حجم الخط:

محتوى الدرس (10)

الحديث الحسن

مسائل الحديث الحسن:

تعريف الحسن:

لغة: صفة مشبهة من (الحُسنْ)، وهو: نقيض القُبْح[1].

واصطلاحًا: ما رواه عدل، خفيف الضبط، بسند متصل، ولا يكون شاذًّا، ولا مُعَلًّا[2].

وهذا التعريف هو الذي أقره الحافظ ابن حجر رحمه الله في (النزهة) [3] واستقر عليه الاصطلاح.

ومعنى ذلك: أنه قد اجتمعت في الحديث كل شروط الصحة سوى شرط واحد، وهو: (ضبط الراوي) وهذا الشرط أيضًا لم يختل بالكلية، وإنما نزل من أعلى درجاته إلى أدناها.

فراوي الحسن ضابط في الجملة، إلا أن العلماء قالوا فيه أوصافًا تفيد أن ضبطه وإتقانه لم يبلغ ما بلغ راوي الحديث الصحيح؛ كقولهم: (ثقة يخطئ) أو: (ثقة له أوهام) أو: (صدوق).

ولا بد عند النظر في حديث هذا الراوي من مراعاة أمرين[4]:

الأول: زيادة التحري: وذلك للتأكد من تحقيق شرط السلامة من العلل المؤثرة، والتَّيقن أن هذا الحديث ليس مما وهم أو أخطأ فيه بسبب عدم تمام ضبطه.

الثاني: البحث عن وجود ما يوافق روايته: فلو تفرد بحكم أو سنة لم يأت بها غيره، ولا يُعرف في قرآن أو سنة صحيحة ما يشهد له =كان هذا مظنة الشك في كونه قد حفظ هذه الرواية.

حكم الحديث الحسن:

الحديث الحسن كالصحيح في:

قبوله، وحجيته، ووجوب العمل به، وإن كان دونه في الرتبة، ومحل التفاضل عند التعارض، وقد حُكي الاتفاق على ذلك[5].

مثاله:

حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: إِنَّ عَبْدِي المُؤْمِنَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ كُلِّ خَيْرٍ؛ يَحْمَدُنِي وَأَنَا أَنْزِعُ نَفْسَهُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ[6]»[7].

هذا الوجه مداره على (عمرو بن أبي عمرو) تكلم فيه جماعة ووثقه آخرون، وخلاصة حاله -كما قال الذهبي-: (صدوق، حديثه صالح حسن، منحط عن الدرجة العليا من الصحيح)[8].

ولذا نرى ابن حجر حكم على الحديث بقوله: (حديث حسن؛ رواته من أهل الصدق)[9].

أمثلة للأسانيد الحسان:

· بَهْزُ بن حَكيم، عن أبيه[10]، عن جَدِّه رضي الله عنه[11].

· عَمْرو بن شُعَيب، عن أبيه[12]، عن جَدِّه رضي الله عنه [13].

· محمد بن عَمْرو، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وانظر في ذلك: الموقظة (ص32-33).

مظان الحديث الحسن:

يوجد الحديث الحسن بكثرة في سنن الإمام الترمذي، وأيضًا في سنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرها[14].

معنى قول العلماء: (حسن صحيح):

الإمام الترمذي رحمه الله أكثرُ من عُرف عنه استعمال هذا المصطلح، ومع هذا فقد ورد استعماله عن غيره من النقاد[15].

وقد أطال المصنفون في بحث هذه المسألة وتوجيهها[16]، وهذا المبحث عند التحقيق لا ينبني عليها كبير فائدة؛ فالحديث على كل الأحوال مقبول.

وأقرب التوجيهات للقبول:

أنه لا إشكال في هذا الوصف أصلًا؛ فإن الحَسن درجة أقل من الصحيح، وحيثما وجد الأعلى فإنه مشتمل للأدنى، فيصح أن يطلق على كل حديث بلغ درجة الصحة أنه حسن كذلك، وإنما لم يلتزم الترمذي ذلك في كل الأحاديث الصحيحة =من باب التفنن في العبارة، وعدم السير على نسق واحد.

ويدل على ذلك تطبيقات النقاد قبل الترمذي رحمه الله في إطلاقهم على الحديث الواحد الصحة في موضع والحسن في موضع آخر-كما سبق بيانه- وحيث جاز ذلك متفرقًا فلا مانع منه مجموعًا.

وهذا أقوى الأقوال وأسلمها من الانتقادات، وهو الذي اختاره ابن دقيق العيد[17] والذهبي[18]، وجماعة.

الصحيح لغيره

مسائل الصحيح لغيره:

تعريفه:

هو الحديث الحسن لذاته إذا رُوي من وجه آخر مثله أو أقوى منه[19].

مرتبته:

الصحيح لغيره فوق الحسن لذاته في الرتبة؛ فإنّ تَعدُّد الطرق المعتبرة موجب لزيادة القوة.

مثاله:

حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «مِنْبَري هَذا عَلى تُرْعَةٍ[20] منْ تُرَعِ الجَنَّة».

هذا الحديث يرويه محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة[21]، و(محمد بن عمرو) قال فيه الذهبي: (شيخ مشهور، حسن الحديث)[22].

إلا إنه لم يتفرد بالحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ تابعه: عبد المجيد بن سُهَيْل[23] [24]، فارتقى بذلك إلى الصحيح لغيره.

البزار

مُحَمد بن بَشَّار

عَبْد الوَهَّاب الثقفي

محمد بن عمرو

أبو سلمة

أَبو هُرَيْرَةَ

أحمد

مَكِّيُّ بن إبراهيم

عَبْدُ اللهِ ابْنُ سَعِيدٍ

عَبْد المَجِيدِ بْن سُهَيْل

وانظر للمزيد: نزهة النظر (ص78)، النكت لابن حجر (1/419)، تدريب الراوي (1/67).

الحسن لغيره

مسائل الحسن لغيره:

تعريفه:

هو الحديث الذي فيه ضعف يسير، إذا جاء من طريق آخر مثله أو أقوى منه، أو كان له شاهد معتبر[25].

فيشمل: المنقطع بأنواعه، والمرسل، والمدلس، ورواية المختلط إذا روى عنه من سمع منه بعد الاختلاط، ورواية سيء الحفظ، والمجهول... وأمثال ذلك مما لم يصل إلى الضعف الشديد.

سبب التسمية: استمداد قوته وقبوله بانضمام غيره إليه، ولولاه لاستمرت صفة الضعف فيه.

العلة في قبول هذا النوع من الحديث:

أنواع الضعف السابقة تحتمل الصواب كما تحتمل الخطأ؛ فربما يكون سيء الحفظ قد أخطأ، وربما يكون قد حفظ الرواية، وقد يكون الساقط ثقة، وقد يكون غير ثقة...إلخ

فلما كان الأمر محتملًا لهذا وذاك، ثم وجدنا ما يشهد لهذه الرواية =ترجح عندنا جانب الإصابة على جانب الخطأ[26].

ومن أمثلة الضعف الشديد:

رواية الكذاب، والمتهم بالكذب، والفاسق بسبب معتبر...إلخ

مرتبته:

الحسن لغيره من جملة الحديث المقبول، لكنه في درجة تتقاصر عن رتبة الصحيح بنوعيه وكذلك عن رتبة الحسن لذاته، وتظهر فائدة هذا عند تعارض.

مثاله:

حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «لاَ يَرُدُّ القَضَاءَ إِلا الدُّعَاءُ، وَلاَ يَزِيدُ في العُمُرِ إِلا البِرُّ»[27].

فهذا إسناد ضعيف؛ لأنه من رواية: أبي مودود البصـري، واسمه: فضة، وقد ضُعِّف[28].

ولكن للحديث شاهد من حديث ثوبان رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَرُدُّ القَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ، وإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ»[29].

وهذا الشاهد أيضا فيه ضعف؛ لأنه من رواية عبد الله بن أبي الجعد[30]، لكن تعدد أوجه الحديث يُشعر أن للحديث أصلًا؛ فيرتقي أحدهما بالآخر، ويصبح الحديث حسنًا لغيره.

الألفاظ التي يستعملها المحدثون في الحكم على الأحاديث المقبولة:

الجيد:

يراد به الحديث الصحيح عادة، أو مطلق القبول؛ فيشمل درجاته كلها.

فمن الأول: قول حجاج بن الشاعر: (اجتمع أحمد وابن معين وابن المديني فذكروا أجود الأسانيد الجياد...) [31].

ومن الثاني: قول الإمام أحمد: (لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيِّد)[32].

وربما أطلق (الجيد) على المنكر الغير محفوظ، ومنه قول محمد بن عبد الله بن عمار: (يحيى الحِمَّاني قد سقط حديثه، قيل: فما علته؟ قال: لم يكن هناك حديث جيد غريب إلا رواه)[33].

القوي – الثابت:

قريبان من «الجيد».

الحجة:

هو الصالح للاحتجاج به، وليس مجرد الاستشهاد؛ ومنه قول الإمام أحمد: (عمرو بن شعيب له أشياء مناكير، إنما نكتب حديثه نعتبره، فأما أن يكون حجة فلا)[34].

الصالح:

ويشمل أي رواية صالحة؛ ويدخل في ذلك: الصالح للاحتجاج، وكذلك ما يصلح للاستشهاد؛ ومنه قول أبي داود: (وما كان في كتابي من حديث فيه وَهَنٌ شديد فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض)[35].

المستقيم:

ما جاء على وَفْق أحاديث الثقات، من غير مخالفة في السند أو المتن.

قال ابن معين: (قال لي ابن عُليَّة: كيف حديثي؟ قلت: أنت مستقيم الحديث، قال لي: وكيف علمتم ذاك؟ قلت له: عارضْنا بها أحاديث الناس فرأيناها مستقيمة)[36].

المستوي: قريب من «المستقيم» قال ابن عدي: (ورقاء عنِ الزُّهْريّ ليس بالمستوي؛ ولم يلق الزُّهْريّ، وإنما يروي بَقِيَّة هذا الحديث عن سُلَيْمَان بْن أرقم عنِ الزُّهْريّ)[37].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة