حجم الخط:

محتوى الدرس (30)

معرفة التابعين

تمهيد:

فرق بين ثبوت هذا الشـرف للتابعي وبين صحة حديث الراوي واتصاله عن الصحابي؛ فيكتفى في ثبوت الرتبة للراوي إذا ثبت لقياه أحد الصحابة رضي الله عنهم، ولكن لا يحكم لحديثه عنه بالاتصال إلا إذا ثبت سماعه منه[1].

جامع مسائل التابعين:

تعريف التابعي:

هو من لقي صحابيًّا، ومات على الإسلام[2].

ولا يشترط فيه طول الملازمة، أو السماع[3]؛ فرؤية الصالحين لها أثر عظيم، فكيف بالصحابة منهم[4].

قال العراقي رحمه الله: (الراجح الذي عليه العمل: قول الحاكم وغيره في الاكتفاء بمجرد الرؤية دون اشتراط الصحبة؛ وعليه يدل عمل أئمة الحديث)[5].

فائدة معرفة التابعين:

معرفة التابعين أصل في التمييز بين المرسل والمسند، والمتصل والمنقطع[6].

طبقات التابعين:

من نظر إلى التابعين على أنهم الذين لقوا الصحابة =جعلهم طبقة واحدة كما فعل ابن حبان[7]، ومن نظر إلى تفاوتهم في الفضل جعلهم طبقات[8]؛ فالتابعون عند الإمام مسلم -مثلًا على ثلاث طبقات[9]، وأما الحاكم فقد جعلهم خمس عشرة طبقة[10].

ويمكن إجمال أسباب تَفَاوُتِ طبقاتهم وتمايزهم في أمور:

· لقيا بعضهم لِقُدَمَاءِ المهَاجِرِينَ.

· إدراك زمن النبوة.

· الرواية عن العشرة المبشرين بالجنة.

· رِوَايَةِ الصَّحَابَةِ عَنْهُمْ.

· التّصَدِّي لِلْفَتْوَى[11].

ذكر المخضرمين:

(المخضرم) بفتح الراء أو بكسرها: الذي أدرك الجَاهِلِيَّة -قَبْلَ الْبَعْثَةِ- وعاصر رَسُولَ الله ﷺ -بعد البعثة- ولكنه لَمْ يَرَهُ بَعْدَ البَعْثَةِ، أَوْ رَآهُ لَكِنْ غَيْرَ مُسْلِمٍ، وَأَسْلَمَ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَهُ؛ ومنهم: سَعْدُ بْنُ إِيَاسَ، وسُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ الكِنْدِيُّ، وأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ رحمهم الله[12].

فائدة معرفة المخضرمين:

هذه الطبقة من التابعين قريبة العهد جدًا بالنبي ﷺ، وما رووه مباشرة عنه ﷺ وإن كان مرسلًا، إلا أنه قريب جدًا من الاتصال[13]، وانجباره أقرب من مرسل غيره؛ لأن غالب مروياتهم عن الصحابة رضوان الله عليه.

ذكر الفقهاء السبعة:

(الفقهاء السبعة) لقب علمي اشتهر به جماعة من كبار التابعين ممن صاروا مرجع الناس في الفتوى، وكلهم مِنْ أَهْلِ المدِينَةِ:

سعيدُ بْنُ المسَيِّبِ، وَالقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَخَارِجَةُ ابْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ.

واختلف في السابع؛ فقيل: سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وقيل: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابنِ عَوْفٍ، وقيل: أَبو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ[14].

أفضل التابعين:

أما من الرجال؛ فقد اختُلف في ذلك على أقوال:

· سعيد بن المسيِّب رحمه الله: وهذا قول أهل المدينة وأحمد بن حنبل.

· أبو عثمان النهدي، وقيس بن أبي حازم: روى هذا أيضًا عن الإمام أحمد.

· الحسن البصري: وهذا قول أهل البصرة.

· أويس القرني: وهذا قول أهل الكوفة[15].

قال العراقي رحمه الله: (الصوابُ ما ذهبَ إليهِ أهلُ الكوفةِ، لحديث: «إنَّ خيرَ التابعينَ رجلٌ يقالُ لهُ: أُويسٌ»[16] فهذا الحديثُ قاطعٌ للنِزاعِ، وأمَّا تفضيلُ أحمدَ لابنِ المسيِّبِ وغيرِهِ فلعلَّهُ لمْ يبلغْهُ الحديثُ، أوْ لَمْ يصحَّ عنهُ، أو أرادَ: الأفضليةَ في العلمِ لا الخيريةِ)[17].

وأما من النساء؛ فقد ورد عن أبي بكر بن أبي داود قوله: (سيدتا التابعين من النساء: حفصة بنت سيرين، وعَمْرة بنت عبد الرحمن)[18].

أشهر المصنفات في معرفة التابعين:

· المصنفات في معرفة التابعين غالبها مصنفات الطبقات، ومنها:

· (الطبقات الكبرى) لابن سعد (تـ: 235هـ).

· (طبقات الرواة) لخليفة بن خياط (تـ: 246هـ).

· (الطبقات) للإمام مسلم (تـ: 261هـ).

· (التاريخ وطبقات التابعين) لأبي حاتم الرازي (تـ: 275هـ).

· (الطبقات) للنسائي (تـ: 303هـ).

معرفة الثقات والضعفاء من الرواة

مشروعية الجرح والتعديل:

أجمع العلماء على مشروعية الكلام في الرواة جرحًا وتعديلًا، وقد دلت نصوص القرآن والسنة على أن ذلك من الواجبات الشرعية التي تقوم عليها الملة[19].

فمن النصوص الواردة في الجرح:

قوله تعالى: ﱡﭐ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6].

ومن السنة: ما ورد في قصة فاطمة بنت قيس لما خطبها معاوية وأبو الجَهْم رضي الله عنهما، واستشارت النبي ﷺ، فقال لها: «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ تَرِبٌ[20] لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ، وَلَكِنْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ»[21].

وفي التعديل: قوله ﷺ لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «نِعْمَ الرَّجُلُ أَنْتَ، لَوْ كُنْتَ تُكْثِرُ الصَّلاَةَ»[22].

قال الإمام النوويرحمه الله: (الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهو بستة أسباب... الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم؛ وذلك من وجوه منها: جرح المجروحين من الرواة والشهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين بل واجب للحاجة)[23].

أهميته:

هذا العلم فرع من علم الجرح والتعديل، وهو من أهم علوم الحديث وأعلاها وأنفعها؛ فلا طريق لمعرفة صحة الحديث وضعفه إلا بعد معرفة حال رواة الأسانيد[24].

فوائده:

(1) معرفة مراتب الرواة، ومن يُقبل حديثه ومن يُرد.

(2) معرفة من يَقبل حديثُه التقوية، ومن لا يَقبل حديثه الاعتضاد والانجبار.

(3) التمييز بين مراتب الثقات؛ وهذا مفيد جدًا عند الحاجة إلى الترجيح بين أوجه الحديث المتعارضة.

(4) ترتيب أصحاب الأئمة المكثرين على مراتب ودرجات.

أقسام الرواة إجمالا:

· الصحابة رضوان الله عليهم: وكلهم عدول ثقات لا يبحث عن أحوالهم.

· الثقات المتفق على توثيقهم: حديثهم مقبول، على اختلاف درجات القبول.

· الضعفاء المتفق على ضعفهم: وهؤلاء على قسمين:

الأول: الضعفاء ضعفًا محتملًا غير شديد: يُكْتب حديثهم للاعتبار في الشواهد والمتابعات.

الثاني: الضعفاء ضعفًا شديدًا: يكتب حديثهم لبيان ضعفه والتحذير منه.

· الرواة المختلف فيهم: وهؤلاء لا بد من توسيع البحث عنهم، وجمع كلام النقاد عليهم، وتطبيق قواعد الجرح والتعديل في شأنهم؛ للوصول إلى حكم راجح في حالهم.

· المجهولون الذين لا يعرف فيهم جرح ولا تعديل: وهؤلاء معدودون في الضعفاء؛ لعدم تحقّق أهليتهم للرواية.

ويمكن اختصار ما سبق في ثلاث صور للرواة:

الأولى: من يحتج به من الرواة.

الثانية: من يكتب حديثه في الشواهد والمتابعات.

الثالثة: من يترك حديثه، ولا يصلح حتى في الشواهد والمتابعات.

أشهر المصنفات فيه:

المصنفات في هذا المبحث على أنواع:

أولًا: المصنفات الخاصة بالثقات:

· (الثقات) للعجلي (تـ: 261هـ).

· (الثقات) لابن حبان (تـ: 354هـ).

· (تاريخ أسماء الثقات) لابن شاهين (تـ: 385هـ).

ثانيا: المصنفات الخاصة بالضعفاء:

· (الضعفاء) للبخاري (تـ: 256هـ).

· (الضعفاء والمتروكون) للنسائي (تـ:303هـ).

· (الكامل في ضعفاء الرجال) لابن عدي (تـ: 365هـ).

ثالثا: مصنفات عامة؛ تحتوي على جميع أصناف الرواة:

· (التاريخ الكبير) للبخاري (تـ: 256هـ).

· (الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم الرازي (تـ: 327هـ).

· (تهذيب الكمال) للمزي (تـ: 742هـ).

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة