حجم الخط:

محتوى الدرس (1)

أولا: تعريف التخريج:

التخريج لغة: يعود إلى كلمة (خرج) وهي نقيض (دخل)، وتعني: البروز والظهور؛ ومنه قوله تعالى: ﴿ وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ [النحل:78]، وقوله تعالى: ﴿ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا [الإسراء:13][1].

واصطلاحًا: عزو المتن إلى مصادره الأصلية التي يُروى فيها بالإسناد[2].

فيدخل في ذلك أي إسناد؛ سواء كان متصلًا أو منقطعًا، ولو تعليقًا أو بلاغًا؛ فالتخريج يدخل في كل ذلك.

و(العزو): النسبة؛ ومنه: قولهم: عَزَا الرجلَ إِلَى أَبِيهِ عَزْوًا: نَسَبَهُ إليه[3].

والمراد هنا: نسبة الحديث للكتاب الذي أورده مسندًا؛ فيقال مثلًا: أخرجه البخاري في صحيحه.

ثانيًا: تعريف علم التخريج:

التعريف

القواعد والآليات التي يتوصل بها إلى معرفة مكان الحديث في المصنفات، وضوابط صياغة التخريج.

الفرق بين التخريج وعلم التخريج:

· التخريج هو: البحث والدلالة على موضع الحديث في المصنفات المسندة.

· علم التخريج هو: الآلية المتَّبعة في عملية البحث والتفتيش والصياغة.

فالأول هو الفعل ذاته، والثاني هو الآلية المتَّبعة في هذا الفعل.

ثالثًا: إطلاقات التخريج، والمراد به في هذا الباب:

للتخريج إطلاقان مشهوران عند المحدثين:

الأول: جمع الأحاديث المسندة وتصنيفها في الكتب، وهو مرادف لـ (التأليف).

وهذا هو الأصل في التخريج؛ ومنه قول الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله: (فأما ما كان منها -الروايات- عن قوم هم عِنْد أهل الحَدِيث متهمون ... فلسنا نتشاغل بتخريج حَدِيثهمْ)[4].

وهذا الإطلاق هو المقصود في استعمال المتقدمين، وكافة المصنفات التي تروي المتون بالأسانيد داخلة في التخريج بهذا الإطلاق؛ فإن المصنِّف بتدوينه أحاديثه في مصنَّف يخرج ويبرز وينشر الحديث للناس بعد أن كان حبيس محفوظه أو أصوله.

الثاني: عزو الحديث إلى مصادره الأصلية.

وهو المقصود -غالبًا- في إطلاقات المتأخرين والمعاصرين، وهو المستعمل في الدراسات الحديثة، والبحوث الأكاديمية في علم التخريج، وعليه استقر الاصطلاح، وجرى عليه العمل.

ومن ذلك قول الإمام السيوطي رحمه الله في خطبة الجامع الصغير: (وبالغت في تحرير التخريج)[5].

قال المناوي رحمه الله: (بمعنى: اجتهدت في تهذيب عزو الأحاديث إلى مخرِّجيها من أئمة الحديث؛ من الجوامع والسنن والمسانيد)[6].

وهذا العزو بديل عن الرواية بالإسناد وفرع لها؛ يقول الخطيب التِّبْرِيزي رحمه الله: (وإني إذا نسبت الحديث إليهم كأني أسندت إلى النبي ﷺ ؛ لأنهم قد فرغوا منه، وأغنونا عنه)[7].

رابعًا: نشأة علم التخريج:

تمهيد:

انقضت القرون الثلاثة الأولى ولم يجاوز التخريج كونه: (جمع الأحاديث المسندة وتصنيفها في الكتب) على اختلاف مناهجها = التأليف.

ثم بدأ مسمى (التخريج) يجاوز طور التأسيس إلى طور التأكيد والتأييد، ويخطو نحو استقلاله كعلم له أسسه وقواعده؛ وقد مر ذلك بثلاثة مراحل:

المرحلة الأولى: (الاستخراج):

ومعناه: أن يعمد المصنف إلى كتابٍ حديثيٍّ، فيروي نفس الأحاديث الواردة فيه ولكن بأسانيده الخاصة، من غير طريق صاحب الكتاب؛ فيلتقي مع صاحب الكتاب في شيخه، أو فيمن فوقه، ولو في الصحابي[8].

ومن المصنفات التي حملت هذا الاسم:

· المستخرج على صحيح البخاري، لأبي بكر الإسماعيلي (تـ: 371هـ).

· المستخرج على صحيح الإمام مسلم، لأبي نعيم (تـ: 430هـ).

المرحلة الثانية: الإسناد والعزو:

وفيها تم الجمع بين الرواية بالإسناد والعزو إلى المصادر ولكن بصورة محدودة- وكأن مجرد رواية الحديث بالإسناد لم تعد كافية لقبوله، ما لم يكن مدعومًا بإيراد أحد الأئمة السابقين للحديث في مصنف من المصنفات المشتهرة.

وقد تجلت هذه المرحلة بوضوح في القرن الخامس الهجري؛ قال البيهقي رحمه الله (تـ: 458هـ): (فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه، ومن جاء بحديث هو معروف عندهم، فالذي يرويه اليوم لا ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره...) [9].

وسار رحمه الله على ذلك في مواضع كثيرة من «السنن الكبرى» [10]، و من «معرفة السنن والآثار»[11]، وكذلك فعل الإمام البغوي رحمه الله (تـ: 519هـ) في «شرح السنة»[12]، وغير واحد من المصنفين.

المرحلة الثالثة: الاقتصار على العزو:

وفيها اكتملت ملامح علم التخريج واستتمَّت دورته، واستقر على صورته الآن، واقتصر التخريج في هذه المرحلة على العزو إلى المصادر الأصلية؛ بسبب تدوين الأحاديث وجمع طرقها في المصنفات، وقلة أو انعدام- الاعتماد على الرواية.

ومن الشواهد على هذه المرحلة:

· تخريج ابن عبد الهادي (تـ: 744هـ) لأحاديث مختصر ابن الحاجب .

· تخريج الزيلعي (تـ: 762هـ) لأحاديث كتاب الهداية للمرغيناني (تـ: 593هـ).

ومن هنا جاء تقسيم علم التخريج إجمالًا إلى:

أ- التخريج بالرواية (ويتمثل في المرحلة الأولى).

ب- التخريج بالعزو والرواية معًا (ويتمثل في المرحلة الثانية).

ج- التخريج بالعزو (ويتمثل في المرحلة الثالثة).

خامسًا: موضوعه:

موضوع علم التخريج: الحديث -بمعناه الشامل- سندًا ومتنًا.

فيدخل فيه: تخريج الحديث القدسي، والنبوي، وأقوال الصحابة والتابعين...

سادسًا: أهمية علم التخريج وفوائده:

1- علم التخريج هو السبيل الأمثل لمعرفة أماكن روايات السنة في المصنفات المتكاثرة؛ تمهيدًا لدراستها والحكم عليها، واستخراج الأحكام منها.

2- كل علوم الحديث (علوم التخصص) منبثقة من جمع الطرق (التخريج)، ومن ثمَّ توظيفها للنقد؛ سواء نقد الروايات، أو نقد الرجال[13]، ومعرفة مناهج المحدثين.

سابعًا: فوائد علم التخريج:

1- بيان أيسر الطرق للوصول إلى النص في مصادره.

2- التَّعَرُّف على المصادر ومناهج مؤلفيها في الترتيب والانتقاء.

3- صقل المهارات المطلوبة للمتخصّص.

4- الوقوف على أحكام الأئمة التي سطروها عقب الروايات.

5- معرفة مواضع الخلل في الأسانيد؛ كالسقط، والتدليس، والإرسال، وتمييز المهمل، وتعيين المبهم، وزوال ما يُخشى من الرواية عمن اختلط، ومعرفة أخطاء النُّسَّاخ.

6- الوقوف على علل الروايات الخفية، ومعرفة الإدراج، والقلب، والاضطراب؛ في الإسناد والمتن.

7- معرفة كون الرواية رويت بنصها أو بمعناها، وكذلك تامة أم ناقصة.

8- معرفة سبب ومكان وزمان ورود الرواية.

ثامنًا: ثمرته:

للتخريج ثمرات عدة، وبعض ما ذكر في الفوائد صالح للتمثيل به هنا، ومن أهم ثمراته عدا ما ذكر:

معرفة صحيح الحديث من سقيمه، ومحفوظه من معلوله؛ سواء بدراسة أسانيد الرواية، أو عن طريق نصوص النقاد التي تبيّن درجة الحديث، وأحوال رجاله.

تاسعًا: فضل علم التخريج:

علم التخريج من أشرف العلوم الشرعية؛ لتعلقه بالأصل الثاني من أصول الإسلام =السنة النبوية، ويكفي التخريج فضلًا أنه طريق الاستيثاق من كل حديث، بالرجوع إلى مكان وجوده.

عاشرًا: استمداده:

يستمد علم التخريج من استعمالات الأئمة، وكيفية عزوهم الأحاديث، والكلام عليها في تخاريجهم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة