حجم الخط:

محتوى الدرس (5)

ثانيًا: الحديث المرفوع:

تعريفه

لغةً: اسم مفعول من (رفَعَ)، والرفعُ: ضد الوضع[1].

واصطلاحًا: ما أضيف إلى النبي ﷺ؛ مِن قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة، تصـريحًا أو حكمًا، متصل الإسناد أو غير متصل[2].

والمراد بالصِّفة: خصائصه البشرية مما لا كسب له فيه.

مناسبة التسمية: ارتفاع نسبته بإضافته إلى صاحب المقام الرفيع ﷺ.

أمثلته:

1- مثال القول: حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ ...»[3].

2- مثال الفعل: حديث أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ...»[4].

3- مثال التقرير: حديث خالد بن الوليد رضي الله عنه، قال: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِضَبٍّ مَشْوِيٍّ فَأَهْوَى إِلَيْهِ لِيَأْكُلَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ ضَبٌّ! فَأَمْسَكَ يَدَهُ، فَقَالَ خَالِدٌ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: «لاَ، وَلَكِنَّهُ لاَ يَكُونُ بِأَرْضِ قَوْمِي؛ فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» فَأَكَلَ خَالِدٌ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ[5].

4- مثال الصفة الخَلْقية: حديث البَرَاء رضي الله عنه، قال: «كان رسول الله ﷺ: أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا؛ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ البَائِنِ، وَلاَ بِالقَصِيرِ»[6].

5- مثال الصفة الخُلُقية: حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ»[7].

ولا يُشترط لإطلاق الرفع على الحديث أن يكون المصرِّح بالرفع هو الصحابي؛ بل يدخل فيه أيضًا التابعي، أو من دونه من الرُّواة، وعندها يكون الحديث مرسلًا غير متصل[8] .

قال الحافظ رحمه الله: (وهو الحق؛ فإن الرَّفع إنما يُنظر فيه إلى المتن دون الإسناد)[9].

الألفاظ الدالة على المرفوع الحقيقي:

أعلاها قول الراوي: (قال رسول الله)، (أمر رسول الله)، (نهى رسول الله)، (فعل رسول الله)، ونحو ذلك.

وهناك ألفاظ إذا قالها الراوي عُلم منها أن الحديث مرفوع إلى النبي ﷺ، ومنها:

· (مرفوعًا)، (يرفع الحديث)، (رفعه): ومنه حديث أنس رضي الله عنه (يَرْفَعُهُ): «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ كُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ»[10].

· (يبلغ به): ومنه حديث ابن عباس رضي الله عنهما ( يَبْلُغُ النَّبِيَّ ﷺ) قال: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرّهُ»[11].

· (يَنْمِيه)، (يَنْمِي ذَلِكَ)، ومنه حديث أَبِي حَازِمٍ، عن سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: «كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ اليَدَ اليُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ اليُسْرَى فِي الصَّلاَةِ» قَالَ أَبُو حَازِمٍ: لاَ أَعْلَمُهُ إِلَّا يَنْمِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ[12].

· (يرويه)، ومنه قوله ﷺ: «قَالَ سُلَيْمَانُ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً، كُلٌّ تَلِدُ غُلاَمًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله...»، فقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ (يَرْوِيهِ): قَالَ: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ الله =لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لَهُ فِي حَاجَتِهِ»[13].

· (يُسنده)، (رواية)، ومنه حديث أبِي أَيُّوبَ رضي الله عنه (رِوَايَةً) قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ»[14].

· ويُلحق بهذه الألفاظ ما يُشتق منها، ونحوها مما شاركها في الدلالة[15].

المرفوع الحكمي:

هو: الحديث الذي ظاهره الوقف على الصحابي، إلا أنه قد انضم إليه قرينة تُبيِّن كونه مرفوعًا إلى النبي ﷺ.

ولذلك صور، منها:

1- قول الصحابي: كنا نفعل على عهد رسول الله كذا، أو حكايته أن هذا فُعِلَ بحضرته ﷺ، وكذلك في زمانه ﷺ، ولا يَحْكِي إنكاره؛ فإن الزمان زمان وحي، ولو كان مُحَرَّمًا لأوحي إليه؛ ومنه:

قول أُبَيِّ بن كعب رضي الله عنه، وسئل عن فُتْيَا زيد بن ثابت رضي الله عنه في الذي يجامع ولا ينزل، فقال: «كنا نفعله في عهد رسول الله ﷺ فلم نغتسل[16]»[17].

2- أن يُصرِّح الصحابي بأن هذا الفعل من السُّنَّة؛ ومنه:

ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: «مِنَ السُّنَّةِ: أَنْ لاَ يُحْرِمَ بِالحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الحَجِّ»[18].

3- أن ينص الصحابي على أن هذا الفعل مما ورد به الأمر؛ كقوله: أمرنا بكذا، ومنه:

ما جاء عن مُصْعَبِ بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: «رَكَعْتُ فَقُلْتُ بِيَدَيَّ هَكَذَا -يَعْنِي: طَبَّقَ بِهِمَا وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ- فَقَالَ أَبِي: قَدْ كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا، ثُمَّ أُمِرْنَا بِالرُّكَبِ»[19].

4- والنهي مثله؛ ومنه:

حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: «نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ»[20].

5- ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم في أسباب النزول؛ ومنه:

حديث جَابِرٍ رضي الله عنه قال: «كَانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَلُ، فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ ﱡﭐ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ »[21].

وهذا بخلاف تفسير الصحابة؛ فليس من هذا الباب[22].

6- ما يخبر به الصحابي مما لا مجال للاجتهاد فيه؛ كأخبار يوم القيامة، وأخبار آخر الزمان... شريطة أن لا يُعرف عن هذا الصحابي الأخذُ عن أهل الكتاب أو الاطلاع على كتبهم.

وكذلك الإخبارِ عمَّا يَحْصل بفِعْلِهِ ثوابٌ مخصوصٌ، أو عقابٌ مخصوص، أو حكم مخصوص لا يدرك بالاستنباط[23]؛ ومن صور ذلك:

ما ورد عن ابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعروة بن الزبير رضي الله عنهم أنهم قالوا: «جَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنُ مُحَسِّرٍ».

قال الطحاوي: (وهذا ممَّا لا يُقالُ بِالرَّأيِ، ولا بِالاسْتِخْرَاجِ، ولا بِالقياسِ؛ وإِنَّما يُقَالُ بِالتَّوْقِيفِ من رسول الله ﷺ ...)[24].

وهذا الأمر مرجعه إلى اجتهاد العالم؛ فما يراه واحد لا مجال للاجتهاد فيه ربما عرف آخر مدخل الاجتهاد إليه؛ وعليه يختلف حكم أحدهما عن الآخر في اعتباره مرفوعًا أو موقوفًا[25].

ثالثًا: الحديث الموقوف:

تعريفه

لغة: اسم مفعول من (وقف)، والوقف: السكون وعدم الحركة[26].

واصطلاحًا: ما أضيف إلى الصحابي؛ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة، متصلًا كان أو منقطعًا[27].

مناسبة التسمية: أن الراوي وقف بالحديث عند الصحابي، ولم يتابع سرد باقي الإسناد[28].

أمثلته:

· عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: «الصَّلاَةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ...»[29].

· عن نافع قال: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الفَرِيضَةَ»[30].

· عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: «كَانَ الْفِتْيَانُ يُحْرِمُونَ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي المـُوَرَّدِ[31]، فَلَا يَنْهَاهُمْ وَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ»[32].

إطلاقات الموقوف عند المحدثين:

· عند الإطلاق: يطلق الموقوف على مرويات الصحابة الخاصة بهم.

· عند التقييد: يراد به من قُيِّد به؛ سواء كان صحابيًا أو غير صحابي؛ فيقال: هذا موقوف على عطاء، أو على طاوس[33]، وكلاهما من التابعين.

مظان الموقوفات:

الموقوف من الروايات مذكور في مصنفات العلماء جنبًا إلى جنبٍ مع الأحاديث المرفوعة، لكن ذكرها ليس مقصودًا لذاته، بخلاف الأحاديث المرفوعة التي هي أساس الكتاب ولُبُّه.

وهناك كتب يَعُدُّها العلماء مظانًّا للحديث الموقوف؛ لوفرة الموقوفات فيها، قال النووي رحمه الله: (وَمِنْ مَظَانِّ المَوْقُوفِ: مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَمُصَنَّف عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَتَفَاسِيرُ: ابْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وابْنِ المُنْذِرِ)[34].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة