حجم الخط:

محتوى الدرس (49)

ومن العلماء من يقسمه إلى قسمين:

العموم المعنوي:

من العلماء من يقسم العموم من حيث طريق معرفة عمومه إلى لفظي ومعنوي.

فاللفظي هو المستفاد من الصيغ الآتي ذكرها، والمعنوي هو المستفاد من المعنى.

ومصطلح العموم المعنوي ليس شائعًا في كتب الأصول، ولكنه ورد في مؤلفات بعض المحققين منهم، كابن تيمية والزركشي والشاطبي، وأما أنواع العموم المعنوي فلا يخلو منها كتاب من كتب الأصول وإن لم يسمها بهذا الاسم.

ويمكن أن نعرف العموم المعنوي بأنه: (العموم المستفاد من طريق المعنى مع خصوص اللفظ الدال عليه من حيث الوضع).

أنواع العموم المعنوي:

1- العموم المستفاد بطريق الاستقراء:

ونعني به: القواعد الشرعية الثابتة باستقراء فروع الشريعة، مثاله: (الضرر لا يزال بمثله) (الضرورات تبيح المحظورات) (الضرورة تقدر بقدرها) (الميسور لا يسقط بالمعسور).

فهذه القواعد عرف عمومها بالاستقراء، مع أن النصوص الواردة في كل واحدة منها ليست عامة، لو أخذ كل نص منها على انفراد، ولكن لما استقرينا موارد الشـرع وجدنا فروعًا كثيرة تدل على صحة القاعدة وعمومها، فصيغت بلفظ عام ليسهل فهم أحكام الفروع منها.

2- العموم المستفاد من اللفظ الموجه لواحد من الصحابة:

الخطاب الموجه لواحد من الصحابة إن اقترن به ما يدل على الخصوصية فهو خاص بمن وجه إليه بلا خلاف، كقوله لأبي بردة: «اذبحها ولا تجزي عن أحد بعدك» [متفق عليه]، وإن لم يقترن به ما يدل على الخصوصية، فتذكر كتب الأصول خلافًا في عمومه.

مثاله: قوله لعمر حين أردا أن يشتري الفرس الذي وهبه: «لا تفعل»، وقوله في رجل وقصته دابته وهو محرم: «لا تقربوه طيبًا ولا تخمروا رأسه».

والظاهر أنهم لا يختلفون في عموم حكم الخطاب لجميع المكلفين الذين حالهم كحال ذلك الصحابي ولا يختلفون عنه في صفة ذات تأثير في الحكم.

ولكن الخلاف بينهم في أن عمومه بطريق النقل العرفي أو بطريق القياس.

فالذين قالوا إنه عام، أرادوا أن عمومه عرف بطريق العرف الشـرعي، فالأصل في التشريع العموم، ولا يخصص به فرد إلا بدليل قوي يدل على الخصوصية.

ويدل على ثبوت العرف الشرعي آيات كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ:28]، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴿١٠٧﴾ [الأنبياء:107]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158] ويؤيد ذلك الإجماع على الاستدلال بكثير من الأحاديث التي وجه الخطاب فيها لواحد من الصحابة بعد موت رسول الله .

والذين أنكروا عموم الخطاب الموجه لواحد من الأمة، قالوا: إن اللفظ من حيث الوضع خاص، فلا يصح دعوى العموم فيه، ولكنهم قالوا: يلحق به غيره من المكلفين ممن حاله كحاله بطريق القياس. ومع ذلك فإن القول بالعموم أولى؛ لأن القائل به لا يحتاج إلى البحث عن علة الحكم وتحققها في بقية المكلفين، بخلاف القول بالقياس، فإنه يحتاج إلى ذلك.

وقال إمام الحرمين: (لا ينبغي أن يكون في هذه المسألة خلاف؛ إذ لا شك أن الخطاب خاص لغة بذلك الواحد، ولا خلاف أنه عام بحسب العرف الشرعي).

وقال بعضهم: إن الخلاف معنوي؛ لأن القائلين بالعموم يجعلون الأصل العموم إلا أن يقوم دليل على الخصوص، والقائلين بالخصوص يقولون الأصل تخصيص الخطاب بمن وجه إليه إلا أن يقوم دليل العموم.

وقد بنى بعضهم على هذا الخلاف اختلافهم في بعض الفروع الفقهية، ومنها: حكم المحرم إذا مات، قال أكثر العلماء: إن الخبر الوارد في كيفية تكفينه يحمل على العموم، وهو قوله : «لا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبًا، وكفنوه في ثوبيه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» [أخرجاه في الصحيحين].

وقال بعض العلماء: إن الخبر خاص بذلك الصحابي دون غيره.

وهو منقول عن الشافعي.

3- عموم الخطاب الموجه للرسول للأمة:

الخطاب الموجه للرسول إن قام دليل على خصوصيته به فهو خاص لا يشمل الأمة، كقوله تعالى: ﴿ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ [الأحزاب:50] وكالخطاب بالزواج بأكثر من أربع: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ [الأحزاب:50] فإن الإجماع قائم على اختصاصه بالرسول ؛ لما ثبت أنه أمر غيلان حين أسلم وتحته عشر نسوة، أن يمسك منهن أربعًا ويفارق سائرهن.

وإن اقترنت به قرينة تدل على العموم فهو للعموم، كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1] فصيغة الجمع في قوله: (طلقتم) تدل على عموم الخطاب للأمة، وإن ابتدأ بخطاب النبي .

· واختلفوا في الخطاب الموجه للرسول الذي لم يقم دليل على اختصاصه به، ولا عمومه، هل يشمل الأمة كلها؟

مثاله: قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ [الأحزاب:1]، وقوله: ﴿ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ [الأحزاب:48] ونحو ذلك.

فهذا الخطاب وأمثاله مما لم ترد معه قرينة تدل على الخصوصية ولا على التعميم، قال بعض العلماء: إنه خاص بالرسول حتى يقوم دليل على العموم من قياس وغيره.

وقال آخرون: إنه عام حتى يقوم دليل على الخصوصية.

والذين قالوا إنه عام يحتجون بأن من عادة العرب توجيه الخطاب لكبير القوم والمراد جميعهم، والقرآن جاء بلغة العرب.

ويستدلون بالآيات الدالة على وجوب الاقتداء بالرسول واتباعه، كقوله تعالى: ﴿ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٥٨﴾ [الأعراف:158]، وكقوله: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر:7] وما في معناهما من الأحاديث، وإن هذه الأدلة أوجدت عرفًا شرعيًا يجب أن تحمل عليه خطابات الشارع.

والقائلون بالتخصيص بالرسول يقولون: إن اللفظ خاص من حيث الوضع اللغوي، فيبقى على خصوصه حتى تقوم دلالة على صرفه عن خصوصه من قياس أو غير ذلك.

وبهذا يتبين أن أثر الخلاف يظهر حين يفعل الرسول فعلاً على خلاف ما نهى عنه الصحابة، هل يكون فعله مخصصًا للعموم أو ناسخًا له؟ وذلك كما ثبت عنه من النهي عن استقبال القبلة واستدبارها في البنيان عند قضاء الحاجة، مع ما ثبت أنه استقبل القبلة.

فعلى القول بأن الأصل في الخطاب الموجه للرسول دخول الأمة، لا تردد في أن فعله يخصص العموم؛ لأنه لا يفعل إلا ما يجوز له فعله، وينسخ العموم إن جاء بعد العمل.

وعلى القول الآخر لا يعد فعله تخصيصًا ولا نسخًا حتى نعلم أنه فعل امتثالاً لخطاب عام.

ومن الأصوليين من لم يتنبه إلى اللازم من الخلاف، فظن أن الخلاف لفظي، أو مال إلى ترجيح القول بالخصوصية دون أن يلتزم بما يلزم منه مما ذكرته آنفًا.

4- عموم المفهوم:

وهو قسمان:

أ- مفهوم الموافقة: مثاله: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ [النساء:10] فالآية من حيث اللفظ حذرت من أكل مال اليتيم، ومن حيث المفهوم هي عامة في كل تصرف يفوِّت على اليتيم ماله، سواء أكان أكلاً أم لبسًا أم صدقة.

ب- مفهوم المخالفة: مثاله: قوله : «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث».

فمنطوقه خاص بما بلغ القلتين، ولا تعرض فيه لما نقص عن القلتين بالذكر، ولكن مفهومه يدل على أن كل ماء نقص عن القلتين يحمل الخبث، أي: يتنجس بملاقاة النجاسات وإن لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه، سواء أكان هذا الماء راكدًا أم جاريًا، وسواء أكان في إناء أم في بئر ونحوها.

وما ذكر من خلاف في عموم مفهوم المخالفة فهو خلاف لفظي عند القائلين بحجية المفهوم، نص على ذلك الآمدي وغيره.

5- عموم العلة المنصوصة أو المومأ إليها:

إذا نص الشارع على تعليل حكم بعلة متعدية توجد في المنصوص عليه وفي غيره، فإن هذه العلة تفيد عموم الحكم المعلق عليها لجميع الصور المشابهة للمنصوص عليها إذا وجدت فيها العلة. وكذلك إذا أومأ الشارع إلى العلة كأن يكون الوصف الذي رتب عليه الحكم لو لم يكن علة للحكم لكان ذكره عديم الفائدة.

مثال العلة المنصوصة: قوله : «إنما جعل الاستئذان من أجل البصـر» فالرسول علل الاستئذان على الناس في بيوتهم من أجل تحريم النظر إلى عورات الناس وما لا يودون الاطلاع عليه داخل بيوتهم.

فهذه العلة عامة في تحريم الاطلاع على عورات الناس، وما لا يحبون أن يطلع عليه الغرباء سواء أكان داخل البيت أم في أي حرز آخر، فلا يجوز لمن أذن له بالدخول في المجلس أن ينظر إلى ما في داخل غرف النوم، ولا يجوز له أن يطلع على ما خبأه صاحب البيت في صندوق أو محفظة ونحو ذلك بغير إذنه.

ومثال العلة المومأ إليها: قول الرسول حين سئل عن بيع الرطب بالتمر: «أينقص الرطب إذا جف؟» قالوا: نعم، قال: «فلا إذن». فالحديث أومأ إلى أن علة التحريم نقص الرطب عن التمر في الكيل، فأخذوا من ذلك تحريم بيع كل مطعوم بجنسه، مع التفاوت في الكيل، مع أن الحديث في الرطب، لكنه يمكن أن ينطبق على بيع الزبيب بالعنب، ونحو ذلك من الحبوب والثمار التي تؤكل رطبة وجافة، وكذلك قوله : «لا يقضي القاضي وهو غضبان» يشمل كل ما يمنع التروي في الحكم من جوع أو غضب أو غيرهما، كما سبق بيانه.

التقسيم الثاني: باعتبار استعماله في عمومه أو عدمه:

وينقسم إلى:

1- عام أريد به العموم قطعًا ولا يدخله التخصيص، كقوله تعالى: ﴿ ۞ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6]، وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٢٨٢﴾ [البقرة:282].

2- عام يراد به العموم ويدخله التخصيص، وهو المسمى بالعام المطلق أي الذي لم يقترن به ما يدل على تخصيصه ولا ما يدل على أنه غير قابل للتخصيص.

3- عام أريد به الخصوص، وهو الذي لفظه عام من حيث الوضع ولكن اقترن به دليل يدل على أنه مراد به بعض مدلوله اللغوي مثل قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران:173]، فلفظ الناس عام ولكنه لم يرد به عموم الناس بدليل قوله: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران:173] فدل على وجود أناس جمعوا، وأناس مجموع لهم، وأناس نقلوا الخبر للمجموع لهم. فلفظ الناس تكرر مرتين والمراد في الأولى نعيم بن مسعود أو ركب عبد القيس، والمراد في الثانية أبو سفيان ومن معه من الأحزاب.

الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص:

اهتم بعض الأصوليين بهذه المسألة وألف فيها رسالة مستقلة[1]، وأهم الفروق التي ذكروها ما يلي:

1- العام المخصوص حقيقة في الباقي عند كثير من العلماء، والعام الذي أريد به الخصوص مجاز.

2- العام المخصوص ما كان مخصصه لفظيًا، والمراد به الخصوص ما كان مخصصه عقليًا.

3- العام المخصوص ما كان مخصصه منفصلاً، والعام المراد به الخصوص ما كان مخصصه متصلاً.

4- العام المخصوص ما كان الباقي تحته بعد التخصيص أكثر، والمراد به الخصوص ما كان المخرج منه أكثر.

وهذا التفريق وان اهتم به بعض الأصوليين فإنه لا يترتب عليه عمل لأنهم كالمتفقين على أن العام المخصوص لم يرد به جميع أفراده منذ أن تكلم الله به كالعام المراد به الخصوص.

صيغ العموم المشتهرة:

[تمهيد]:

الألفاظ الموضوعة للعموم كثيرة جدًا فقد أوصلها القرافي في (العقد المنظوم) إلى مائتين وخمسين صيغة ولكننا سنكتفي في هذا المختصر بذكر الصيغ المشتهرة منها مع التمثيل لكل صيغة بآية أو حديث نبوي ما أمكن.

وقد اختلفت أساليب العلماء في تقسيم صيغ العموم؛ فمنهم من قسمها إلى قسمين ثم ذكر تحت كل قسم ما يتفرع عنه، ومنهم من قسمها إلى خمسة أقسام، ومنهم سردها سردًا من غير تقسيم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة