خبر الآحاد
لغة: ما جاء عن شخص واحد[1].
واصطلاحًا: الحديث الذي لم يَجْمع شروط التواتر.
أو: ما اختل فيه شرط من شروط التواتر[2].
والعبرة هنا بالدلالة الاصطلاحية وليس بالدلالة اللغوية؛ فلا يقتصر الآحاد على ما رواه واحد، بل يشمل كل ما لم يبلغ حدَّ التواتر، حتى لو رواه أكثرُ من واحد.
حكمه:
ليس لحديث الآحاد حكم مُطَّرد؛ وإنما فيه الصحيح والحسن والضعيف، بحسب توفر شروط الصحة[3].
أقسام خبر الآحاد إجمالا من حيث عدد طرقه:
لُغَةً: اسم مفعول من (شَهَرَ)، وأصله: الوضوح والجَلاء[4].
واصطلاحًا: ما رواه ثلاثة -فأكثر في كل طبقة- ما لم يبلغ حد التواتر[5].
سبب التسمية: وضوحه وانتشاره.
مثال تطبيقي على الحديث المشهور:
| «إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لاَ يَقْطَعُهَا» | |||
| الطبقة الأولى | أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ | سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ | أَبُو هُرَيْرَةَ |
| الطبقة الثانية | قَتَادَةُ بن دِعَامَة | أَبو حَازِمٍ: سلمة بن دينار | أبو سَعِيد المَقْبُرِي |
| الطبقة الثالثة | سَعِيدُ بن أبي عَرُوبَة | وُهَيْبُ بن خالد | سَعِيدُ المَقْبُرِي |
| الطبقة الرابعة | يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ | المغيرة بن سَلَمَة | اللَّيْثُ بن سعد |
| الطبقة الخامسة | رَوْحُ بْنُ عَبْدِ المـُؤْمِنِ | إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ | قُتَيْبَةُ بن سعيد |
| الطبقة السادسة | البخاري: (3079) | مسلم: (8) | الترمذي: (2523) |
الفرق بينه وبين المشهور غير الاصطلاحي:
المشهور قسمان[6]:
1- مشهور اصطلاحي: وهو ما تقدم تعريفه.
2- مشهور غير اصطلاحي: وهو المعروف والمشتهر بين الناس، وهذا أقرب للشهرة اللغوية.
والفرق بينهما: أن الأول يُشترط له شروطٌ وعددٌ من الرُّواة في كل طبقة، وأما الثاني فلا يشترط له ذلك؛ بل العبرة بانتشاره بين الناس، حتى ولو لم يكن له إسناد أصلًا.
ومن ذلك حديث: «مَا وَسِعَنِي سَمَائِي وَلَا أَرْضِي، وَلَكِن وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمُن».
قال العراقي رحمه الله: (لم أر له أصلًا). وقال ابن تيمية رحمه الله: (ليس له إسناد معروف عن النبي ﷺ)[7].
لغةً: من (عَزَّ يَعِزُّ) -بالكسـر- وهو النادر القليل، أو من: (عَزَّ يَعَزُّ) -بالفتح- أي: قوي واشتد[8]؛ ومنه قوله تعالى: ﱡﭐ فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﱠ [يس:14].
واصطلاحًا: الحديث الذي لا يقلُّ رواته عن اثنين في جميع طبقات الإسناد[9].
فإن وَرَدَ بأكثرَ من اثنين في بعضِ الطبقات فلا يضر؛ فالعبرة بأقل طبقة[10].
سبب التسمية: إمَّا قلة وجوده وندرته، وإمَّا قوته بمجيئه من طريق آخر.
| حديث «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»[11] | ||||
| أنس بن مالك | أبو هريرة[12] | |||
| قَتَادة | عبد العزيز بن صُهَيْب |
| ||
| شعبة ابن الحجاج[13] | سعيد ابن أبي عَرُوبَة[14] | إسماعيل ابن عُلَيَّة[15] | عبد الوارث ابن عبدالصمد[16] |
|
ثالثًا: الحديث الغريب = الفرد:
لغةً: الغريب[17] في اللغة يدور على معان، منها:
1- البُعْد؛ يقال: رجل غريب؛ أي: بعيد عن وطنه، وفي الحديث أن النبي ﷺ «أَمَرَ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِجَلْدِ مِائَةٍ وَتَغْرِيبِ عَامٍ»[18].
2- الغُمُوض؛ يقال: كلام غريب؛ أي: غامض، أو: بعيد عن الفهم[19].
واصطلاحًا: ما ينفرد بروايته راو واحد، ولو في طبقة واحدة[20].
سبب التسمية: بُعْدُ المتفرد عن أقرانه ممن يشاركه الروايةَ عادةً، وكون التفردِ بهذا الحديث أمر يحتاج تفسيرًا -في أغلب الأحوال- إذ أين كان أقرانه لمَّا حدَّث شيخُهم بهذا الحديث، لاسيما إذا كان الشيخ ممن تدور عليهم الأسانيد.
ينقسم الحديث الغريب إلى قسمين: الغريب المُطْلَق – الغريب النِّسْبِي.
هو الحديث الذي تفرد به راوٍ واحدٍ في أي طبقة من طبقات الإسناد؛ بحيث يكون هو الواسطة الوحيدة بين مَنْ قبله ومَنْ بعده[21].
وسُمِّي مطلقًا؛ لأنه المراد عند إطلاق لفظ التَّفَرُّد، دون تقييد التفرد بصورة معينة، أو شخص معين
حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: «كان يُوضَعُ للنَّبِي ﷺ مِنَ الليْلِ ثَلَاثَةُ آنِيَةٍ مُخَمَّرَة؛ إِنَاءٌ لطَهُورِه، وإنَاءٌ لشَرَابِه، وإِنَاءٌ لسِوَاكِه».
قال البزار رحمه الله: (هذا الحديث لا نَعْلَمُهُ يُرْوَى إِلا عن عائشة رضي الله عنها، ولا نعلم له إسنادًا عن عائشة رضي الله عنها إلا هذا الإسناد)[22].
إسناد الحديث لتوضيح الطبقات التي حصل فيها التفرد المطلق:
| البَزَّار | محمد بن فِرَاس | حَرَمِيُّ بن عمارة | الحريش بن الخريت | ابن أبي مُلَيْكة | عائشة رضي الله عنها |
| يحيى بن حكيم | |||||
| محمد بن معمر |
ثانيًا: الغريب (الفرد) النسبي:
هو الحديث الذي رُوي بأكثر من إسناد، إلا أن أحد الرواة -في طريق من هذه الطرق- تفرد بصورة لم يشاركه فيها غيرُه، فيقال: هذا تفرد نسبي؛ أي: بالنسبة لهذا الشخص الذي جاء بهذه الصفة الغريبة[23].
فهذا الراوي لم يتفرد بالحديث مطلقًا، بل توبع عليه ورُوي من طرق أخرى غير طريقه، ولكن ليس على الصورة التي رواها هو[24].
مثال تطبيقي لتوضيح هذه الصورة:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ».
هذا الحديث يرويه محمد بن عَجْلان، واختلف عليه على وجهين:
1- فرواه يحيى بن محمد بن قيس المُحَارِبي[25]، عن محمد بن عَجْلَان، عن والده عَجْلَان وسَعِيد الـمَقْبُرِي (كلاهما) عن أبي هُرَيْرَةَ.
2- ورواه يحيى القَطَّان[26] وأبو عاصم النَّبِيل[27] ويحيى بن أيوب وبكر ابن مُضــر[28]، عن محمد بن عَجْلَان، عن (أبيه) عن أبي هُرَيْرَةَ.
قال الإمام البزار رحمه الله: (هَذَا الحَدِيث لا نعلَمُ أحَدًا جمع ابن عجلان وأبيه عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إلا يَحْيَى بن مُحَمَّد بن قيس)[29].
| الوجه الأول | يحيى بن محمد المحاربي | محمد بن عَجْلَان | والده عَجْلَان | أبو هُرَيْرَةَ |
| سَعِيد المَقْبُرِي | ||||
| الوجه الثاني | يحيى القَطَّان | محمد بن عَجْلَان | والده عَجْلَان | أبو هُرَيْرَةَ |
| أبو عاصم النبيل | ||||
| يحيى بن أيوب، بكر بن مضر |
تتمة:
1- الواقع في استعمالات النقاد وتطبيقاتهم أن الحديث باعتبار وصوله إلينا قسمان فقط: غريب =فرد، ومشهور =معروف.
فالغريب: ما رواه شخص واحد.
والمشهور: ما خرج عن حد الغرابة؛ فإذا خرج الحديث عن حد الغرابة فرواه اثنان فأكثر =فهذه رواية مشهورة معروفة.
وقد نبه الذهبي رحمه الله إلى أن القسمة ثنائية وليست ثلاثية، فقال في تعريف الغريب: (الغريب: ضِدُّ المشهور)[30].
ومن ذلك قول ابن أبي حاتم رحمه الله: (سألتُ أبا زُرْعَةَ: ما حال معاوية بن عبد الله؟ قال: لا بأس بِه؛ كتبنا عنه بِالبصرة، أخرج إلينا جزءًا عن عائشة، فانْتَخَبْتُ منه أحاديث غَرائِبَ، وتركتُ المشاهيرَ)[31].
وقال الإمام البزار رحمه الله: (ولا نعلم روى سِماك بن حصين عن الحسن البصـري عن عمران بن حصين إلا حديثين؛ هذا أحدهما وهو غريب، والآخر مشهور)[32].
2- الغريب (الفرد) والمشهور (المعروف) بهذا الاعتبار ليْسَا مجرد أوصاف للرواية، وإنما هما وصفان متضمِّنان الحكم عليها في كثير من الأحوال، وإن لم يكن جميعها.
فالأصل أن التفرد من مظنة النكارة والرَّد -لاسيما إذا انضاف إليه المخالفة- ولكنه ليس شرطًا للضعف؛ فكم من حديث تفرد به راويه ومع ذلك قبله العلماء واحتجوا به؛ قال الإمام الذهبي رحمه الله: (والغريبُ صادقٌ على ما صَحَّ، وعلى ما لم يصحّ)[33].
وقال الإمام ابن الصلاح: (الغريب ينقسم إلى: صحيح؛ كالأفراد المخرجة في الصحيح، وإلى غير صحيح، وذلك هو الغالب على الغريب)[34].
3- وأما العزيز: فيرد إطلاقه في كلام الأئمة وصفًا للرَّاوي وللرِّواية، ويُراد به في الأعم الأغلب معناه اللغوي: (القلة والندرة)، وليس: رواية اثنين عن اثنين.
فيقال: (هذا حديث عزيز) على معنى: أنه لا يوجد إلا عند قلة من الرواة قد تصل إلى درجة التفرد بالرواية.
ومن ذلك قول المزي رحمه الله في حديث ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مرفوعًا: «الشِّفَاءُ فِي ثَلاثٍ...»: (حَدِيثٌ عَزِيزٌ من أفراد الصحيح؛ لا نعرفه إلا من رواية مروان بن شُجَاع الجزري)[35].
ويقال: (فلان عزيز الحديث)، على معنى: ندرة أحاديث الراوي وقلتها.
قال ابن عدي رحمه الله في ترجمة إسماعيل بن نشيط العامري: (عزيز الحديث جدًا، ولا يروي من الحديث إلا القليل)[36].
وقال الحاكم رحمه الله: (سليم مولى الشعبي عزيز الحديث؛ أسند نحو خمسة)[37].
4- وأما المتواتر: فيقع استعماله لدى المحدثين بمعناه اللغوي، وهو التتابع والتعدد والكثرة والاشتهار، وليس المتواتر بتعريفه وشروطه عند الأصوليين؛ فهو أشبه ما يكون بالمشهور الذي خرج عن حد الغرابة، وليس قَسِيمًا للآحاد، كما هو المعمول به عند الفقهاء والأصوليين[38].
ومن ذلك قول الطحاوي رحمه الله: (وقد تَوَاترت هذه الآثارُ عن رسول الله ﷺ أَنَّه كان يُقَبِّلُ وهو صائمٌ)[39].