التحمل
لغة: أَخْذُ الشيء والالتزام به وبمشاقه إن وجدت، ومنه: (الحَمْل)، أي: الطفل في بطن أمه[1].
اصطلاحًا: أَخْذُ الطالب الحديثَ عن الشيخ بطريق من الطرق المعتبرة.
و(التحمل) وسيلة معروفة في كافة العلوم التي تعتمد على التلقي، ولا يختص بعلوم الحديث؛ فكل من أخذ علمًا عن غيره فقد تحمَّله.
يصح أخذ الحديثِ من العلماء إذا بلغ الآخذُ السنَّ التي تجعله يُميّز ويَعِي ويتقن ما يسمعه، ويضبطه ضبطًا صحيحًا يجعله يؤدِّيه وينقله إلى من بعده على صورته الصحيحة، دون زيادة أو نقص[2].
وما نُقل من الخلاف في هذا الباب لا يخرج عن مراعاة هذا الضابط؛ فالكل يبحث عن السن التي تؤهل المتحمل لهذه المهمة.
سئل الإمام أحمد: (متى يجوزُ سماعُ الصبيِّ للحديثِ؟ فقال: إذا عَقَلَ وضبط)[3].
ومن العلماء من حد ذلك بخمس سنين، واستدل على ذلك بــ: حديث محمود ابن الربيع رضي الله عنه، قال: (عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ)[4].
قال الذهبي: (ولا دليلَ فيه؛ والمعتبَرُ فيه إنما هو أهليةُ الفهم والتمييز)[5].
قال ابن الصلاح: (والذي ينبغي في ذلك أن نعتبرَ في كلِّ صغيرٍ حاله على الخصوص، فإن وجدناه مرتفعًا عن حال ِمَن لا يَعقل؛ فَهْمًا للخطاب وردًّا للجواب ونحو ذلك: صحَّحنا سماعَه وإن كان دونَ خمس ٍ، وإن لم يكن كذلك: لم نُصححْ سماعَه وإن كان ابن خمس، بل ابنَ خمسين)[6].
حكم ما تحمله الراوي في حال صغره أو كفره:
ما تحمله الصبي المميز والكافر حال كفره مقبول إذا أدَّياه بعد البلوغ والإسلام؛ فإن الإسلام والبلوغ شرطان في الراوي لتثبت له العدالة اللازمة لقبول مروياته، وهذه العدالة شرط عند الأداء، وليس عند التحمل.
قال ابن دقيق العيد: (تحمُّل الحَدِيث لَا يشْتَرط فِيهِ أَهْلِيَّة الرِّوَايَة؛ فَلَو سمع فِي حَال صغره أَو حَال كفره أَو فسقه ثمَّ روى بعد بُلُوغه أَو إِسْلَامه أَو عَدَالَته قُبِل، وَمِمَّا علم أَن الصَّحَابِيّ تحمله قبل الإِسْلَام ثمَّ رَوَاهُ بعد الإِسْلَام: حَدِيث جُبَير بن مطعم أَنه سمع النَّبِي ﷺ يقْرَأ فِي الْمغرب بِالطورِ[7])[8].
طرق التحمل هي: الوسائل والكيفيَّات التي يتلقى بها الرواة الأحاديث عمن فوقهم، وهي ثمان طرق مشهورة، ولكل منها ألفاظ وصيغ تدل عليها، تسمى: (صيغ الأداء) [9].
صورتها: أنْ يحدث الشَّيْخُ مِنْ حفظه أو مِنْ كتابه؛ إما إملاءً على الطلاب بغرض الكتابة، أو تحديثًا مجردًا من غير إملاء، والأول أرفع وأضبط، ويصحَّان جميعًا من الحفظ أو الكتاب.
وربما استعان المحدث بـ (المُسْتَمْلِي) وهو: من يردد الكلام بصوت عالٍ ليسمعه من بَعُدَ في الحلقة.
حكم الرواية بها: جائزة باتفاق، وهي أرفع الطرق.
الصيغ المعبرة عنها: حدثني، حدثنا، سمعت، أخبرني، أخبرنا، أنبأنا، قال لنا.
وهي القراءة على الشيخ أو عرض القراة.
صورتها: أنْ يقرأَ التِّلْمِيذُ أو أحد الحضور حفظًا أو من كتاب، والشيخُ يتابع من حفظه أو من كتاب، أو يتابع أحد الطلبة وينبه الشيخ على الخطأ.
حكم الرواية بها: جماهير العلماء على جوازها، وهو الصحيح[10]، ولكنها أقل من السماع عند الجمهور[11].
الصيغ المعبرة عنها:
· قرأت على فلان، قُرئ على فلان وأنا أسمع، حدثنا أو أخبرنا قراءة عليه.
· تختص القراءة بـ (أخبرنا)، وأما (حدثنا)، ونحوها ففي السماع.
· تجوز بكل هذا، وكذلك: حدثنا، وسمعت، ولا يشترط بيان كونها قراءة.
فهذه ثلاثة أقوال، أقواها هو الثالث[12].
قُدِّمَت المكاتبة على ما بعدها؛ لاشتهار العمل بها منذ عهد النبي ﷺ والصحابة والتابعين.
صورتها: أن يكتب المحدث إلى الطالب شيئًا من حديثه، ويبعثه إليه.
حكم الرواية بها: تجوز الرواية بها وعليه العمل، شريطة أن يثِقَ المكتُوبُ إليه بخط الشيخ، أو نسبته إليه[13].
الصيغ المعبرة عنها: كتب إليَّ فلان، قال: حدثنا فلان، أو أخبرني فلان مكاتبة، أو كتابة.
صورتها: أن يأذن الشيخ للطالب أن يروي عنه حديثا أو كتابًا أو كتبًا، من غَيْرِ أنْ يسمع ذلك منه أو يقرأه عليه؛ كأن يقول له: أجزتُ لك رواية صحيح البخاري عني.
حكم الرواية بها: تجوز الرواية بها عند الجمهور، ولا يثبت فيه الإجماع[14]، وهذا فيما إذا كانت الاجازة من معيَّن لمعيَّن في معيَّن؛ بأن يقول له: هذا الكتاب أرويه أنا فاروه عني[15].
الصيغ المعبرة عنها: أخبرني فلان إجازة، أو أجازني فلان، أو أنبأنا إجازة، وكل ما يدل على الاجازة.
صورتها: أن يعطي الشيخ التلميذ كتابًا أو صحيفة ليقوم برواية ما أعطاه إياه.
حكم الرواية بها: تجوز الرواية بها عند الجمهور[16]، بشـرط أن تكون مقرونة بالإذن بالرواية[17].
الصيغ المعبرة عنها: أخبرنا فلان مناولة، أو أنبأنا مناولة، وكل ما يدل عليها.
صورتها: أن يُعْلِم الراوي الطالبَ أن هذا الحديث أو هذا الكتاب قد سمعه من فلان؛ سواء أذن له في روايته، أم لا.
حكم الرواية بها: تجوز الرواية بها بشرط الإذن بذلك، أو أن يكون للطالب من هذا الشيخ إجازة عامة؛ مثل أن يقول له: أجزت لك رواية مروياتي، أو أجزت لجميع المسلمين رواية مروياتي[18].
الصيغ المعبرة عنها: أعلمني فلان أن فلانًا حدثه.
صورتها: أن يوصي المحدث لشخص أن تدفع إليه كتبه عند موته أو سفره.... إلخ.
حكم الرواية بها: الجمهور على أنه لا تجوز الرواية بها إلا أن تكون مقترنة بالإذن بالرواية، أو أن يكون للطالب إجازة عامة من الشيخ؛ فتكون شبيهة بالمناولة[19].
الصيغ المعبرة عنها: أوصى إليَّ فلان، أو أخبرني فلان وصية، أو وجدت فيما أوصى إليَّ فلان: أن فلانًا حدثه بكذا وكذا.
صورتها: أن يعثر الراوي على كتاب أو حديث أو صحيفة بخط شخص بإسناده.
حكم الرواية بها: تصح الرواية بها إن كان الواجد تلميذًا لصاحب الكتاب.
أما إذا لم يدرك الواجد الشيخ، فهذه مجرد حكاية عما وجده في الكتب، وليست من طرق التحمل[20].
وينبغي فيها: الوثوق بنسبة الكتاب نسبة صحيحة إلى صاحبه بشهادة أصحاب الخبرة، أو بشهرة الكتاب إلى صاحبه، أو بسند الكتاب، أو بغير ذلك من الطرق المشتهرة في علم التحقيق.
الصيغ المعبرة عنها: وجدت في كتاب فلان، أو بخط فلان: حدثنا فلان، أو قرأت بخط فلان: حدثنا فلان.