المنكر
لغة: اسم مفعول من (أنكر)، وأصله في اللغة: عدم المَعْرِفَةِ الَّتِي يَسْكُنُ إِلَيْهَا القَلْبُ[1]، ومنه قوله تعالى: ﱡﭐ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﱠ [يوسف: 58].
اصطلاحًا: مخالفة الراوي الضعيف للثقة.
يفترق المنكر عن الشاذ -بحسب ما استقر الاصطلاح- في: (وصف الراوي)؛ فراوي الشاذ مقبول، وراوي المنكر ضعيف[2].
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَحَلْقُ العَانَةِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ».
هذا الوجه يرويه سَعِيد المَقْبُرِي، واختلف عليه:
(1) فرواه عبد الرحمن بن إسحاق[3] عنه، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه مرفوعًا.
(2) ووراه مالك بن أنس عنه[4]، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه موقوفًا.
وكما هو ظاهر، فإن مخرجه ومداره واحد (سعيد المقبري) وقد رُوي عنه (مرفوعًا): تفرد به (عبد الرحمن بن إسحاق) وهو متكلم فيه، وروي (موقوفًا) من طريق الإمام (مالك).
فهذه مخالفة من الضعيف للثقة؛ فحديث الضعيف منكر، وحديث الثقة معروف.
قال الإمام الدارقطني: (الصواب ما رواه مالك)[5][6].
| عبد الرحمن بن إسحاق | سَعِيد المَقْبُرِي | أبو هُرَيْرَةَ | النبي ﷺ | |
| مالك | سَعِيد المَقْبُرِي | أبوه | × | |
حكمه:
الحديث المنكر حديث ضعيف مردود؛ لاجتماع وصفين فيه:
· ضعف راويه.
· مخالفة الثقات.
يقابل الحديث المنكر: الحديث (المعروف)[7]، ويعني: الرواية الرجحة، والمعروف معروف حتى ولو لم تخالفه رواية منكرة، وإنما يستدل العلماء على نكارة الرواية بمخالفتها للمعروف من الروايات.
(1) استعمال المنكر عند النقاد المتقدين أوسع وأشمل مما استقر عليه الاصطلاح؛ فيطلق عندهم على مخالفة الثقة لمن هو أوثق، وكذا على تفرده بما لا يحتمل، وكذلك على تفرد الضعيف بلا مخالفة، وكذا على مخالفته الثقات[8]؛ فالذي استقر عليه الاصطلاح في الواقع هو تخصيص (المنكر) ببعض صوره.
(2) إطلاق المعروف في مقابل المنكر هذا الذي استقر عليه الاصطلاح، ولكن وقع في كلام النقاد مقابلته بالمحفوظ، والأمر في ذلك واسع.
ومن ذلك، أن الدارقطني رحمه الله سئل عن حديث: «ليس بكاذب من أصلح بين الناس فقال خيرًا أو نمى خيرًا»، فقال:
(روى هذا الحديث عبد الوهاب بن أبي بكر، عن الزهري: وهذا منكر؛ ولم يأت بالحديث المحفوظ الذي عند الناس)[9].
** للمزيد حول مسائل (المنكر): انظر: علوم الحديث (ص244)، التقريب (ص41)، الاقتراح (ص17)، المنهل الروي (ص51)، الموقظة (ص42)، النكت للزركشـي (2/155)، التقييد والإيضاح (ص105)، النكت لابن حجر (2/ 674)، نزهة النظر (ص86)، فتح المغيث (1/249)، تدريب الراوي (1/276).
لغة: ما فِيهِ عِلَّةٌ، والعلة: المرض[10].
اصطلاحًا: الحديث الذي اطُّلِع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها[11].
سبب خفي قادح في الحديث، يظهر بتتبع الطرق والمقارنة بينها[12].
العلة تقع في الإسناد -وهو الأكثر- كما تقع في المتن.
حديث أنس رضي الله عنه في قصة قدوم ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ رضي الله عنه على رَسُولِ الله ﷺ، وفيه: «قال : أيكم محمد؟ ورسول الله ﷺ متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا له : هذا الأبيض المتكئ ، فقال له الرجل : يا ابن عبد المطلب، فقال له ﷺ: قد أجبتك...».
هذا الحديث يرويه سَعِيد المَقْبُرِي، واختلف عليه:
(1) فرواه عُبَيْد الله العُمَرِي[13] وأخوه عبد الله العمري[14]، عن سَعِيد المَقْبُرِي، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
(2) وخالفهم الليث بن سعد[15]؛ فرواه عن سَعِيد المَقْبُرِي، عن شريك بن أبي نمر، عن أنسرضي الله عنه.
قال أبو حاتم الرزاي: (هَذَا وَهَمٌ؛ حديث رواه الليث أشبه)[16]. وقال الدارقطني: (وهموا فيه على سَعِيد، والصواب ما رواه الليث بن سعد)[17].
فالوجه الأول معل مع أن طريق (عبيد الله العمري) متصل رجاله ثقات، وقد قبل العلماء أحاديث كثيرة بهذا الإسناد، وقد انضم إليه رواية (عبد الله) على ضعفه.
لكنه بجمع الطرق ظهرت العلة القادحة؛ وأن الحديث حديث أنس رضي الله عنه، ولذلك أخرج البخاري هذا الوجه دون غيره.
| عُبَيْد الله العُمَرِي | سَعِيد المَقْبُرِي | أبي هُرَيْرَةَ | النَّبِيُّ ﷺ | |
| عبد الله العُمَرِي | ||||
| الليث بن سعد | شريك بن أبي نمر | أنس | ||
حديث الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ بِالأُولَى مِنْ صَلاَةِ الفَجْرِ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الفَجْرِ، بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ».
هذا الحديث اختلف فيه على الزهري:
(1) فرواه شُعيب بن أبي حمزة[18]، ومعمر بن راشد[19]، وعمرو بن الحارث[20]، وغيرهم، عن الزهري، به.
(2) ورواه مالك -منفردًا- عن الزهري: أن الاضطجاع قبل سنة الفجر، وليس بعدها[21].
فهذا الحديث قد وقع فيه الخلاف بين الإمام مالك وسائر رواة الحديث عن الزهري رحمه الله؛ وهذه علة في المتن.
قال البيهقي رحمه الله: (كذا قاله مالك، والعدد أولى بالحفظ من الواحد...)[22].
وقال ابن حجر رحمه الله: (خالفه أصحاب الزهري عن عروة؛ فذكروا الاضطجاع بعد الفجر، وهو المحفوظ)[23].
· تخريج الحديث تخريجًا موسعًا.
· المقارنة بين الأوجه التي روي بها الحديث.
· حصر أوجه الاتفاق والاختلاف بين الرواة.
· تمييز تفردات الرواة، ومخالفاتهم.
· النظر في مكانة كل راوٍ من الحفظ والضبط والإتقان، والتمكن من حديث هذا الشيخ.
قال الخطيب البغدادي رحمه الله: (السبيل إلى معرفة علة الحديث: أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط)[24].
أجناس العلل كثيرة ومتشابكة، وقد سبقت الإشارة إلى أن منها ما يقع في الإسناد وما يقع في المتن، وسبق معنا بحث عدة أجناسٍ للعلة –هي الأكثر شيوعًا- في هذا الباب[25].
ومما يكون منها في الإسناد:
(1) تعارض الوصل والإرسال.
(2) تعارض الرفع والوقف.
(3) المزيد في متصل الأسانيد.
(4) المقلوب من الأسانيد.
ومما سبق من أجناس العلة في المتن:
(1) القلب في المتون.
(2) الإدراج الواقع في متن الحديث.
(3) زيادة الثقة لفظة في المتن.
وقد نص العلماء على أن المعلل يشملها إذا كان الحديث من روايات الثقات.
· (العلل) ليحيى بن معين (تـ: 233هـ).
· (العلل) لعلي بن المديني (تـ: 234هـ).
· (العلل) لأحمد بن حنبل (تـ: 241هـ).
· (المسند المعلل) ليعقوب بن شيبة (تـ: 262هـ).
· (العلل) للترمذي (تـ: 279هـ).
· (العلل) للخلال (تـ: 311هـ).
· (العلل) لابن أبي حاتم الرازي (تـ: 327هـ).
· (العلل) للدارقطني (تـ: 385هـ).
** للمزيد حول مسائل (المعلّ): انظر: معرفة علوم الحديث (ص112)، علوم الحديث لابن الصلاح (ص259)، التقريب للنووي (ص43)، المنهل الروي (ص52)، الموقظة (ص52)، النكت للزركشـي(2/204)، المقنع لابن الملقن (1/211)، التقييد والإيضاح (ص115)، النكت لابن حجر (2/710)، نزهة النظر (ص70)، فتح المغيث (1/273)، تدريب الراوي (1/304)، تحرير علوم الحديث (2/1027).