ما يذكر في سيرته ﷺ؛ كوقت ميلاده، ومكانه، وتحنثه في غار حراء، وغير ذلك مما يذكر قبل البعثة أو بعدها[13].

تعريف الحديث:

الحديث لغةً: يطلق على معان تدور على وجود الشـيء بعد عدمه[14]، ومن أشهر استعمالاته:

· الأمر الحادث الجديد؛ ومنه قوله ﷺ: «يَا عَائِشَةُ، لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ»[15].

· الأخبار؛ كما في قوله تعالى ﱡ ﭐ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ [سَبَأ: 19].

واصطلاحًا: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قولٍ، أو فعلٍ، أو تقريرٍ، أو صفةٍ خَلقية أو خُلقية[16]؛ وهو بذلك مرادف للسنة.

والمراد بالإقرار: ما فُعل بحضرته ﷺ فأقره، أو علم به فسكت عليه؛ لأنه لا يسكت على باطل، ولا يُقِرُّ إلا حقًا.

وهذا هو الذي استقر عليه الاصطلاح، وأما في عصور الرواية والنَّقد فكان مُسَمَّى الحديث يطلق على كل مَرْوِيّ؛ فيشمل ما أضيف إلى النبي ﷺ أو إلى الصحابة والتابعين، والسياق هو الذي يحدد المراد؛ كأن يقال: وهذه الأحاديث موقوفة على عثمان رضي الله عنه.

وعليه حُمل قول الإمام أحمد رحمه الله : (صَحَّ من الحديث سبعمائة ألف حديث، وهذا الفتى يعني: أبا زُرعة- قد حفظ ستمائة ألف حديث).

قال البيهقي رحمه الله: (وإنما أراد: ما صحَّ من حديث رسول الله ﷺ، وأقاويل الصحابة، وفتاوى من أخذ عنهم من التابعين)[17].

تعريف الخبر:

الخبر لغةً: النَّبَأ[18]، والجمع: أخبار؛ ومنه قوله تعالى ﱡﭐ مَنْ أَنْبَأَكَ هَٰذَا [التحريم:3].

واصطلاحًا: له ثلاثة استعمالات:

الأول: مرادفٌ للحديث؛ فيطلقان على ما أضيف إلى النبي ﷺ خاصة.

الثاني: مغايرٌ للحديث؛ فيختص الخبر بما أضيف إلى الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والحديث بما أضيف إلى النبي ﷺ.

الثالث: أعمُّ من الحديث؛ فيطلق الخبر على كل مَرْوِيّ، في حين يختص الحديث بما أضيف إلى النبي ﷺ[19].

تعريف الأثر:

الأثر لغةً: ما بقي من الشيء، واسم المفعول منه: مَأْثُور[20].

واصطلاحًا: يطلق ويراد به:

1- كلَّ مَرْوِيّ؛ فيدخل فيه ما أضيف إلى النبي ﷺ، والصحابة، ومن بعدهم[21].

2- ما أضيف إلى الصحابة والتابعين ومَن بعدهم فقط، وعلى هذا استقر الاصطلاح[22].

** للمزيد حول هذه المقدمات: انظر: شرح الحديث المقْتَفَى لأبي شامة (ص45-47)، إرشاد القاصد لابن الأكفاني (ص120)، النكت الوفية للبقاعي (1/63)، فتح الباقي لزكريا الأنصاري (1/92)، قواعد التحديث للقاسمي(ص75)، الوسيط في علوم ومصطلح الحديث لمحمد أبو شُهبة (ص23)، تحرير علوم الحديث للجديع (1/20)، علم الحديث بين الرواية والدراية لفتح الله بيانوني.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة