صياغة التخريج
(الصياغة) بكسر الصاد: مصدر صاغ يصوغ، بمعنى: هيَّأ الشيء وسبكه على مثال مستقيم، وَأَصْلحهُ على أَحْسَن تَقْوِيم [1].
ويمكن تعريف صياغة التخريج بأنها: تهيئة معلومات التخريج والتعبير عنها بصورة مستقيمة واضحة، مطابقة لواقع المصادر[2].
فإن مهارة المخرِّج: أن ينقل صورة الحديث في المصادر بحيث يتصورها القارئ وإن لم ير المصدر.
الفرق بين واقع التخريج وصياغته:
واقع التخريج يراد به: البحث والجمع، وأرشفة الطرق والروايات.
والمراد بالصياغة: سبك الطرق والتعبير عن المعلومات بالصورة الصحيحة.
1- إفهام القارئ وإقناعه بأحسن عبارة وأسهل أسلوب.
2- البعد عن الحشو والتطويل بما لا يفيد.
3- تحقيق مقاصد التخريج وفوائده.
4- التدليل على صحة النتائج فيما يتعلق بالتصحيح والإعلال والترجيح.
للتخريج أركان خمسة[3]:
الأول: الألفاظ الاصطلاحية في العزو.
الثاني: المصادر، وتوثيق النقل منها.
الثالث: الرواة.
الرابع: ختم المتابعات.
الخامس: البيانات.
الركن الأول: الألفاظ الاصطلاحية في العزو إلى المصادر:
أولًا: صيغ العزو إلى المصدر الأصلي:
(أخرجه - رواه - خرّجه – أسنده) وكلها ألفاظ متساوية لا فرق بينها، وإن كانت الأولى أكثرها استعمالاً، وتليها الثانية.
وتدل جميعًا على أن مصنِّف الكتاب روى الحديث بإسناده.
ثانيًا: صيغ العزو للمصادر الفرعية:
1- إذا كان المصدر الفرعي قد حكى إسناد المصدر الأصلي، فإن صياغة التخريج لها جانبان:
الأول: ذكر المصدر الأصلي وكذلك الوسيط، كالتالي: أخرجه مُسدّد (إتحاف الخيرة 1435)، ولا يصح أن أقول: والبوصيري في (إتحاف الخيرة) من طريق مُسدّد.
الثاني: يوضع المصدر الأصلي (مسند مُسدّد) في مكانه الطبيعي من التخريج، تمامًا كما لو كان منقولًا منه مباشرة، ولا يؤخر مطلقًا؛ بل نراعي وفاة مُسدّد وموضع متابعته، ولا نراعي وفاة البوصيري.
2- إذا كان المصدر الفرعي قد ذكر أن الحديث عند فلان من المصنّفين ولم يورد إسناده: فيقال هاهنا: (أورده، ذكره، ساقه، نقله فلان... وعزاه لـ/وعزاه إلى...)، ونحو ذلك. ويذكر ذلك بعد تمام مصادر التخريج؛ لتعذر معرفة المكان المناسب له في المتابعات، فيقال مثلًا: أخرجه أحمد، والطبراني من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، بلفظ كذا .... وعزاه السيوطي في الدر المنثور (1/300) لابن أبي حاتم.
إلا إذا ذكر المصدر الفرعي أنه من رواية فلان عن المدار، فإنه يدخل في مكانه في المتابعة -كما في الصورة الأولى- ولا يشترط ذكر كامل الإسناد.
الركن الثاني: المصادر، وتوثيق النقل منها:
أولًا: صياغة أسماء المصادر، وفيها يراعي الباحث:
1- التخفيف والاختصار في اسم المصدر؛ والعبرة في ذلك بما يدل على المصدر بيانًا كافيًا يحول دون التباس المصدر بغيره.
2- الالتزام بصيغة واحدة لكل مصدر؛ فلا يصح أن أقول مرة: أخرجه أحمد في المسند، ومرة: أخرجه أحمد في مسنده.
3- استعمال (أل) التعريفية وليس ضمير الغائب؛ فهذا أنسب وأكثر اطرادًا. فيقال: أخرجه الطبراني في (الدعاء)، ولا يقال: أخرجه الطبراني في (دعائه).
4- صياغة المصدر الذي له أكثر من اسم: تكون باختيار اسم والتزامه؛ فلا أقول مرة: أخرجه ابن جرير في (التفسير)، ومرة: ابن جرير في (جامع البيان).
5- يراعي في تسمية أصحاب المصادر: الالتزام باسم واحد لصاحب كل مصدر، واستعماله بنفس الكيفية في جميع البحث، مع مراعاة الاختصار والإفادة؛ فلا أقول مرة: أخرجه ابن المقرئ في (المعجم)، ومرة: أخرجه أبو بكر بن المقرئ في (المعجم)[4].
ثانيًا: ترتيب المصادر في التخريج:
للباحثين مناهج متعددة، ولا حرج في استعمال أي منها، بشرط الاطراد؛ ومن أشهر هذه المناهج:
1- الترتيب على وفيات المصنفين.
2- الترتيب على الصحة: فيقدم البخاري، ثم مسلم، ثم كتب الصحاح الأخرى؛ كصحيح ابن خزيمة، وابن حبان، ومستدرك الحاكم.
3- الترتيب بحسب المكانة: فيقدم البخاري، ثم مسلم، ثم السنن الأربعة (أبو داود – الترمذي – النسائي – ابن ماجة) ثم مسند أحمد...
4- الترتيب على المطابقة: وفيها يرتب الباحث المصادر بحسب مطابقة اللفظ الوارد في المصدر للَّفظ المُخَرَّج.
5- الجمع بين المكانة، وبين الترتيب على الوفيات: وفيها يقدم الباحث الكتب الستة، ثم يرتب ما عداها على الوفيات.
ثالثًا: الطرق المعلقات، والبلاغات:
الطريق (المُعَلّق) إذا وجد موصولًا في مصدر آخر –ولو نازلًا- فالعبرة بالإسناد الموصول؛ فيعزى للمصدر النازل، إلا إذا وجد في الطريق المُعَلّق شيء ليس في الموصول، فيذكر مع الموصول.
أما إذا لم يوجد موصولًا: فلا بد من ذكره، ويساق في مكانه من التخريج (المتابعة الخاصة به) بعبارة مناسبة تدل على كونه معلقًا مع نسبته إلى مصدره.
مثل: أخرجه الدارقطني في العلل (ج/ص) معلقًا من طريق فلان، أو: علقه الدارقطني، أو: ذكره الدارقطني معلقًا، أو: أخرجه الدارقطني معلقًا.
المراد هنا: المعلومات التي توثّق كون هذا النص في هذا المصدر؛ وذلك يشمل:
اسم الكتاب، وما يفيد من بيانات تدل على موضع الحديث في المصدر؛ سواء رقم الحديث، أو الجزء والصفحة، أو الكتاب والباب.
يراعى في هذا الركن أيضًا الاختصار والإفادة؛ وذلك من وجوه:
1- لا يشترط الالتزام بأسماء الرواة كما وردوا في الأسانيد، وإنما العبرة بما اشتهر به الراوي، ويميزه عن غيره.
2- ترتيب اللقب والكنية والاسم للراوي الواحد: لا ضابط له محدد، وإنما العبرة بالاطراد، والأشهر في الترتيب هو: الكنية، الاسم، اللقب، النسبة.
3- لا يلتزم بصيغ الأداء الواردة في الأسانيد؛ فإن التخريج يختلف عن الرواية، فالمخرِّج لا يروي بإسناده من طريق البخاري، وإنما يخبر القارئ أن البخاري أخرجه بهذا الإسناد، فإن احتجنا إلى التنبيه على رواية مدلس بالعنعنة: فيمكن أن ينبه على ذلك في البيانات بعد صياغة تخريج الطريق.
4- من لم يسم من المتابعين: يصاغ بما يدل على ذلك؛ فيقال: (أخرجه فلان، عن رجل) ونحو ذلك.
5- ترتيب الرواة المتابعين بعد جمعهم داخل الأقواس بعد قول الباحث: كلاهما، ثلاثتهم، أربعتهم (فلان، وفلان، وفلان): يكون بحسب ذكرهم في المتابعة؛ فالمتابع الأول يذكر أولًا، ثم الثاني...وهكذا.
6- مجيء متابعين مقرونين في مصدر واحد: إذا أخرج مصدرٌ الحديثَ من طريق راويين اشتركا في رواية الحديث عن الشيخ، وقرنهما في إسناد واحد = فالأصل أن المتابعات المقرونة تفرق؛ فلا يقول الباحث: أخرجه البخاري من طريق فلان وفلان؛ لأن هذا يفسد بيان المتابعات؛ وإنما يجعل الباحثُ لكل منهما متابعة مستقلة، يذكر فيها جميع المصادر التي روت الحديث من طريق كل منهما، فتعامَل هذه الصورة مثل غيرها، كأن كل منهما جاء في إسناد مستقل.
الركن الرابع: ختم المتابعات = جمع الرواة في المتابعة الواحدة:
والمراد بذلك: عدّ الرواة -إن كانوا يحتاجون إلى عدّ- ثم ختم المتابعة ببيان شيخهم.
فنقول: كلاهما، ثلاثتهم، أربعتهم...إلى عشرتهم (فلان، وفلان، وفلان) عن الأعمش، به.
فإن تجاوز العدد العشرة نقول:
جميعهم-أربعة عشر راويًا- (فلان، وفلان، وفلان .........) عن الأعمش، به، بنحوه.
1- المراد بالبيانات: بيان صفة رواية كل راوٍ، وما يكون من اتفاق أو اختلاف أو تفرّدات في الأسانيد والمتون.
2- اشتهر في هذا الباب أن يقال: (به) للأسانيد؛ يعني: أن الراوي روى الحديث بنفس الإسناد، فيقال: (به) اختصارًا، فإذا وصل الباحث إلى الرواة عن الصحابي: فلا يقول: (به)؛ لأن الإسناد انتهى، أما إذا خالف الراوي فزاد في الإسناد أو نقص: فلا بد من التصريح بالإسناد الخاص به، ولا يستقيم أن أقول: (به)، وأما بيان فروق: المتن فله ألفاظ تستعمل بحسب قرب اللفظ الوارد في المصدر وبعده عن اللفظ المخرج، ومن أشهرها:
· (بلفظه)، (بمثله)، (بتمامه): عند الاتفاق.
· (بنحوه)، (بألفاظ متقاربة)، (بلفظ قريب منه): عند الاختلاف القليل.
· (بمعناه): إذا اختلف اللفظان والمعنى واحد.
· (أثناء حديث طويل)، (ومعه قصة)، (مطوّلًا): إذا كان الحديث الأصلي فقرة في قصة طويلة في المصدر المخرّج منه.
· (مختصرًا)، (اقتصر على بعضه): إذا اقتصر المصدر على إخراج بعضه.
· (مفرّقًا): إذا كان الحديث في المصدر المُخرَّج منه مفرّقًا في عدّة مواطن، فنذكر هذه العبارة، ثم نُعدِّد تلك المواطن.
· (مع تقديم)، (مع تأخير) إذا اشتمل الحديث في المصدر المخرَّج منه على تقديم أو تأخير لبعض ألفاظه.
· فإذا كان التقديم أو التأخير يغير المعنى: فيقول المخرج: (الحديث بهذا السياق لم أجده، لكن أخرجه البخاري بلفظ: «...»).
3- موضع البيانات: بعد ختم المتابعة، بعد كلمة (به)، (بنحوه)؛ فليس هناك بيانات أثناء التخريج.
4- البيانات تكون على الرواة وليست على المصادر؛ فلا يقال: ورواية مسلم فيها كذا؛ تحاشيًا أن يكون لمسلم في هذا الطريق روايتان كل منهما عن راو مختلف، فيلتبس على القارئ.
5- ترتيب البيانات في المتابعة الواحدة، أو الوجه الواحد: يكون على ترتيب الرواة -المتابعين- فمثلًا: إذا كان عندنا حديث يرويه (الليث بن سعد، وعبد الله العمري، ومالك) ثلاثتهم عن سعيد المقبري... فما يوجد من فروق في المتن والإسناد في رواية (الليث) يوضّح أولًا، ثم ننتقل إلى (عبد الله العمري) ثم (مالك).