الطريقة الأولى: صياغة التخريج على المتابعات:
1- طريقة بسيطة غير معقدة، تعتمد على الرواة المتشاركين في الرواية عن نفس الشيخ، وإذا تدرب عليها الباحث بصورة جيدة فإنها تصبح آلية.
2- التخريج على المتابعات تخريج شامل يبدأ من الأسفل -من أول الإسناد- ثم يترقى طبقة طبقة حتى ينتهي إلى الصحابي؛ فلا يقسَّم على الأوجه أو الطرق التي روي بها الحديث، وإنما تسبك كلها تحت متابعاتها.
3- الفرق بين هذه الطريقة وبين باقي طرق صياغة التخريج: أن الباحث يلتزم في هذه الطريقة بالإسناد الأصل الذي بُني عليه التخريج، وأما فيما سواها فكل الطرق والأسانيد تدمج مع بعضها.
أولًا: يبدأ المخرِّج فيذكر الإسناد الذي اختاره ليبني عليه التخريج، واختيار هذا الإسناد يتوقف على نوع الدراسة التي يقوم بها الباحث؛ والدراسات على نوعين:
النوع الأول: دراسة أحاديث كتاب معين؛ مثل: دراسة أحاديث المنتقى لابن الجارود، فهنا سيكون إسناد ابن الجارود هو الإسناد الرئيس.
النوع الثاني: الدراسات الموضوعية؛ مثل: أحاديث الخيل في الكتب الستة.
فهنا يكون الباحث مخيّرًا في انتقاء الكتاب الذي يكون إسناده هو الإسناد الرئيس، ويضع لنفسه منهجًا يلتزم به؛ مثلًا: إذا كان الإسناد عند البخاري فهو الإسناد الرئيس، وإلا فمسلم، وهكذا.
ثانيًا: ننظرُ أولَ راوٍ، الذي هو صاحب الكتاب الذي أثبتنا إسناده واعتبرناه الإسناد الرئيس -البخاري مثلًا- فإذا وجدناه أخرج الحديث بهذا الإسناد في موضع آخر من الصحيح، نقول: أخرجه البخاري في (الموضع الثاني)، به، وكأن البخاري تابع نفسه.
ثالثًا: نبحث عن المصادر التي تروي الحديث من طريق البخاري (تمر به) فنثبتها، ويقال مثلًا: أخرجه البغوي في التفسير (...) من طريق محمد بن يوسف الفِرَبْرِي، عن البخاري، به.
رابعًا: ننظر في طبقة البخاري، هل شارك أحد البخاري في رواية هذا الحديث عن نفس الشيخ الذي روى عنه البخاري؟ فنذكر أسماءهم، ومصادر كل متابع = (المتابعون للبخاري).
ثم طبقة الرواة المتابعين لشيخ البخاري، ثم الذي يليه، إلى أن نصل إلى صحابي الحديث، فنذكر مَنْ رواه عنه من التابعين.
قال البخاري (1252): حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا ثابت، عن أنس رضي الله عنه، قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتقي الله واصبري...إنما الصبر عند الصدمة الأولى».
· تعيين الطبقات في هذا الإسناد:
أولًا: ننظر هل رواه المصنف (صاحب الإسناد الذي سيُبنى عليه التخريج) في مكان آخر بنفس الإسناد؟
فوجدنا أن البخاري أخرجه بهذا الإسناد في صحيحه برقم (1283)، فتكون الصياغة في هذه الطبقة كالتالي:
أخرجه البخاري (1283) بهذا الإسناد.
ثانيًا: هل رواه أحد من طريق البخاري، يعني: بإسناد يمر بالبخاري؟
فوجدنا أن ابن حزم أخرج الحديث في المحلى (3/371)، من طريق محمد بن يوسف الفِرَبْرِي، عن البخاري، به .
ثالثًا: هل هناك رواة آخرون يشاركون البخاري في رواية هذا الحديث بعينه عن آدم بن أبي إياس؟
فوجدنا أن البيهقي أخرجه في الكبرى (7208)، من طريق إبراهيم بن الحسين ابن ديزيل، عن آدم بن أبي إياس، به.
