معرفة الاعتبار للمتابعات والشواهد
تعريف المتابعة:
موافقة الراوي راويًا أخر في روايته عن شيخه، بشرط اتحاد الصحابي في الطريقين.
الحديث الذي يوافق حديثًا آخر في اللفظ والمعنى، أو المعنى فقط، ويكون من رواية صحابي آخر.
وسمي شاهدًا: لأنه يشهد للحديث الأول ويقويه.
طريق الوصول إلى المتابعة والشاهد.
ويراد به: عملية النظر والبحث في طرق الحديث ومقارنتها؛ لتتضح المتابعات والشواهد.
فالاعتبار ليس قسمًا ثالثًا للمتابعة والشاهد، وإنما هو آلية معرفة كل منهما.
ولا مانع من إطلاق مسمى كلٍ من الشاهد أو المتابع على الآخر، والأمر في مثل هذا واسع، لا سيما واللغة تشهد له [1].
ملاحظة: جرت العادة بتسمية هذا المبحث: (الاعتبار والمتابعات والشواهد)، والأقرب المثبت؛ انظر: النكت للحافظ (2/681)، النزهة (ص90).
| أبو هريرة | ابن عمر | ابن عباس | |
| سعيد المـَقْبُري | همام بن منبه | عبد الله بن دينار | سعيد بن جبير |
فهنا نقول:
سعيد المـَقْبُري تابع همام بن مُنبّه في الرواية عن أبي هريرة، أو العكس.
وحديثا ابنِ عمر وابنِ عباسرضي الله عنهما كلاهما شاهدٌ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه.
فائدة معرفة الشواهد والمتابعات:
(1) سبيل كشف العلل والاختلاف.
(2) دفع تفرد الراوي بالرواية.
(3) تقوية الأحاديث التي فيها ضعف يسير، أو ترقيتها للصحة أحيانًا.
(4) تفسير ما يَرِد مبهمًا[2] أو مُهملًا[3] من أسماء الرواة، إذا ورد مصـرحًا به في طريق آخر.
(5) الوقوف على مواطن السقط في الإسناد.
(6) التصريح بالسماع في مواطن العنعنة في حديث من عُرف بالتدليس.
تنقسم المتابعات إلى قسمين: تامة - قاصرة.
صورة المتابعة التّامة: أن يشارك الراوي الأولَ في الإسناد راوٍ آخر، فيروي الحديث عن نفس الشيخ إلى نفس الصحابي، وسميت تامة: لأنها شملت جميع السند.
صورة المتابعة القاصرة: أن تبدأ المشاركة في الطبقة الثانية أو ما بعدها؛ بحيث يصدق أن الراوي الأول تفرد بالحديث.
صورة المتابعة التّامة والقاصرة، والشاهد:
| أحمد | الشافعي | مالك | نافع | ابن عمر |
| تامة | قاصرة | قاصرة | قاصرة | شاهد |
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَقُولُ: «لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ...».
| البخاري[4] |
|
|
|
|
|
| مسلم [5] | قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ | اللَّيْثُ | سعِيد المقبري | أَبوه | أَبو هُرَيْرَةَ |
| النسائي [6] |
|
|
|
|
|
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ المـُعْتَمِرَ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ «أَكْرَمُهُمْ أَتْقَاهُمْ» قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللّه، لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ...
| البخاري[7] | إسحاق بن رَاهُوَيْه | مُعْتَمِر بن سليمان |
عُبَيْد الله بن عُمَر
|
المقبري
|
أبو هُرَيْرَةَ
|
| الطحاوي[8] | محمد بن عبد الأعلى | ||||
| البخاري[9] | عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ | أَبو أُسَامَة |
تابع إسحاقُ بن راهوية محمدَ بن عبد الأعلى في الرواية عن مُعْتَمِر بن سليمان (متابعة في الطبقة الثانية).
وتابع أبو أسامة -حمادُ بن أسامة- معتمرَ بن سليمان في الرواية عن عُبَيْد الله ابن عُمَر (متابعة في الطبقة الثالثة).
أخرج البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لاَ تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ»[10].
هذا الحديث له شاهد من حديث أبي هريرة[11]، وأنس[12]، وابن عمر[13]، وجابر[14]رضي الله عنهم .
ما يصلح من المتابعات والشواهد للتقوية وما لا يصلح:
هناك ثلاثة مصطلحات تدور في هذا الموضع:
(وجود المتابعة في الكتب)، (ثبوت المتابعة)، (الاعتداد بها والاعتماد عليها).
وهناك فرق كبير بين الثلاثة؛ فليست كل متابعة وردت في الكتب يلزم أن تكون صحيحةً ثابتة، وليس كل ما ثبت من المتابعات يصلح أن يعتد به ويعتمد عليه في تقوية الحديث ونفي التفرد.
وجملة ما يشترط للاعتماد على المتابعة خمسةُ شروط:
الأول: صحة الإسناد إلى كلٍ من الراوي المتابَع والراوي المتابِع له؛ لأنه إذا لم يصح الإسناد إليهما جميعًا فلا يقال: إنهما رويا الرواية أصلًا.
الثاني: أن يكون المتابِع والمتابَع ممن يعتمد عليه، أو يصلح في باب المتابعات على الأقل، ولا يكون شديد الضعف؛ كالكذاب، أو المتروك... فمتابعة مثل هؤلاء الرواة هي والريح سواء.
الثالث: أن تكون الرواية محفوظة عن كل من الراوي المتابَع والراوي المتابِع له.
فهناك فرق بين أن تكون الرواية ظاهرها الصحة، وبين أن تكون محفوظة عن الراوي؛ فلا بد من التأكد من كون هذه المتابعة لم تنشأ بسبب وهم من أحد الرواة، أو بسبب تصحيف، أو ظنِّ الراوي الواحد اثنين، أو دخول حديث في حديث، أو غير ذلك من صور أخطاء الرواة الكثيرة
الرابع: التأكد من اتصال الإسناد بعد الراوي المتابِع، وذلك بأن يكون كل من الراوي المتابَع والراوي المتابِع له قد سمع الحديث من شيخه مباشرة.
لأنه إذا كان بين أحدهما وشيخه في الإسناد راو ساقط، فالحقيقة أن المتابعة حصلت لهذه الواسطة الغير معروفة؛ لأنه هو الذي روى الحديث عن الشيخ في الحقيقة.
وربما كانت الواسطة المحذوفة هي الراوي الأول بعينه، وإنما حذفها بعض الرواة حتى يوهم أن للحديث متابعة؛ فحديث الثاني راجع إلى حديث الأول وليس له متابعات في الحقيقة.
الخامس: يجب اتفاق كل من المتابِع والمتابَع على الكيفية التي حدثوا بها عن الشيخ، حتى تكون متابعة حقيقة يعتد بها في التقوية.
فلا يكفي مجرد أن يكون كل منهما روى الحديث عن نفس الشيخ، مع اختلافهما في الكيفية؛ بأن يرويه أحدهما عن الشيخ موصولًا ويرويه الآخر مرسلًا، أو يرويه أحدهم موقوفًا ويرويه الآخر مرفوعًا...إلخ.
فمثل هذه المتابعة لا تكون سببًا للتقوية، بل تكون كاشفة للخلل والعلة في الرواية الأخرى، وعندها يقال: تُعلّ الروايةُ الموصولة بالمرسلة، أو المرفوعة بالموقوفة.
ملاحظة: من الكتب النافعة في هذا الباب: (الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات) للشيخ/طارق بن عوض الله.
(1) ليس الهدف من الاعتبار والبحث عن المتابعات والشواهد =التقوية فقط ، بل من الأهداف الأساسية للاعتبار: كشف أوهام الرواة بمقارنة طرق وأسانيد الرواية، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بجمع طرق الحديث ومتابعاته وشواهده في مكان واحد، والمقارنة بينها بدقة.
(2) باب المتابعات والشواهد ليس خاصًا بالمرفوع من الروايات؛ بل لا بد من النظر في الموقوفات والمقطوعات والمراسيل التي تروى في الباب، خاصة إذا كان مَخرج الجميع واحدًا (الجميع عن مدار واحد).
فإنّ الحديث المرفوع الذي بين يديك ربما كان الصواب فيه الوقف، أو الموصول ربما كان وصله وهم من الراوي والصواب فيه الإرسال، وهكذا.
أسند الخطيب البغدادي عن المَيْمُونِيِّ قال: (تَعَجَّبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْإِسْنَادَ وَيَدَعُ المنْقَطِعَ، ثُمَّ قَالَ: وَرُبَّمَا كَانَ المنقَطِعُ أَقْوَى إِسْنَادًا، قُلْتُ: بَيِّنْهُ لِي كَيْفَ؟ قَالَ: تَكْتُبُ الْإِسْنَادَ مُتَّصِلًا وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَيَكُونُ المنقَطِعُ أَقْوَى إِسْنَادًا مِنْهُ)[15].
(3) من الفوائد العظيمة عند جمع الطرق: معرفة ضبط الراوي ودرجة إتقانه لحديث شيخه.
فإذا وجدنا راويًا كلما شارك مجموعة من الرواة في رواية حديث خالفهم، وروى الحديث بصورة مغايرة للصورة التي رواها الجماعة =عرفنا أنه ليس من أهل الحفظ والإتقان؛ فإن وجدناه في حديث بعد ذلك تأنَّيْنا فيه وانتبهنا له.
للمزيد في هذا المبحث: انظر: علوم الحديث لابن الصلاح (ص247)، النكت للزركشـي(2/170)، نزهة النظر (ص87-91)، تدريب الراوي (1/242-243)، منهج النقد في علوم الحديث لنور الدين عتر (1/418).