حجم الخط:

محتوى الدرس (63)

المطلق والمقيد

تعريفهما:

المطلق في اللغة: الخالي من القيد، يقال: أطلق البعير من قيده إذا خلاّه بلا قيد.

وفي الاصطلاح: الدال على الحقيقة من غير وصف زائد عليها.

وعرفه بعضهم بأنه ما دل على فرد شائع في جنسه.

ومثاله: النكرة في سياق الأمر، أي: المأمور بها، كما في قوله تعالى: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ۚ [المجادلة:3]، فالرقبة المأمور بها في الآية مطلقة لم توصف بقيد زائد على حقيقة جنس الرقبة.

والمقيد: ما تناول معينًا أو موصوفًا بوصف زائد على حقيقة جنسه.

فالمقيد إذًا نوعان:

الأول: المعين، كالعَلَم والمشار إليه.

الثاني: غير المعين الموصوف بوصف زائد على معنى حقيقته.

وهذا النوع الأخير مقيد باعتبار، ومطلق باعتبار، ومثاله: قوله تعالى: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92]. فالرقبة المذكورة في الآية مقيدة بالإيمان، ولكنها مطلقة من حيث الذكورة والأنوثة، ومن حيث الكبر والصغر، فيكون اللفظ مطلقًا باعتبار ومقيدًا باعتبار، وهو يختلف عن المطلق الذي لا تقييد فيه.

حمل المطلق على المقيد:

الدليل الشرعي المطلق إذا لم يرد ما يقيده يجب حمله على إطلاقه، كما أن العام إذا لم يرد ما يخصصه يجب حمله على عمومه.

وإذا ورد ما يدل على تقييد المطلق وجب حمل المطلق على المقيد.

والمراد بهذا المصطلح (حمل المطلق على المقيد) أن المجتهد إذا نظر في الدليل فوجده من حيث وضعه اللغوي مطلقًا، ولكنه وجد دليلاً آخر في اللفظ أو في لفظ آخر مستقل يقيد إطلاق ذلك المطلق، وجب عليه أن يفهم المطلق على ما يقتضيه دليل التقييد.

فالحمل معناه: الفهم، وحمل المطلق على المقيد، معناه: فهم الدليل المطلق لفظًا على ما يقتضيه الدليل المقيد له فيكون المعنى الشرعي المقصود من المطلق هو المعنى المقصود من المقيد.

اللفظ المطلق في موضع المقيد في موضع آخر:

[توضيح المسألة]:

إذا جاء اللفظ مطلقًا في موضع مقيدًا في موضع آخر، فهل يحمل المطلق على المقيد، ويجعل الحكم الثابت بهما مقيدًا؟

للجواب عن هذا نقول:

ورود اللفظ مطلقًا مرة ومقيدًا مرة أخرى له أحوال، بعضها محل خلاف وبعضها محل وفاق على النحو التالي:

1- أن يتحد الحكم والسبب في الموضعين:

مثاله: اعتاد كثير من الأصوليين تمثيله بقوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [المائدة:3] مع قوله في آية أخرى: ﴿ أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام:145]، وقالوا: إن الدم أطلق في موضع، وقيد في موضع آخر بكونه مسفوحًا.

وهذا المثال فيه نظر؛ وهو أن لفظ (الدم) اسم جنس محلى بأل، وهو من صيغ العموم فيكون عامًا لا مطلقًا.

ويمكن أن يجاب بأنه عام في الدم القليل والكثير، وأما من حيث صفات الدم الأخرى فهو مطلق، وجاء تقييده في الآية الأخرى. وفي هذه الصورة يحمل المطلق على المقيد باتفاق.

ومن أمثلته الظاهرة قوله في حديث ابن عمر: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين» [متفق عليه].

وقوله في حديث ابن عباس بعرفة: «فليلبس الخفين» [متفق عليه]. وليس فيه ذكر للقطع.

فالقاعدة تقتضي أن يحمل المطلق على المقيد باتفاق؛ لاتحاد الحكم والسبب، فالحكم هو لبس الخف لمن لم يجد النعل، والسبب هو الإحرام، ولكن الخلاف وقع من جهة قاعدة أخرى وهي أن المطلق جاء متأخرًا عن المقيد، فذهب بعض العلماء إلى أن المطلق إذا تأخر ينسخ المقيد المتقدم، وهذا مذهب الحنفية ورواية عن أحمد.

وذهب بعض العلماء إلى أن المطلق لا ينسخ المقيد سواء تقدم أو تأخر، ويكون المقيد مقدمًا على المطلق فيقيد به، ولهذا قال بعضهم بوجوب قطع الخفين لمن لم يجد النعلين من المحرمين الذكور. وقال آخرون بعدم وجوب القطع.

ثم حاول كل فريق أن يستدل على رأيه بأدلة أخرى تقوي جانبه، وليس هذا موضع بسطها.

2- أن يختلف الحكم والسبب:

مثاله: لفظ الأيدي جاء مطلقًا في قوله تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38] وجاء مقيدًا في قوله: ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6] والحكم في الأولى القطع، وفي الثانية الغسل، والسبب في الأولى السرقة وفي الثانية الحدث، ففي هذه الحالة لا يحمل المطلق على المقيد قولاً واحدًا.

3- أن يتحد الحكم ويختلف السبب:

مثاله: لفظ الرقبة في قوله تعالى: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [النساء:92] وقوله: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92].

فالحكم واحد وهو العتق، والسبب مختلف، وهو في الآية الأولى الظهار، وفي الآية الثانية القتل خطأ.

· وهذه الصورة وما يشبهها وقع الخلاف فيها على ثلاثة أقوال:

أ- حمل المطلق على المقيد بطريق اللغة، أي: تقييد الحكم المطلق بما ذكر في الدليل المقيد، ذهب إلى ذلك بعض الشافعية وبعض الحنابلة.

ب- حمل المطلق على المقيد بطريق القياس إذا توافرت شروطه، وذهب إليه بعض علماء الحنابلة كأبي الخطاب وغيره.

ج- عدم حمل المطلق على المقيد، وبقاء كل من الحكمين على حاله، وهو مذهب الحنفية.

وأرجح الأقوال: هو الثاني وهو حمل المطلق على المقيد بطريق القياس لا باللغة؛ فإن اللغة لا تقتضي ذلك.

ومن أمثلته: قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ [البقرة:282]، مع قوله في آية أخرى: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2]، ولا خلاف في اشتراط العدالة في الشاهدين، ولكن بعض العلماء أخذ ذلك من حمل المطلق على المقيد، وبعضهم بدليل آخر كالقياس.

4- ان يتحد السبب ويختلف الحكم:

مثاله: قوله تعالى في الوضوء: ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6]، وقوله تعالى في التيمم: ﴿ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ [النساء:43]، فالأولى ورد فيها لفظ أيديكم مقيدًا بالمرافق، والثانية ورد فيها مطلقًا، والحكم في الأولى الغسل، وفي الثانية المسح بالتراب، والسبب واحد وهو الحدث أو إرادة رفع الحدث.

فهذه الصورة ذهب بعض الشافعية إلى حمل المطلق على المقيد فيها فقالوا في التيمم يمسح يديه إلى المرفقين.

والجمهور على عدم تقييد التيمم بالقيد الوارد في الوضوء، وهو الصواب؛ لأنه لا يمكن دعوى دلالة اللغة على التقييد هنا، وأما القياس فيكون من باب قياس حكم على حكم مختلف عنه لأجل اتحاد سببهما.

وهذا لا يصح مع قولهم إن السبب علامة على ثبوت الحكم لا تأثير لها، وإنما يقبل لو ظهر أن السبب فيه مناسبة لتشـريع الحكم يمكن أن يعقلها المجتهد. وفي المثال المذكور لا يعقل المجتهد مناسبة تدعوا المحدث إلى أن يغسل وجهه ويديه... إلخ، أو يمسح وجهه ويديه، وإنما هو محض تعبد فلا يمكن القياس.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة