معرفة الصحابة
لغة: من (صحب) الدال على القرب والاقتران[1]، ويقع لغةً على: من صحب أقل ما يطلق عليه اسم صحبة، فضلًا عمن طالت صحبته[2].
اصطلاحًا: من لقي النَّبِي ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام.
قال ابن كثير رحمه الله: (هذا قول جمهور العلماء خلفًا وسلفًا، وقد نص على أن مجرد الرؤية كاف في إطلاق الصحبة: البخاري وأبو زرعة، وغير واحد ممن صنف في أسماء الصحابة؛ كابن عبد البر، وابن منده، وأبو موسى المديني، وابن الأثير)[3].
· أن محبة الصحابة واجبة.
· أن منهج الصحابة واجب الاتباع.
· ليعرف لهم حقهم ومنزلتهم ومكانتهم.
· اتباع فهم الصحابة للكتاب والسنة؛ فلا بد من معرفتهم لنعرف بمن نقتدي.
معرفة المتصل من المرسل[4]؛ فما رفعه الصحابي فهو متصل، وما رفعه التابعي للنبي ﷺ فهو المرسل.
تعرف الصحبة بعدة طرق[5]:
(1) بنص القرآن الكريم؛ كما في قوله تعالى: ﱡﭐ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا ﱠ [الأحزاب:37].
(2) التواتر؛ كصحبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.
(2) الشهرة والاستفاضة؛ كصحبة عُكَّاشَةَ[6] بنِ مِحْصنٍ.
(3) إخبار صحابي آخر[7]؛ كصحبة ضِمَامِ بن ثَعْلَبَة، الوارد ذكره في حديث أنس رضي الله عنه عند البخاري[8].
(4) إخبار ثقة من التابعين[9]، ويشترط فيه:
· أن يصح السند إلى التابعي.
· أن يكون التابعي ثقةً مأمونًا.
(5) إخبار المرء عن نفسه بما يفيد صحبته قبل مائة سنة من وفاة النبي ﷺ[10]، شريطة أن يكون عدلًا ثقة[11].
ومن ذلك: ما أخرجه البخاري عَنِ الزُّهْرِيِّ: أن سُنَيْن -أَبِا جَمِيلَةَ- أَخْبَرَه: «أَنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَخَرَجَ مَعَهُ عَامَ الفَتْح»[12].
قال الخطيب البغدادي رحمه الله: (كُلُّ حَدِيثٍ اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ بَيْنَ مَنْ رَوَاهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَلْزَمِ العَمَلُ بِهِ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَةِ رِجَالِهِ، وَيَجِبُ النَّظَرُ فِي أَحْوَالِهِ، سِوَى الصَّحَابِيِّ الَّذِي رَفَعَهُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ؛ لِأَنَّ عَدَالَةَ الصَّحَابَةِ ثَابِتَةٌ مَعْلُومَةٌ بِتَعْدِيلِ الله لَهُمْ وَإِخْبَارِهِ عَنْ طَهَارَتِهِمْ، وَاخْتِيَارِهِ لَهُمْ فِي نَصِّ الْقُرْآنِ)[13].
ونقل ابن الصلاح رحمه الله الاجماع على ذلك[14].
قال الإمام أحمد رحمه الله: (ستة من أصحاب النبي ﷺ أكثروا الرواية عنه وعُمِّروا: أبو هريرة، وابنُ عمر، وعائشةُ، وجابرُ بن عبد الله، وابنُ عباس، وأنس)[15].
ويُعدّ مسند بقي ابن مخلد من أكبر دواوين السنة، وقد تناقل العلماء أعداد أحاديث الصحابة المكثرين فيه، فجاء ترتيبهم كالآتي[16]:
· أبو هريرة رضي الله عنها (5374) حديثًا.
· عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما (2630) حديثًا.
· أنس بن مالك رضي الله عنها (2286) حديثًا.
· أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها (2210) حديثًا.
· عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (1660) حديثًا.
· جابر بن عبد الله رضي الله عنهما (1540) حديثًا.
· أبو سعيد الخدري رضي الله عنها (1170) حديثًا.
وهذا العدد المذكور لكل منهم رضي الله عنهم داخل فيه المكرر من الروايات، بل ما لم تثبت صحته كذلك[17].
قال ابن حزم رحمه الله: (المكثرون من الفُتْيَا من الصحابة سبعة فقط، وهم: عمر، وابنه عبد الله، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود، وأم المؤمنين عائشة، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم)[18].
قال الحافظ رحمه الله: (هؤلاء أكثر الصحابة فتوى مطلقًا)[19].
وجعل الإمام أحمد رحمه الله أكثرهم على الإطلاق: عبد الله بن عباس رضي الله عنهما[20].
العبادلة مصطلح علمي خاص، إذا أطلق أريد به أربعة من الصحابة الكرام[21] وهم:
· عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما (تـ: 63هـ).
· عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما (تـ: 73 هـ).
· عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما (تـ: 73هـ).
· عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (تـ: 78هـ).
ومع أن مسمَّى (عبد الله) في الصحابة كثير إلا أن هذه اللقب صار علمًا على هؤلاء الأربعة فقط[22]؛ سئل الإمام أحمدرحمه الله: (ابن مسعود من العبادلة؟ قال: لا، ليس عبد الله ابن مسعود من العبادلة).
قال البيهقي رحمه الله: (لأن ابنَ مسعودٍ تقدم موتُه، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اجتمعوا على شيء قيل: هذا قولُ العبادلة، أو: هذا فِعلُهم)[23].
لا يوجد إحصاء دقيق لعدد الصحابة رضي الله عنهم ؛ وذلك لتفرقِهِم في البلدانِ[24].
ومع هذا فإن هناك إحصاءات لعدد الصحابة في بعض المشاهد يمكن من خلالها تقدير العدد الإجمالي لهم:
سُئِلَ أبو زرعة رحمه الله عن عدةِ مَن روى عن النبيِّ ﷺ فقال: (ومَنْ يَضْبِطُ هذا!! شهدَ معهُ حجةَ الوداعِ أربعونَ ألفًا، وشهدَ معهُ تبوكَ سبعونَ ألفًا)[25].
ورُوي عنهُ أيضًا: (قُبِضَ رسولُ اللهِ ﷺ عن مائة ألفٍ وأربعة عشـر ألفًا مِنَ الصحابةِ. فقيلَ لهُ: هؤلاءِ أينَ كانوا؟ وأينَ سمعوا منهُ؟ قالَ: أهلُ المدينةِ، وأهلُ مكةَ ومَنْ بينهما والأعرابُ، ومَنْ شهِدَ معهُ حجةَ الوداعِ، كلٌّ رآهُ وسمعَ منهُ بعرفةَ)[26].
الصحابةُ على طبقاتٍ باعتبارِ: سبقِهِم إلى الإسلامِ، أو الهجرةِ، أو شهودِ المشاهدِ الفاضلةِ. وقسَّمَهمُ الحاكِمُ رحمه الله إلى اثنتي عشرةَ طبقة[27].
الأولى: قومٌ أسلموا بمكةَ؛ كالخلفاءِ الأربعةِ.
الثانيةُ: أصحابُ دارِ الندوةِ.
الثالثةُ: مُهَاجِرَةُ الحَبَشَةِ.
الرابعةُ: أصحابُ العَقَبةِ الأُولى.
الخامسةُ: أصحابُ العَقَبةِ الثانيةِ، وأكثرُهم مِنَ الأَنصارِ.
السادسةُ: أولُ المهاجرينَ الذينَ وصلوا إليهِ ﷺ بِقُبَاءَ قبلَ أنْ يدخلَ المدينةَ.
السابعةُ: أهلُ بدرٍ.
الثامنةُ: الذينَ هاجروا بينَ بدرٍ والحُدَيْبِيَةِ.
التاسعةُ: أهلُ بيعةِ الرِّضْوَانِ.
العاشرةُ: مَنْ هاجرَ بينَ الحديبيةِ وفتحِ مكةَ؛ كخالدِ بن الوليدِ، وعمرِو بنِ العاصِ.
الحاديةَ عشر: مُسْلِمَةُ الفَتْحِ.
الثانيةَ عشر: صِبْيَانٌ وأطفالٌ رأَوْا رسولَ اللهِ ﷺ يومَ الفتحِ، وفي حجةِ الوداعِ، وغيرهما؛ كالسَّائبِ بنِ يزيدَ.
أجمعَ أهلُ السنةِ على أنَّ أفضلَ الصحابةِ على الإطلاقِ: أبو بكرٍ، ثمَّ عمرُ رضي الله عنهما.
ثم اختلفوا في عثمان وعلي؛ فالجمهور على تقديم عثمان رضي الله عنه، وأنَّ ترتيبهم في الأفضليةِ كترتيبهم في الخلافةِ، قال ابن الصلاح رحمه الله: (وتقديمُ عثمانَ هو الذي استقرتْ عليه مذاهبُ أصحابِ الحديث وأهل السنة)[28].
روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: (كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ رَسُولِ الله ﷺ؛ فَنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، ثُمَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَرضي الله عنهم )[29].
اختلف العلماء في أول الصحابة إسلامًا على الإطلاق على أقوال متعددة[30]:
فقيل: أولهم خديجة رضي الله عنها.
وقيل: علي بن أبي طالبرضي الله عنه.
وقيل: أبو بكر رضي الله عنه.
وقيل: زيد بن حارثة رضي الله عنه.
قال ابن الصلاح رحمه الله: (الأوْرَعُ أن يقال: أولُ من أسلم من الرجال الأحرار: أبو بكر، ومن الصبيان: علي، ومن النساء: خديجة، ومن الموالي: زيد، ومن العبيد: بلال)[31].
أَبُو الطُّفَيْل عَامرُ بن وَاثِلَة اللَّيْثِي رضي الله عنه، مات بمكة سنة 100هـ، وقيل: 102هـ، وقيل: 107هـ، وقيل 110هـ[32] ، [33].
أشهر المصنفات في معرفة الصحابة:
· (معرفة الصحابة) لابن منده (تـ: 395هـ).
· (معرفة الصحابة) لأبي نعيم (تـ: 430هـ).
· (الاستيعاب) لابن عبد البر (تـ: 463هـ).
· (أُسْد الغابة) لابن الأثير (تـ: 630هـ).
· (الإصابة في تمييز الصحابة) لابن حجر (ت: 852هـ).