زيادة الثقة
لغة: الزيادة هي: النمو، والثقة: المؤتمن[1].
واصطلاحًا: أن يروي جماعة من الرواة الثقات حديثًا واحدًا بإسناد واحد ومتن واحد، فيزيد بعض الثقات فيه زيادة لم يذكرها بقية الرواة[2].
· زيادة في السند: أن يزيد أحد الرواة راويًا لم يذكره غيره.
· زيادة في المتن: أن يزيد أحد الثقات لفظة أو جملة لم يأت بها بقية الرواة.
مثال تطبيقي على زيادة الثقة في الإسناد:
حديث أبي هريرةرضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَأْتِهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ؛ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ وَلَيْسَ مَعَهُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ...».
هذا الحديث يرويه مالك بن أنس، واختلف عليه:
(1) رواه إسماعيل بن أبي أويس [3]، ويحيى القَطَّان[4]، وعبد الله ابن وهب[5]، وخالد بن حميد[6] -وغيرهم- عن مالك، عن سَعِيد المَقْبُرِي، عن أبي هُرَيْرَةَ.
(2) ورواه زيد بن أبي أُنَيْسَة، عن مالك[7]، عن المَقْبُرِي، عن أبيه ، عن أبي هُرَيْرَةَ.
· الشاهد في هذا المثال: زيادة والد المقبري (كيسان) بين سعيد المقبري وأبي هريرة رضي الله عنه، زادها ثقة هو: (زيد بن أبي أُنَيْسَة) [8].
مثال تطبيقي على زيادة الثقة في المتن:
حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «أنَّ النبيَّ ﷺ قَامَ فكبَّر فَرَفَعَ يدَيه، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ».
هذا الحديث يرويه عاصم بن كليب، واختلف عليه:
(1) رواه الثَّوْرِيُّ[9]، عَنْ عَاصِمِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَلْقَمَةَ ابن قيس، عَنْ ابن مسعود بهذا اللفظ.
(2) وَرَواه عبد الله بن إدريس[10] وأبو بكر النهشلي[11]، وجماعة عن عاصم، فَقَالُوا كلُّهم: (إنَّ النبيَّ ﷺ افتتَحَ فَرَفَعَ يدَيه، ثُمَّ رَكَعَ فطبَّق وجَعَلَها بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ).
| الثَّوْرِيُّ | عاصم | عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنِ الْأَسْوَدِ | عَلْقَمَةُ ابن قيس | ابن مسعود | (ثُمَّ لَمْ يَعُدْ) |
| عبد الله ابن إدريس | لم يذكروا (ثُمَّ لَمْ يَعُدْ) | ||||
| أبو بكر النهشلي | |||||
| جماعة |
وَلَمْ يقُلْ أحدٌ (ثُمَّ لَمْ يَعُدْ) كما رواه الثوريُّ.
· الشاهد في هذا المثال: زيادة سفيان الثوري لفظة: (ثُمَّ لَمْ يَعُدْ) التي تفيد أن النبي ﷺ رفع يديه في تكبيرة الإحرام فقط.
التحقيق في مذاهب النقاد أن زيادة الثقة ليس لها حكم مطرد بالقبول أو الرد، بل يرجح في كل حديث بحسب القرائن والملابسات المصاحبة له:
فإن ترجح كون الراوي قد حفظ ما لم يحفظه غيره: فهي زيادة من الثقة مقبولة.
وإن ترجح كونها وهمًا جرى على صاحبها بمقتضيات البشـرية: كانت شاذة مردودة[12].
قال العلائي: (كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن -كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى ابن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وأمثالهم -يقتضـي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كُلّي، بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح بالنسبة إلى ما يَقْوَى عند أحدهم في كل حديث)[13].
· ما نقل عن بعض النقاد من إطلاق القول بـ: (أن الزيادة من الثقة مقبولة)، فإنما مرادهم: قبول الزيادة في مثل هذه المواضع الخاصة[14].
· لا يشترط لرد زيادة الثقة أن تكون مخالفة لما رواه غيره، وهذا ظاهر جلي من تطبيقات النقاد؛ فإن المخالفة من مرجحات الضعف وليست شرطًا له.
· زيادات الصحابة بعضهم على بعض مقبولة باتفاق، وليست داخلة في هذا الباب[15].
(1) المستخرجات، ومنها:
· (المستخرج على مسلم) لأبي عوانة الإسفراييني (تـ: 316هـ).
· (المستخرج على البخاري) لأبي بكر الإسماعيلي (تـ: 370هـ).
· (المستخرج على كل منهما) لأبي نعيم الأصبهاني (تـ:430هـ).
(2) كتب السنن التي تعتني بذكر الأوجه المتعددة للحديث الواحد ، ومنها:
· (السنن الكبرى) للنسائي (تـ:303هـ).
· (السنن) للدارقطني (تـ:385هـ).
· (السنن الكبرى) للبيهقي (تـ: 458هـ).
(3) كتب العلل: ومن أشهرها:
· (العلل) لابن أبي حاتم الرازي (تـ: 327هـ).
· (العلل) الدارقطني (تـ: 385هـ).
** للمزيد حول مسائل (زيادة الثقة): انظر: معرفة علوم الحديث(ص130)، الكفاية للخطيب (ص424)، علوم الحديث (ص250)، التقريب للنووي (ص42)، النكت للزركشـي (2/174)، شرح علل الترمذي (2/ 638)، الشذا الفياح (1/192)، المقنع لابن الملقن (1/191)، التبصـرة والتذكرة (1/109)، التقييد والإيضاح (ص111)، النكت للحافظ (2/686)، فتح المغيث (1/260)، تدريب الراوي (1/285).
تعارض الوصل والإرسال والرفع والوقف
هذه المسألة تطبيق عملي وفرع أصيل عن مسألة زيادات الثقات؛ فإن الوصل زيادة بالنسبة للإرسال، وكذلك الرفع زيادة بالنسبة للوقف[16].
لغة: تَفَاعُلٌ من (العُرْضِ) -بِضَمِّ العَيْنِ- وهو: الناحية والجهة، وكأن الكلام المتعارض يقف بعضه في عُرْضِ بعض فيمنعه من النفوذ إلى حيث وُجِّهَ[17]، وعارضَ فلان فلانًا: ناقضه في كلامه وقاومه [18].
اصطلاحًا: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة[19].
والممانعة هنا معناها: أن (الوصل مع الإرسال)، أو (الوقف مع الرفع) كل منهما مقابل للآخر، ومعارض له، ومانع له حتى يثبت أحدهما.
صورته: أن يروي الراوي الحديث متصلًا ويخالفه غيره فيرويه مرسلًا، أو يرويه الأول مرفوعًا ويخالفه آخر فيجعله موقوفًا على الصحابي.
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَأُتِيَ بِطَعَامٍ، فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: «ادْنُوَا فَكُلَا» ، فَقَالَا: إِنَّا صَائِمَانِ، فَقَالَ: «اعْمَلُوا لِصَاحِبَيْكُمُ، ارْحَلُوا لِصَاحِبَيْكُمُ، ادْنُوَا فَكُلَا!».
هذا الحديث يرويه الأوزاعي، واختلف عليه:
1- فرواه سفيان الثوري، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي ﷺ مرفوعًا[20].
2- ورواه: محمد بن شعيب بن شابور[21]، والوليد بن مسلم[22]، ويحيى بن حمزة[23]، وغيرهم[24]، الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن النبي ﷺ مرسلًا، بدون ذكر أبي هريرة.
| الثوري | الأوزاعي | يحيى ابن أبي كثير | أبو سلمة | أبو هريرة | النبي ﷺ |
| محمد بن شعيب | |||||
| الوليد بن مسلم | أبو سلمة | ||||
| يحيى بن حمزة | |||||
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أن رَسُولَ الله ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا...».
هذا الحديث يرويه الأوزاعي، واختلف عليه:
(1) فرواه مُحَمد بن كثير[25] ومُبَشِّر بن إسماعيل[26] وعُقْبَةُ بن علقمة[27] عنه، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيْرَةَ (مرفوعًا).
(2) وخالفهم شعيب بن إسحاق[28]؛ فرواه عنه، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيْرَةَ (موقوفًا).
قال ابن أبي حاتم: (سألت أبي عن هذا الحديث، فقال: يروون هذا الحديث من حديث الأوزاعي مرفوعًا) [29].
كأنه يشير إلى أنه محفوظٌ مرفوعًا، وأن الرفع فيه زيادة مقبولة من ثقة، وقد تابع الأوزاعي على رفعه: (هشام بن أبي عبد الله الدَّسْتَوَائِيُّ) عند مسلم في الصحيح[30].
| مُحَمد بن كثير | الأوزاعي | يحيى بن أبي كثير | أبو سلمة | أبو هُرَيْرَةَ | النبي ﷺ |
| مُبَشِّر بن إسماعيل | |||||
| عُقْبَةُ بن علقمة | × | ||||
| شعيب بن إسحاق |
ليس في تعارض الوصل مع الإرسال، أو تعارض الوقف مع الرفع حكم مطرد بالقبول أو الرد؛ بل يرجح في كل حديث بحسب القرائن والملابسات المصاحبة له:
فإن ترجح كون الراوي قد حفظ ما لم يحفظه غيره: فهي زيادة من الثقة مقبولة.
وإن ترجح كونها وهمًا جرى على صاحبها بمقتضيات البشـرية: كانت شاذة مردودة[31].
· (بيان الفصل لما رجح فيه الإرسال على الوصل) لابن حجر (تـ:856هـ).
· (مزيد النفع لمعرفة ما رجح فيه الوقف على الرفع) لابن حجر.
** للمزيد حول مسائل التعارض: انظر: الكفاية (ص409)، علوم الحديث لابن الصلاح (ص 228)، شرح التبصـرة والتذكرة (1/ 227)، النكت لابن حجر(1/100)، (2/663، 695)، النكت الوفية للبقاعي (1/426)، فتح المغيث (1/214)، الغاية في شرح الهداية (ص177)، توضيح الأفكار (1/308)، التنكيل للمعلمي (2/771)، أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء (ص232).
مسائل المزيد في متصل الأسانيد:
لغة: (المزيد) من الزيادة، و(المتصل) ضد المنقطع، و(الأسانيد) جمع إسناد.
اصطلاحًا: زيادة راو خطأ في إسناد متصل [32].
مثاله: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ ثَلَاثًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».
هذا الحديث يرويه مالك بن أنس، واختلف عليه على أوجه:
الأول: عنه عن سَعِيد المَقْبُرِي، عن أبي هُرَيْرَةَ. قاله (عبد الله بن مَسْلَمَة[33]، وعبد الرحمن بن مهدي[34]، والشَّافِعِي[35]، وسائر رواة الموطأ).
الثاني: عنه عن المَقْبُرِي، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ. قاله (بشر بن عمر الزهراني) [36].
وعند النظر، يتّضح أن المقبري من المكثرين من الرواية عن أبي هريرة، وعن والده كيسان عن أبي هريرة؛ فسماعه منهما صحيح مشهور، والإسناد متصل على كل حال.
ولكن سائر الرواة عن مالك لا يذكرون والد سعيد في الإسناد؛ وزيادة (عن أبيه) خطأ على مالك، والإسناد متصل بدونها كما قال الحافظ[37].
| بشر بن عمر الزهراني | مالك | سَعِيد المَقْبُرِي | أبوه | أبو هُرَيْرَةَ | النبي ﷺ |
| عبد الله بن مَسْلَمَة | سَعِيد المَقْبُرِي | ||||
| عبد الرحمن بن مهدي | |||||
| الشَّافِعِي، وسائر رواة الموطأ | |||||
(1) أن يكون هناك زيادة راو في موضع أو أكثر.
(2) أن تكون الزيادة مرجوحة.
(3) أن يكون الإسناد الناقص متصلًا بدون هذه الزيادة.
(4) أن توجد قرينة تدل على سلامة السند الناقص من الانقطاع؛ كالتصـريح بالسماع في هذا الموضع، أو نص النقاد على أن الوجه الناقص هو المحفوظ.
فإن قامت قرينة على أن الراوي سمع الحديث من الشيخ على الوجهين، فلا مانع من قبولهما جميعًا[38]، والأمر كله راجع لاجتهاد العلماء.
· (تمييز المزيد في متصل الأسانيد) للخطيب البغدادي (تـ: 463هـ).
** للمزيد حول مسائل (المزيد في متصل الأسانيد): انظر: علوم الحديث لابن الصلاح (ص481)، التقريب للنووي (ص91)، الباعث الحثيث (ص176)، شرح علل الترمذي (2/637)، المقنع لابن الملقن (2/ 486)، الشذا الفياح (2/477)، التقييد والإيضاح (ص289)، شرح التبصـرة والتذكرة (2/116)، نزهة النظر (ص117)، فتح المغيث (4/ 74)، تدريب الراوي (2/661)، فتح الباقي (2/ 184)، توجيه النظر للجزائري (2/ 595).