وآدم بن أبي إياس هو شيخ البخاري؛ فإذًا (إبراهيم) متابع للبخاري في رواية هذا الحديث عن شيخه آدم بن أبي إياس.
رابعًا: هل هناك رواة آخرون يشاركون آدم بن أبي إياس في رواية هذا الحديث عن شعبة؟
فوجدنا أن البخاري أخرجه برقم (7154)، وكذلك مسلم (926) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث.
وأخرجه مسلم (926)، من طريق عثمان بن عمر،
وأخرجه مسلم (926)، والترمذي (988)، من طريق محمد بن جعفر،
وابن حبان (2895) من طريق إبراهيم بن عيينة،
أربعتهم (عبد الصمد، وعثمان بن عمر، ومحمد بن جعفر، وإبراهيم بن عيينة) عن شعبة، به.
فيكون هؤلاء الأربعة متابعون لآدم بن أبي إياس في الرواية عن شعبة.
خامسًا: هل هناك رواة يشاركون شعبة في رواية الحديث عن ثابت؟
فنظرنا في أرشيف الطرق فلم نجد أحدًا روى هذا الحديث عن ثابت سوى شعبة؛ فهذا موضع تفرد.
سادسًا: هل هناك رواة يشاركون ثابتًا في رواية الحديث عن أنس رضي الله عنه؟
فوجدنا أن الترمذي أخرج الحديث (987) من طريق سعد بن سنان،
والطبراني في الأوسط (6244) من طريق عطاء بن أبي ميمونة،
كلاهما (سعد، وعطاء) عن أنس بن مالك، به.
فيكون هذان الراويان متابعين لثابت في رواية هذا الحديث عن أنس رضي الله عنه.
وهكذا يترقى المخرِّج من أدنى الإسناد إلى أعلاه، ويبحث عمن شارك كل راوٍ في رواية الحديث عن نفس الشيخ، ويجعل كل متابعة (كل طبقة) زمرة مستقلة.
· وهذا ملخص للمتابعات في الإسناد السابق[1]:
| الطبقة | الراوي | المتابعون له |
| الأولى | البخاري | البخاري (متابع لنفسه) وإبراهيم بن الحسين |
| الثانية | آدم بن أبي إياس | عبد الصمد بن عبد الوارث، وعثمان بن عمر، ومحمد بن جعفر، وإبراهيم بن عيينة |
| الثالثة | شعبة بن الحجاج | لا يوجد |
| الرابعة | ثابت البناني | عطاء بن أبي ميمونة، وسعد بن سنان |
| الخامسة | أنس بن مالك | شواهد الحديث |
· رواة الإسناد الذين لهم مصنفات مستقلة:
يكثر في الأسانيد الرواية من طريق مالك بن أنس، أو عبد الرزاق، أو غيرهما ممن له مصنف خاص.
فإذا جاء الباحث إلى طبقة الرواة عن مالك وأمثاله: فإنه يبدأ بعزو الحديث إلى موطأ مالك –إن وجد الحديث فيه- فيقول:
هو في الموطأ برقم (...)، وأخرجه من طريق مالك فلان، وفلان...
أو يقول: أخرجه البخاري (...)، وأحمد (...)، كلاهما من طريق مالك به، بنحوه، وهو عند مالك في الموطأ برقم (...).
فإن لم يجد الباحث أحدًا روى الحديث من طريق مالك، انتقل إلى المتابعة التالية، واكتفى بعزوه إلى الموطأ.
مثال تطبيقي تفصيلي على صياغة التخريج على المتابعات:
قال البخاري رحمه الله (2252): حدثني محمد بن محبوب، حدثنا عبد الواحد، حدثنا الأعمش، قال: تذاكرنا عند إبراهيم الرهن في السلف، فقال: حدثني الأسود، عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعاما إلى أجل معلوم، وارتهن منه درعًا من حديد).
* أخرجه البخاري (2509)، وأبو نعيم الأصبهاني في المستخرج على البخاري (ق65/ب، ق97/ب)، وابن حزم (8/558)، والبيهقي (11198)، وأبو نعيم الحداد في جامع الصحيحين (1742) من طريق مسدد بن مسرهد،
والبخاري (2068، 2386) عن معلى بن أسد العمي،
ومسلم (1603)، وإسحاق (1508) من طريق أبي هشام المغيرة بن سلمة المخزومي،
وإسحاق (1509)، وابن حبان (5938)، وأبو الحسن الحربي في الثاني من الفوائد المنتقاة (34)، وأبو نعيم الأصبهاني في المستخرج على البخاري (ق31/أ) من طريق بشر بن معاذ العقدي،
أربعتهم (مسدد، ومعلى بن أسد، وأبو هشام المخزومي، وبشر بن معاذ) عن عبد الواحد بن زياد العبدي به بمثله.
ورواية بشر بن معاذ فيها: (اشترى من يهودي طعاما إلى سنة).
* وأخرجه البخاري (2200)، ومسلم (1603)، والنسائي في الصغرى (4652)، وفي الكبرى (6380)، وابن ماجه (2436)، وابن أبي شيبة (21209)، وأبو نعيم الأصبهاني في المستخرج على البخاري (ق20/ب) من طريق حفص بن غياث،
والبخاري (2096)، ومسلم (1603)، والنسائي في الصغرى (4693)، وفي الكبرى (6422)، وإسحاق (1507)، وأحمد في المسند (24780)، وفي الزهد - رواية عبد الله (5)، والبزار (18/رقم322)، وأبو عوانة (5936)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (275)، وأبو نعيم الأصبهاني في المستخرج على البخاري (ق31/أ)، وابن الجوزي في التحقيق (1735) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم الضرير،
والبخاري (2916)، وابن الضريس في أحاديثه (ص3) ، وابن حبان (5936)، وأبو نعيم الأصبهاني في الخامس من الوخشيات (ق216/أ)، والبيهقي (11302)، والبغوي (2129)، والذهبي في معجم الشيوخ (912) من طريق محمد بن كثير العبدي،
والبخاري (4467)، وأبو عوانة (5938)، والبغوي (2129)، وأبو نعيم الحداد في جامع الصحيحين (4045) من طريق قبيصة بن عقبة،
وابن سعد (1/420)، وأحمد (26638)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (276)، وأبو نصر العكبري في حديثه - انتقاء الضياء (6)، وأبو نعيم الأصبهاني في الحلية (7/129)، والبيهقي في الكبير (11302)، وفي معرفة السنن (11705)، وفي دلائل النبوة (7/274)، وابن عساكر في معجم الشيوخ (1334)، وابن العديم في بغية الطلب (7/3464) من طريق يزيد بن هارون،
وابن سعد (1/420)، والخطيب البغدادي (2/134) من طريق أبي أحمد محمد بن عبد الله الزبيري،
وابن أبي شيبة (23454) عن وكيع بن الجراح،
وإسحاق (1557) عن عمرو بن محمد العنقزي،
والبجيري في المستخرج علي البخاري (ق6/أ)، والطوسي (1125) من طريق عبد الرحمن بن مهدي،
وأبو عوانة (5937) من طريق محمد بن يوسف الفريابي،
والميانجي في جزئه (ق133/أ) من طريق عبد الله بن أبان العجلي،
والدارقطني في العلل معلقا (8/256) عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي،
عشرتهم (محمد بن كثير، وقبيصة، ويزيد بن هارون، وأبو أحمد الزبيري، ووكيع، وعمرو العنقزي، وابن مهدي، والفريابي، وعبد الله بن أبان، وأبو حذيفة النهدي) عن سفيان الثوري،
والبخاري (2251)، وأبو عوانة (5940)، وابن المنذر (8347)، والبيهقي في الكبير (11301)، وفي الصغرى (2015)، والمهرواني في المهروانيات - تخريج الخطيب (63)، والبغوي (2130)، وقاضي المارستان في أحاديث الشيوخ الثقات (467)، والذهبي في تذكرة الحفاظ (2/132) من طريق يعلى بن عبيد الطنافسي،
والبخاري (2513)، وأبو نعيم الأصبهاني في المستخرج على البخاري (ق98/ب) من طريق جرير بن عبد الحميد الضبي،
ومسلم (1603)، وإسحاق (1506)، وابن الجارود (673) من طريق عيسى بن يونس،
ومحمد بن الحسن في الأصل (3/132) عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي،
وعبد الرزاق (14901) عن سفيان بن عيينة،
وابن أبي شيبة (21209)، وأبو الفضل الزهري في حديثه (269) من طريق محمد بن فضيل بن غزوان،
وأحمد (26574)، والدولابي (1322)، وأبو عوانة (5939)، وابن المنذر في الإقناع (97)، والإسماعيلي (فتح الباري 4/433) من طريق عبد الله بن نمير،
وأحمد (25911) عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة،
وابن عقدة في حديثه (ق12/ب) من طريق منصور بن أبي الأسود الليثي،
وأبو الشيخ الأصبهاني في أحاديثه (32)، والدارقطني في الأفراد (أطراف الغرائب 6004)، وأبو نعيم الأصبهاني في تاريخ أصبهان (1/373) من طريق زفر بن الهذيل،
والخطيب البغدادي (4/257) من طريق أبي خالد سليمان بن حيان الأحمر،
جميعهم -أربعة عشر راويا- (حفص بن غياث، وأبو معاوية، والثوري، ويعلى بن عبيد، وجرير، وعيسى بن يونس، وأبو يوسف القاضي، وابن عيينة، وابن فضيل، وابن نمير، وابن أبي زائدة، ومنصور بن أبي الأسود، وزفر، وأبو خالد الأحمر) عن سليمان بن مهران الأعمش به بنحوه.
ورواية حفص بن غياث، وأبي معاوية، وجرير، وأبي يوسف القاضي، وابن فضيل، وابن نمير، وابن أبي زائدة ليس فيها: (من حديد).
ورواية أبي معاوية، ويعلى بن عبيد، وأبي يوسف القاضي فيها: (بنسيئة) بدل: (إلى أجل معلوم).
ورواية الثوري فيما يرويه غير وكيع بلفظ: (توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي، بثلاثين صاعا من شعير)، وفيما يرويه يزيد بن هارون، وأبو أحمد الزبيري ليس فيها: (عند يهودي)، وفيما يرويه أبو أحمد الزبيري -عند ابن سعد- فيها: (بستين صاعا)، وفيما يرويه ابن مهدي فيها: (بعشرين صاعا من طعام أخذه لأهله)، وفيما يرويه عبد الله بن أبان ليس فيها: (بثلاثين صاعا من شعير).
ورواية الثوري فيما يرويه وكيع: عن مرزوق التيمي، عن إبراهيم، قال في الرهن في العينة: (توفي النبي ﷺ ودرعه مرهونة).
ورواية جرير، وعيسى بن يونس، وابن فضيل، وابن نمير، وابن أبي زائدة، وزفر، ليس فيها: (إلى أجل معلوم).
ورواية ابن عيينة بلفظ: (أن رسول الله ﷺ ابتاع من يهودي أصوعا من دقيق، ورهنه درعه).
ورواية أبي خالد الأحمر: عن الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت: (توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند أبي شحمة اليهودي).
ورواية الثوري فيما يرويه عبد الله بن أبان: عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها.
* وأخرجه الحارثي في مسند أبي حنيفة (786)، والدارقطني في الأفراد (أطراف الغرائب 6004)، وقاضي المارستان في مسند أبي حنيفة(جامع المسانيد 2/38) من طريق أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي،
وابن المظفر في الأول من حديثه (ق250/ب)، وعلي بن بلال في إعلام الأعلام (ص449)، وأبو نعيم الأصبهاني في مسند أبي حنيفة (ص80) من طريق محمد بن الحسن الشيباني،
كلاهما (أبو يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن) عن أبي حنيفة النعمان بن ثابت، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم بن يزيد النخعي به بمثله، دون قوله: (من حديد).
ورواية أبي يوسف القاضي ليس فيها: (إلى أجل معلوم).
ورواية محمد بن الحسن فيها: (نسيئة) بدل: (إلى أجل معلوم).
ورواية محمد بن الحسن فيها: عن الأسود، عن ابن عباس، بدل: عائشةرضي الله عنها.
الطريقة الثانية: صياغة التخريج على الأوجه = الخلاف:
هذه الطريقة تشبه ما يذكر في كتب الفقه المقارن؛ حيث تُذكرُ المسألة ثم أقوال العلماء واختلافهم ومذاهبهم فيها، ويحدد سبب اختلافهم، ثم الترجيح بينهم.
وتستعمل هذه الطريقة في الأحاديث التي وقع الاختلاف في أسانيدها أو متونها، وهي مناسبة جدًا للتخريج الموسع.
وعليها بنى الدارقطني رحمه الله تعالى كتابه «العلل».
1- ذكر الحديث محل التخريج، دون عزو.
2- عدم التقيد بإسناد معين.
3- تحديد الراوي الذي وقع عليه الاختلاف؛ وغالبًا ما يكون مدار الحديث الأساس، أو أحد مدارات الحديث الفرعيين.
فيقال: هذا الحديث يرويه الزهري، أو مداره على الزهري.
والعبارة الأولى أولى؛ لأن الباحث لم يُحط علمًا بجميع الروايات.
4- بيان أوجه الاختلاف عليه، أو عددها؛ فيقال:
واختلف عليه في وصله وإرساله، أو في رفعه ووقفه.
أو: واختلف عليه على وجهين.
أو: واختلف عليه في إسناده ومتنه:
أما الاختلاف في الإسناد فعلى وجهين:
الأول:
الثاني:
وأما الاختلاف في المتن فعلى ثلاثة أوجه:
الأول:
الثاني:
الثالث:
4- بيان من روى كل وجه عن المدار؛ سواء كان واحدًا أو أكثر، مع عزو رواية كل راوٍ إلى مخرجيها؛ فيقال:
الوجه الأول: عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
رواه عنه: معمر، وأخرجه من هذا الوجه البخاري (رقم الحديث).
الوجه الثاني:
الوجه الثالث:
مثال تطبيقي على صياغة التخريج على الأوجه:
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس؛ فقال: الحمد لله -فحمد الله بإذنه- فقال له ربه: رحمك الله يا آدم...».
هذا الحديث يروىه سَعِيد المَقْبُرِي، واختلف عليه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: سَعِيد المَقْبُرِي، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه مرفوعًا.
رواه الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُبَاب.
أخرجه من هذا الوجه: الترمذي في السنن (5/312)، والبزار في المسند (15/150).
الوجه الثاني: سَعِيد المَقْبُرِي، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه موقوفًا.
رواه أبو مَعْشَر نَجِيح بن عبد الرحمن.
أخرجه من هذا الوجه: ابن بِشْرَان في الأمالي (1/288).
الوجه الثالث: سَعِيد المَقْبُرِي، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه من قوله.
رواه الليث بن سعد، عن محمد بن عَجلان، عن المقبري.
أخرجه الآجري في الشريعة (2/ 857)، ومن طريقه ابن بطة في الإبانة (4/ 148-149).
الطريقة الثالثة: صياغة التخريج على المدارات:
· مدار الحديث أو مدار الإسناد هو:
الراوي الذي تلتقي عنده أسانيد ذلك الحديث وطرقه، أو هو الراوي الذي تتفرع من عنده الأسانيد.
ويتم معرفة مدار الحديث بجمع طرقِ الحديث، والنظر فيها مجتمعةً؛ لمعرفة الراوي الذي منه تفرعت كل الأسانيد = الراوي الذي ذكر في جميع الأسانيد، وعنه نُقل الحديث.
أنه أول رجل تكرر ذكره في جميع الأسانيد من جهة المصنف.
فمثلًا: عندنا حديث له عشرة أسانيد، تشترك كلها في صحابي واحد، هو أبو هريرة رضي الله عنه.
نظرنا فوجدنا هذه الأسانيد تشترك في الراوي عن أبي هريرة، وهو (سعيد المقبري) بحيث وجدناه مذكورًا في الأسانيد العشرة.
ثم نظرنا في الراوي بعد المقبري، فوجدنا أنه (الليث بن سعد)، ووجدناه كذلك مذكورًا في هذه الأسانيد كلها.
ثم نظرنا في الطبقة التي تلي طبقة الليث (تلاميذ الليث) فوجدنا أن تلميذه في ثلاثة أسانيد (محمد بن عجلان)، وتلميذه في ثلاثة أخرى (عبد الله بن وهب) وتلميذه في الأربعة الباقية (عبد الله بن المبارك).
إذن سيكون مدار الحديث في هذا الأسانيد كلها (الليث بن سعد) لأنه أول راوٍ تكرر في جميع الأسانيد من جهة المصنف، وكل الأسانيد تلتقي فيه وترجع إليه، ومنه تفرع الحديث إلى من بعده.
وأما (محمد بن عجلان) و(عبد الله بن وهب) و(عبد الله بن المبارك) تلاميذ (الليث) فكل منهم مدار فرعي لتلاميذه هو، والطرق التي تفرعت عنهم.
طريقة المدارات تستعمل غالبًا في التخريج المتوسط، وفي الأحاديث التي لا يكثر فيها اختلاف الرواة، وليست محلًا للعلل؛ كأحاديث الصحيحين.
وتصلح هذه الطريقة عند تخريج حديث معين مذكور بإسناده، وكذلك عند تخريج متن ورد بلا إسناد.
1- معرفة هل للحديث مدار واحد أم أكثر من مدار.
2- تحديد المدارات الأصلية والفرعية.
3- اقتصار الإسناد الذي يذكر في الصياغة على المدار ومن فوقه إلى الصحابي، دون ذكر الرواة الذين يروون عن المدار، أو من تحتهم إلا للحاجة.
4- ذكر المصدر الأول، ثم موضع الحديث فيه (رقم الحديث، الجزء والصفحة....)، ثم المصدر التالي، فالذي بعده...
5- ترتيب المصادر في هذه الطريقة يكون على ما يراه الباحث؛ سواء رتبها على الصحة ، أو الوفيات، أو غير ذلك.
6- بعد الفراغ من سرد المصادر يُجمعون على الراوي الذي اشتركت فيه جميع الأسانيد؛ فيقال: (جميعهم، كلهم، جميعًا...) من طريق فلان، عن فلان، عن الصحابي.
7- إذا كان مَنْ دون المدار موضع علة؛ فينبغي ذكره عند ذكر المصدر الذي أخرج روايته، ولا يقتصر في هذه الحالة على المدار.
8- قد يكون للحديث الواحد طرق متعددة ترجع لأكثر من مدار، فيُبدأ بتلخيص الطرق على المدار الأول، ثم ينتقل إلى المدار الثاني، ثم الأسانيد التي ليس لها إلا طريق واحد.
أمثلة على طريقة التخريج على المدارات:
أولًا: مثال على جمع التخريج على المدار الأصل:
حديث «لا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا في الدُّنْيَا»
هذا الحديث أخرجه الترمذي في السنن (2328) ، وأحمد في المسند (3579)، وفي الزهد (ص29)، وابن أبي الدنيا في إصلاح المال (24)، وأبو إسماعيل حماد بن إسحاق في تركة النبي (ص72)، والشَاشي في المسند (811) ، والحاكم في المستدرك (7910)، جميعًا: من طريق الأعمش ، عن شِمْر بن عطية ، عن المغيرة بن سعد، عن أبيه ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، أن النبي ﷺ قال : «لا تتخذوا الضيعة؛ فترغبوا في الدنيا».
ثانيًا: مثال على الإشارة للمدارات الفرعية قبل الوصول للمدار الأصل:
قَالَ الإمام البَزَّارُ رحمه الله:
حدثنا عُبَيْدُ بن إسماعيل الهَبَّارِيُّ، قال: حدثنا أبو أسامةَ، عن عُبَيْدِ الله، عن سعيدٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إن الله حَرَّمَ ما بين لَابَتَي المدينة –أحسبه قال -عَلَى لِسَانِي»، ثم جاء إلى بني حَارِثَةَ، فقال: «لا أُرَاكُمْ إلا قد خرجتم، ثم نظر فقال: بل أنتم فيه».
هذا الحديث أخرجه البخاري في (1869)، من طريق: سليمان بن بلال.
وأحمد في المسند (7844)، وابن أبي شيبة في المصنف (36224)، والبزار في المسند (8452)، ثلاثتهم (أحمد، وابن أبي شيبة، والبزار) من طريق: أبي أسامة حماد بن أسامة.
والطبراني في الأوسط (1736)، من طريق موسى بن عقبة.
ثلاثتهم (سليمان بن بلال، وأبو أسامة، وموسى بن عقبة صاحب المغازي): عن عُبَيْد الله بن عمر العُمَرِي عن سَعِيد المَقْبُرِي عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، بمثل حديث البزار، دون قوله: (أحسبه قال).
واقتصر ابن أبي شيبة على قوله: «إن الله حَرَّم على لساني ما بين لَابَتَي المدينة».
ثالثًا: مثال ذُكر فيه كامل الإسناد أثناء الصياغة؛ ليتدرب الطالب على الصياغة:
عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «رَغِمَ أَنْفُ رجل ذُكِرْتُ عنده فلم يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رجل دخل عليه رمضان ثم انْسَلَخَ قبل أن يُغْفَرَ له، وَرَغِمَ أَنْفُ رجل أدرك عنده أبواه الكِبَـرَ فَلَمْ يُدْخلاه الجنة».
أخرجه الترمذي في السنن (3545)، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقِي.
وأحمد في المسند (7451).
والبيهقي في الدعوات الكبير (172)، قال: أخبرنا أبو محمد بن يوسف، أخبرنا أبو سَعِيد بن الأعرابي، أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح.
ثلاثتهم (أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقِي، وأحمد بن حنبل، والحسن بن محمد ابن الصباح): عن رِبْعِيِّ بن إبراهيم بن عُلَيَّة.
وأخرجه البزار في المسند (8465)، قال: حَدَّثنا مُحَمد.
وإسماعيل بن إسحاق في فضل الصلاة على النبي (16).
والحاكم في المستدرك (2016)، قال: حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنبأنا أبو المُثَنَّى معاذ بن المُثَنَّى.
كلاهما (إسماعيل بن إسحاق، و معاذ بن المُثَنَّى): عن مُسَدَّد.
وأخرجه ابن حبان في الصحيح (908)، قال: أخبرنا عمر بن محمد الهمداني، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن بَزِيع.
ثلاثتهم (محمد بن عبد الملك -شيخ البزار- ومُسَدَّد بن مُسَرْهَد، ، ومحمد ابن عبد الله بن بَزِيع): عن بشر بن المُفَضَّل.
كلاهما (رِبْعِيُّ بن عُلَيَّة، وبشر): حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن سَعِيد المَقْبُرِي، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، به
واقتصر الحاكم على قوله: «رَغِمَ أَنْفُ رجل ذكرت عنده فلم يصل عليَّ».
كيفية الوقوف على أحكام الأئمة على الروايات:
هذه الخطوة ألصق بدراسة الحديث منها بعلم التخريج، ولكن لما كان جزء منها حاصل أثناء التخريج وجمع الطرق، رأيت من المناسب التذييل بها حتى يستفيد الباحث من جهده في مرحلة التخريج كاملًا.
وإن معرفة درجة الرواية صحة وضعفًا من الأهداف الكبيرة التي يجعلها المُخَرِّج نصب عينية.
ولذلك طريقان مشهوران:
الأول: دراسة ما يَجمع الباحث من أسانيد أثناء التخريج؛ ليخرج بحكم على الرواية.
الثاني: نص إمام من الأئمة على درجة الرواية أو درجة الإسناد.
ولما كانت أحكام الأئمة ونصوصهم هي المَعين الأساس الذي ينهل منه الباحث، ويتدرب من خلاله الطالب =كان لزامًا على المُخَرِّج أن يعرف الطريق لجمع هذه الأقوال، لاسيما وأنها ليست مجموعة ولا محصورة، وإنما هي منثورة في بطون الأسفار، وتحتاج في معرفتها والوقوف عليها صنعة ودربة، وملكة تنمو مع الأيام.
ويمكن وضع ضوابط عامة وأصولًا كلية يستأنس بها الباحث؛ ومن ذلك:
أولًا: الحرص على جمع أقوال الأئمة والنقاد
التي يجدها الباحث أثناء التخريج، وعقب الروايات والطرق؛ فهذا كنز ثمين يصعب على الباحث تداركه لو فات.
ثانيًا: الاجتهاد في معرفة مصنفات الإمام المراد
معرفة قوله، ومحاولة حصرها، وهذه المصنفات على ثلاثة أوجه:
1- المصنفات التي ألفها الإمام بنفسه.
2- المصنفات التي جُمعت من لفظه.
3- المصنفات التي استخرجت من مجموع تراثه.
فالأصل أن أول مكان لا بد أن يبحث فيه المُخَرِّج على حكم إمام من الأئمة هو كتبه الخاصة؛ فهي خزانة علمه ومنبع فوائده.
· فلا يستقيم -مثلًا- أن أخرِّج حديثًا من «سنن الترمذي» ولا أنتبه إلى أن الترمذي يعقب أحاديثه بالحكم عليها.
· وكذلك يفعل الطبراني في «المعجم الأوسط»، والبزار في «المسند».
· وكذلك أول مكان لا بد أن أطلب فيه أقوال أبي حاتم الرازي وأبي زرعة الرازي هو «علل ابن أبي حاتم».
· وأول مكان لمعرفة أحكام ابن معين هي «سؤالاته» الكثيرة.
· وكذلك ابن المديني في «علله» المشهورة.
· وأول مكان أطلب فيه أقوال الدارقطني لا بد أن يكون «علل الدارقطني».
· وكذلك البيهقي «السنن الكبرى».
· وكذا ابن حجر في «فتح الباري»، و «التخليص الحبير».
ثالثًا: مراعاة شرط الإمام في كتابه
ففي كثير من الأحيان يستفاد حكم الإمام على الرواية من شرطه العام في كتابه، ومثل هذا يحتاج تأملًا وخبرة وطول دراية.
ومن أدل الأمثلة على ذلك:
الكتب التي اشترطت الصحة؛ فمجرد ذكر الحديث فيها يحمل حكم الإمام على هذا الحديث غالبًا.
رابعًا: مراعاة منزلة الإمام في الفن
والمراد بذلك: الكتب المتخصصة في الفن الذي برع فيه الإمام مما جاء بعد عصره:
ومن خلال هذا الضابط يمكن الوقوف على أحكام كثير من الأئمة، من خلال نقل العلماء عنهم في الدراسات المتخصصة، كـ (كتب العلل) التي تعتني بالنقل عن المتقدمين؛ كـ «علل الترمذي»، والذي أكثر فيه من نقل أحكام الإمام البخاري رحمه الله على جملة كبيرة من الأحاديث.
خامسًا: كتب الجرح والتعديل التي تعتني بالحكم على بعض مرويات الراوي
أو إيراد عدد مما استُنْكر عليه، أو حمل فائدة تستحق الذكر.
وهذه طائفة فريدة من الكتب تعتني بالتدليل على درجة الراوي بذكر بعض أحاديثه التي أنكرت عليه.
ومن أشهر هذه الكتب:
1- المجروحين لابن حبان.
2- الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي.
3- الضعفاء الكبير للعقيلي.
فإذا أراد الباحث معرفة حكم واحد من هؤلاء الأئمة في حديث ظاهره الضعف = فعليه بطلبه في هذه الكتب وأمثالها.
سادسًا: الخدمات التي قام بها العلماء على كتب السنة
ومن ذلك:
«تلخيص الذهبي» على «مستدرك الحاكم»، الذي ناقش فيه الحاكم، وأودع فيه أحكامه الخاصة.
«تهذيب السنن الكبير» للذهبي أيضًا، والذي حكم فيه على كثير من أحاديث «السنن الكبرى» للبيهقي.
سابعًا: كتب التخاريج التي تعتني بالحكم على الحديث
وهذا النوع -فضلًا عن كونه خزانة لأقوال مؤلفه- خزانة وافية لأقوال النقاد وأحكامهم، تلك التي يستدل بها العالم أو يسترشد بها.
ومن ذلك: «التلخيص الحبير» لابن حجر، و «نصب الراية» للزيلعي.
ثامنًا: البرامج الحاسوبية والمواقع الإلكترونية
التي تعتني بجمع أقوال الأئمة على الأحاديث:
ومن أشهرها:
1- جامع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز.
2- موسوعة جامع الحديث النبوي.
3- موقع الدرر السنية.
4- موقع حديث.
أقوال النقاد لا حاجة لسبكها مع الطرق، وإنما محلها في الدراسة؛ فلا يقال: أخرجه الترمذي (...) وقال: (حسن صحيح)؛ فهذا مما يشوش على معرفة الطرق.