حجم الخط:

محتوى الدرس (60)

4- القياس:

[تخصيص القرآن والسنة بالقياس]:

وقد اختلف في تخصيص عموم القرآن والسنة بالقياس، على أقوال أهمها أربعة:

1- الجواز مطلقًا.

2- المنع مطلقًا.

3- جواز التخصيص بالقياس الجلي دون الخفي.

4- جواز التخصيص بالقياس إذا كان العام قد سبق تخصيصه.

والصواب: جواز تخصيص القرآن والسنة بالقياس الجلي دون الخفي، ونعني بالجلي ما كان بنفي الفارق بين الأصل والفرع، أو منصوصًا على علته.

ومثال التخصيص بالقياس الجلي: تخصيص عموم قوله تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ [النور:2]، بقياس العبد على الأمة والاكتفاء بجلده خمسين جلدة، وذلك أن الأمة ورد النص بأن حدها على النصف من حد الحرة، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ [النساء:25]، فيقاس العبد على الأمة لعدم الفارق بينهما، فيكون حده خمسين جلدة.

والدليل على جواز التخصيص بالقياس الجلي أن الصحابة قد اتفقوا على إلحاق العبد بالأمة في تنصيف الحد، وهو تخصيص بالقياس، وأيضًا فإن القياس الجلي بمنزلة النص ولا ينكره إلا مكابر.

ثمرة الخلاف:

من المسائل المتفرعة على هذا الخلاف ما يلي:

1- حكم الجاني إذا لجأ للحرم، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ [آل عمران:97]، فهذه الآية تدل بعمومها على أن كل من دخل الحرم كان آمنًا على نفسه، سواء أكان جانيًا قبل دخوله أم لم يكن كذلك.

والعلماء اختلفوا فيمن جنى خارج الحرم ثم لجأ إليه، هل يقتص منه في النفس؟ فذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى أنه لا يقتص منه داخل الحرم حتى يخرج، وعلى سكان الحرم أن يضيقوا عليه فلا يبايع ولا يؤاكل ولا يجالس؛ ليضطر إلى الخروج من الحرم فيقتص منه، أما الجناية فيما دون النفس فيقتص منه داخل الحرم.

وذهب مالك والشافعي إلى أنه يقتص منه في النفس وفيما دونها، واستدلوا بالقياس على من جنى داخل الحرم، فإن الأئمة متفقون على أنه يقتص منه.

والمسألة مبنية على الخلاف في تخصيص القرآن بالقياس، فالحنفية أنكروا تخصيص القرآن بالقياس؛ لأن هذا العموم محفوظ لم يسبق تخصيصه بقطعي فلا يمكن تخصيصه بالقياس.

والجمهور يرون التخصيص بالقياس إما مطلقًا وإما إذا كان جليًا، ولكن الإمام أحمد في هذا الفرع وافق أبا حنيفة في عدم الاقتصاص من الجاني إذا لجأ إلى الحرم بعد الجناية، مع أنه في الأصل يوافق الجمهور على جواز تخصيص القرآن بالقياس، وذلك لأنه وجد القياس الذي استدل به مالك والشافعي معارضًا لأقوال عدد من الصحابة، كعمر وابنه وابن عباس، فقدم أقوال الصحابة الموافقة للعموم من القرآن. وقد تكون مخالفته لأن القياس عنده لا يصح للفرق بين من جنى داخل الحرم ومن جنى خارجه ولجأ إليه؛ فإن الأول منتهك لحرمة الحرم والثاني معظم له.

2- تضمين السارق المال المسـروق إذا استهلكه أو هلك في يده، قال تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ۗ [المائدة:38].

اتفق العلماء على أن المال المسروق إذا وجد بعينه عند السارق وجب عليه رده لصاحبه، واختلفوا فيما إذا تلف المال عند السارق هل يضمنه؟

فذهب أبو حنيفة في المشهور عنه إلى أنه لا ضمان عليه، وذهب الشافعي وأحمد إلى وجوب الضمان، وفصل مالك وفرق بين الموسر والمعسر، فإن كان موسرًا ضمن وإلا فلا ضمان عليه.

وسبب الخلاف اختلافهم في تخصيص القرآن بالقياس.

فالحنفية قالوا لا يضمن ما أتلفه من المال المسروق؛ تمسكًا بعموم الآية: ﴿ جَزَاءً بِمَا كَسَبَا [المائدة:38]، و (ما) عامة في كل ما كسبته يداه من سرقة وإتلاف، وهذا العموم محفوظ غير مخصص فلا يقوى القياس على تخصيصه.

والذين قالوا بتضمينه خصصوا عموم الآية بالقياس على المغصوب، وقالوا كل ما وجب رد عينه وجب ضمانه كالمغصوب.

· وتفريق مالك بين الموسر والمعسر من قبيل الاستحسان.

5- الإجماع:

ولا خلاف في جواز التخصيص به، ومثله بعضهم بالإجماع على تخصيص العبد من عموم آية ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ [النور:2]، فيكون حده خمسين جلدة.

وإذا صح الإجماع فالمثال صحيح، ولا يشكل عليه أنه تخصيص بالقياس؛ إذ يقال إن القياس دليل الإجماع، وبعد حصول الإجماع لا ينظر إلى دليله، ويمكن أن يمثل له بالإجماع على جواز عقد الاستصناع فيكون ذلك الإجماع تخصيصًا لعموم الأحاديث الدالة على المنع من بيع وشرط، أو بيعتين في بيعة، وتخصيص قوله تبارك وتعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ۚ [النساء:12]، بالإجماع على أن المراد الأخ لأم والأخت لأم، وتخصيص قوله: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا [الحج:36]، بالإجماع على أن هدي جزاء الصيد لا يجوز أن يأكل منه.

6- المفهوم:

وهو قسمان:

1- مفهوم الموافقة: وهو إثبات مثل حكم المنطوق للمسكوت عنه الأولى منه أو المساوي.

ومثال التخصيص به: تخصيص حديث: «مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته» بمفهوم الموافقة في قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23]، فإن مفهوم الموافقة من الآية أن الابن لا يجوز أن يؤذي أباه بالشكوى إلى القاضي ولا يحل له عرضه أو معاقبته إذا ماطله في حق له.

2- مفهوم المخالفة: والمقصود به: إثبات نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه، ومثال التخصيص به: تخصيصهم حديث: «الماء طهور لا ينجسه شيء» [أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي بألفاظ مختلفة، عن ابن عباس وأبي سعيد]، بمفهوم حديث: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» [رواه أصحاب السنن عن ابن عمر رضي الله عنه وصححه ابن حبان والحاكم]، فمفهوم هذا الحديث: أن الماء إذا لم يبلغ القلتين يحمل الخبث، أي: يتنجس، ولو لم يتغير طعمه أو ريحه أو لونه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة