حجم الخط:

محتوى الدرس (18)

المصحَّف والمحرَّف

مسائل الحديث المصحف والمحرف:

تعريف المصحف:

لغة: اسم مفعول من (صحَّف) وَالتَّصْحِيفُ: تَغْيِيرُ اللَّفْظِ.

وَأَصْلُهُ: الْخَطَأُ، والصَّحَفِيُّ: من يُخْطِئُ في قِراءَةِ الصَّحِيفَةِ، وبِضَمَّتَيْنِ لَحْنٌ[1].

واصطلاحًا: تحويل الكلمة من الهيئة المتعارف عليها.

الفرق بين المصحف والمحرف:

للعلماء في ذلك مذهبان:

الأول: المصحف والمحرف مترادفان لمسمًى واحد، وعليه عبارات المتقدمين[2].

الثاني: بينهما اختلاف:

· المصحف: ما كان الخطأ فيه بتغيير نَقْط الكلمة؛ كأن يجعل الراوي (خبرًا) (خبزًا).

· المحرف: خاص بتغيير أحرف الكلمة؛ كقلب (شعبة) (سعيد)[3].

والأمر في ذلك قريب، ولا يترتب على المغايرة في الاسم تغيير في الحكم؛ فإن حكم ما ثبت فيه هذا الخطأ هو الضعفُ على أي اسم كان؛ فهو نتيجة لعدم إتقان الراوي لما أخطأ فيه[4].

أقسامه، وأمثلته:

مصحف في الإسناد.

مثاله: حديث عبد الله بْنِ أَبِي أَوْفَى، أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «الْوَلاءُ لُحْمَةُ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ؛ لا يُبَاعُ ولاَ يُوهَبُ».

أخرجه ابن عدي[5] من طريق: عُبَيد بن القاسم، عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى.

لكن الإسناد تصحف عند الطبري في تهذيب الآثار[6]، فجعل الحديث من رواية (عبثر بن القاسم) عن إسماعيل، و(عبثر) ثقة ثبت[7]، و(عُبَيد بن القاسم) كذاب[8].

مصحف في المتن.

مثاله: ما أسنده الحاكم عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسِ قال: قَصَدْنَا شَيْخَنَا لِنَسْمَعَ مِنْهُ، وَكَانَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ، قَالَ: «ادَّهِنُوا غِبًّا». فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «اذْهَبُوا عَنَّا»[9].

سبب كثرة تصحيف بعض الرواة:

· الأخذ من الكتب، وعدم التلقي عن العلماء[10]، خاصة إذا انضاف إليه رداءة الخط، أو كونه غير منقوط، أو انتقال النظر من سطر إلى آخر، ونحو ذلك؛ وهذا يعرف بـ: (تصحيف البصر).

· وقد يكون ناشئًا عن اشتباه الكلمة بمثيلتها في الصوت؛ كاشتباه (عليم) بـ: (عظيم)، و(عاصم الأحول) بـ: (واصل الأحدب)؛ ويعرف هذا بـ: (تصحيف السمع)

هل يقدح التصحيف في الراوي؟

· التصحيف باب من أبواب أخطاء الرواة.

· الخطأ النادر أو القليل من الثقة لا يخرجه عن وصف الثقة، قال الإمام أحمد: (ومن يعرى عن الخطأ والتصحيف!!)[11].

· المؤثر في رتبة الراوي وروايته هو ما أشعر بقلة ضبطه؛ ولا يكون ذلك إلا بكثرة وقوع الوهم في حديثه.

أشهر المصنفات في التصحيف:

· (تصحيفات المحدثين) لأبي أحمد العسكري (تـ:382هـ).

· (إصلاح غلط المحدثين) لأبي سليمان الخطابي (تـ:388هـ).

· (التطريف في التصحيف) للسيوطي (تـ:911هـ).

** للمزيد بخصوص مسائل (المصحَّف والمحرَّف): انظر: علوم الحديث لابن الصلاح (ص471)، المنهل الروي، (ص56)، مشيخة القزويني لسـراج الدين القزويني (ص107)، الشذا الفياح (2/467)، المقنع لابن الملقن (2/ 469)، التقييد والإيضاح (ص282)، نزهة النظر (ص118)، الغاية في شرح الهداية (ص221)، تدريب الراوي (2/648)، تحرير علوم الحديث (2/1010)، أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء (1/317).

حديث المختلط

مسائل الاختلاط:

تعريف الاختلاط

لغة: الدمج والممازجة، ومنه: خَلَطَ الشيء بالشيء: قرن بينهما على صورة لا يتمايزان فيها غالبًا[12].

واصطلاحًا: سوء الحفظ الطارئ على حديث الثقات[13]، ونسيان الراوي حديثه وعدم ضبطه له، بسبب يوجب ذلك[14].

العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: دخول حديث الثقة بعضه في بعض، وامتزاج خطأه بصوابه، وعدم تمييزه بين حديثه وحديث غيره.

أسباب الاختلاط:

أسباب الاختلاط متنوعة، ولكنه ترجع في الجملة إلى ثلاثة أسباب:

الأول: الطعن في السن: وممن حدث له: يزِيد بن أبي زِيَاد مولى بني هَاشم، قال ابن حبان: (كانَ يزِيد صَدُوقًا إِلَّا أَنه لما كبر سَاءَ حفظه وَتغَير؛ فَكَانَ يَتَلَقَّن)[15].

الثاني: المرض: ومن هؤلاء: عبد الرزاق بن همام الصنعاني، قال الإمام أحمد: (عمي في آخر عمره، وكان يلقن فيتلقن؛ فسماع من سمع منه بعد المائتين لا شيء)[16].

الثالث: وقوع مصاب أو حادث يَضْعُفُ العقل عن تحمله؛ فيذهب برشد صاحبه: ومن ذلك: عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، قال هاشم بن القاسم: (إني لأعرف اليوم الذي اختلط فيه المسعودي: كنا عنده وهو يُعَزَّى في ابن له، إذ جاءه إنسان فقال له: إن غلامك أخذ عشرة آلاف من مالك وهرب، ففزع وقام ودخل إلى منزله، ثم خرج إلينا وقد أختلط) [17].

حكم حديث المختلط:

ضوابط العلماء في روايات المختلطين:

اتفقت كلمة العلماء على أنه لا يحكم لروايات المختلط بحكم عام قبولًا أو ردًا، بل لا بد لقبول روايته أو ردها من قرينة ترجح أحد الأمرين، وغالب تصـرفات النقاد ترتكز على واحد من أمور:

الأول: تمييز الرواة عنه:

· من كان سماعه قبل الاختلاط فقط: يُقبل حديثه.

· من كان سماعه بعد الاختلاط فقط: يرد حديثه.

· من كان سماعه قبل الاختلاط وبعده وتميّز الأول من الثاني: يقبل ما رواه عنه قبل الاختلاط فقط.

· من كان سماعه قبل الاختلاط وبعده ولم يتميّز الأول من الثاني: يرد حديثه[18].

الثاني: تحديد وقت اختلاطه:

فما حَدَّث به المختلط بعد هذا الزمان يرد ولا يقبل[19].

الثالث: تحديد مكان اختلاطه:

فيقبل حديثه في بلد ولا يقبل في آخر، قال الإمام أحمد: (عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي: ثقة كثير الحديث إنما اختلط ببغداد، ومن سمع منه بالكوفة والبصـرة فسماعه جيد)[20].

الرابع: هل إطلاق الاختلاط على الراوي يراد به المعنى الاصطلاحي؟

يعني: اضطراب العقل، أم المراد من إطلاقه ما يصيب الناس عادة في الكبر من عدم بقاء ضبطهم على حاله، أو نحو ذلك من المعاني التي لا تُخل بحديثه.

فالتغير هو بداية الاختلاط، وليس بلازم له، وقلَّ من يسلم منه بسبب الكبر، وقد قبل الأئمة روايتهم بلا تفصيل، إلا أن يوقف في رواية الراوي على خطأ ما فيُرَد هذا الخطأ فقط؛ شأنه شأن سائر الثقات.

قال الإمام أحمد رحمه الله: (سألت ابن عُلَيَّة عن الجُرَيْرِيِّ: أكان اختلط؟ قال: لا؛ كبر الشيخ فَرَقَّ)[21].

المؤلفات في الاختلاط:

· (المختلطين) لأبي بكر الحَازِميِّ (تـ:584هـ).

· (المختلطين) للعلائي (تـ:761هـ).

· (الاغتباط بمن رمي من الرواة بالاختلاط) لسبط ابن العجمي (تـ:841هـ).

· (الكواكب النَّيِّرَات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات) لابن الكيال (تـ:939هـ).

· (اختلاط الرواة الثقات، دراسة تطبيقية على رواة الكتب الستة) رسالة جامعية للدكتور عبد الجبار سعيد[22].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة