حجم الخط:

محتوى الدرس (56)

الاستثناء المتعقب للجمل:

[المراد به]:

إذا جاء الاستثناء بعد جمل عطف بعضها على بعض هل يعود للجميع؟

مثاله: قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴿٦٨﴾ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ﴿٦٩﴾ إِلَّا مَنْ تَابَ [مريم:68-70].

وهي من المسائل الكبيرة في الاستثناء، وهي محل خلاف.

تحرير محل النزاع:

1- لا خلاف في أن الاستثناء المتعقب جملاً إذا قامت قرينة تدل على أنه يعود إلى الجميع أو يعود إلى الأخيرة أو غيرها يعمل فيه بالقرينة، وإنما الخلاف فيما خلا عن قرينة تبين عود الاستثناء.

2- هل يقتصر الخلاف على ما كان العطف فيه بالواو؟ قال بعض العلماء ما يفيد ذلك، والصواب: أن الخلاف يشمل الجمل المتعاطفة بالواو وغيرها من حروف العطف التي تدل على التشريك، سواء أفادت مع ذلك الترتيب أو التعقيب أم لم تفده، فيدخل المعطوف بالواو والفاء وثم.

وأما حروف العطف الدالة على الإضراب أو الاستدراك مثل: (بل) و (لكن) فلا تدخل في الخلاف.

3- هل المراد بالجمل هنا: الجمل النحوية التامة المكونة من اسمين أو اسم وفعل؟

الظاهر من صنيعهم أنهم لا يريدون ذلك فحسب، بل كل ما فيه عطف ما يمكن دخول الاستثناء فيه على مثله، ولهذا نجدهم يمثلون أحيانًا بقولهم: أكرم بني تميم وبني زيد وبني عمرو إلا الجهال. وهذا من عطف المفردات لا من عطف الجمل.

وبذلك يتضح أن محل الخلاف يشمل الاستثناء الوارد بعد جمل أو بعد مفردات يمكن الاستثناء منها، ولا فرق بين أن يكون العطف بالواو أو غيرها مما يفيد التشـريك في الحكم، بخلاف ما لا يفيد ذلك. كما أن الخلاف مقتصر على ما لم تقم قرينة تبين عود الاستثناء فيه.

ومثال ما قامت عليه قرينة قوله تعالى: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ۚ [النساء:92]. فالاستثناء عائد إلى الجملة الأخيرة، أي: إلى الدية، فهي التي تسقط بعفو الأهل، وذلك لأن الكفارة حق لله فلا تسقط بعفو الآدميين.

وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ [البقرة:249]. فالاستثناء راجع إلى الجملة الأولى بدلالة السياق؛ لأن الذي اغترف غرفة ليس بعض من لم يطعم بل هو بعض من شرب.

الأقوال:

القول الأول:

أن الاستثناء يعود إلى الكل، وهو مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة[1].

دليله:

1- أن الشرط كالاستثناء في تعلقه بما قبله، ولهذا سمي التعليق بشـرط مشيئة الله استثناء، والشرط إذا تعقب جملاً متعاطفة عاد إلى الكل باتفاق، فيكون الاستثناء كذلك.

2- أن تكرار الاستثناء عقب كل جملة عِيٌّ ولكنة باتفاق أهل اللغة، فلم يبق طريق لإعادة الاستثناء إلى الكل إلا على القول بأنه يعود إليها من غير حاجة إلى تكراره.

3- أن العطف يوجب نوعًا من الاتحاد بين المعطوف والمعطوف عليه فتصير الجملتان كالجملة الواحدة، ولهذا لا يكرر العامل بل يكتفى بالعطف عنه، فيلزم اتحاد المعطوفات في الحكم اللاحق للأخيرة منها.

القول الثاني:

أنه يرجع إلى الجملة الأخيرة وحدها، وهو المشهور عن الحنفية.

واستدلوا بما يلي:

1- أن العموم يثبت في كل صورة بيقين، وعود الاستثناء إلى جميعها مشكوك فيه، والمتيقن لا يرفع بالشك.

2- أن الاستثناء وجب رده إلى ما قبله ضرورة عدم استقلاله، والضـرورة تقدر بقدرها، وهي تندفع بإعادته إلى الجملة الأخيرة فليقتصر على ذلك.

3- أن الجملة الأولى مفصول بينها وبين الاستثناء بالجملة التي بعدها، ولا يصح الفصل بين المستثنى والاستثناء.

القول الثالث:

التوقف حتى تدل قرينة على عود الاستثناء، وهو اختيار الغزالي.

[الترجيح]:

والصواب: الأول.

ويجاب عن أدلة الحنفية بما يلي:

قولهم: العموم متيقن، ممنوع، بل هو عندنا مظنون، وعود الاستثناء إلى الكل مظنون وليس مستوي الطرفين.

ثم إن ذلك يرد على الشرط، وهم لا يقولون فيه كذلك.

وقولهم: رد الاستثناء إلى ما قبله ضرورة، ممنوع، لأنه تعلق بما قبله لصلاحيته لذلك.

وقولهم: يلزم الفصل بين الاستثناء والمستثنى منه، يجاب بأن الفصل ليس بكلام أجنبي، وبأن المعطوف حكمه حكم المعطوف عليه.

انبنى على الخلاف في المسألة خلاف في فروع فقهية، منها:

1- القاذف المجلود إذا تاب هل تقبل شهادته؟:

ذهب الحنفية إلى رد شهادته، والجمهور إلى قبولها، وبني ذلك على الخلاف في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٤﴾ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [النور:4-5]، هل يعود الاستثناء إلى وصفهم بالفسق ورد شهادتهم؟

قال الجمهور: نعم؛ لأن الاستثناء المتعقب للجمل يعود للجميع، ولم يقولوا: إنه يعود أيضًا إلى الأمر بالجلد؛ لأن الجلد حق لآدمي فلا يسقط بالتوبة.

والحنفية قالوا: يرجع إلى الجملة الأخيرة وهي قوله: ﴿ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ = [النور:4]، فأما الجلد ورد الشهادة فلا استثناء منهما.

2- قوله تبارك وتعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٣٣﴾ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [المائدة:33-34]، فالاستثناء في قوله: (إلا الذين تابوا) هل يرجع إلى كل الجمل السابقة؟

على القول بعوده إلى الكل فإن من تاب من المحاربين قبل التمكن منه فلا حد عليه ولا إثم يوم القيامة ولا يؤاخذ بشيء.

وعلى القول بعوده إلى الجملة الأخيرة تكون التوبة مانعة من عذاب الآخرة، وأما الحد في الدنيا فيقام عليه.

وهذا القول ليس له قائل من العلماء المشهورين، وإنما اتفقوا على أنهم إذا تابوا قبل أن يؤخذوا سقط عنهم الحد، وبقي حق العباد في المال والقصاص، وهو مذهب أحمد، وقال المقدسي في العدة: (لا نعلم فيه خلافًا). وقال ابن كثير: (لا خلاف في سقوط القتل وقطع الرجل وأما قطع اليد ففيه خلاف).

ولعل من رآى أن من أخذ المال من المحاربين تقطع يده قاسه على السارق قياس الأولى.

واختلفوا فيما أتلفه المحاربون من المال هل يؤاخذون عليه فيلزمهم ضمانه؟

وبهذا يتبين أن الحنفية لم يطردوا قاعدتهم في عود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة، ولعلهم يقولون هذا مما قامت الدلائل على عوده إلى الكل.

3- قوله : «لا يؤُمَّنَّ الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه» [أخرجه مسلم].

قال الإمام أحمد: (الاستثناء يعود إلى الكل، فإذا أذن رب البيت في الجلوس في المكان المخصص له فلا بأس، وإذا أذن السلطان لغيره في الإمامة مع حضوره وقدرته جاز).

وهذا مذهب الجمهور.

وخالف بعضهم في عود الاستثناء إلى الجملة الأولى ومنع أن يؤم أحد بحضـرة السلطان أو الإمام إذا كان قادرًا على الإمامة.

4- إذا قال الرجل في وصيته: وقفت على بني زيد داري، وحبست على أقاربي ضيعتي إلا من فسق. فهل يعود الاستثناء إلى الكل؟

إن قلنا نعم، فالفاسق من بني زيد لا يستحق شيئًا، والفاسق من أقاربه كذلك، وإن قلنا يعود إلى الجملة الأخيرة فالفاسق من بني زيد يعطى ومن أقاربه لا شيء له.

ولهذا أمثلة كثيرة لا تنحصر في كلام الواقفين والموصين والحالفين وغيرهم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة