حجم الخط:

محتوى الدرس (71)

[أقسام واضح الدلالة]:

1- الظاهر:

وهو: ما ظهر المراد به للسامع بصيغته[1].

مثاله: قوله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ [البقرة:275] فالآية ظاهرة في إباحة البيع الخالي من الربا، وتحريم الربا.

وعندهم أن الظاهر يقبل التأويل والتخصيص والنسخ.

2- النص:

وهو مازاد وضوحًا على الظاهر بمعنى في المتكلم لا في نفس الصيغة[2].

مثاله: قوله تعالى: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ [النساء:3] فالآية نص في جواز نكاح الأربع فما دون.

وقد فرق بعض علماء الحنفية بين النص والظاهر، بأن النص هو: الدال على معنى سيق الكلام للدلالة عليه، والظاهر: ما دل على معنى لم يسق الكلام للدلالة عليه. و اعترض البخاري شارح أصول البزدوي على ذلك[3].

وعندهم أن النص يقبل التخصيص والنسخ، ولا يقبل التأويل.

3- المفسر:

وهو ما ازداد وضوحًا على النص بمعنى في النص أو بغيره. أي: سواء كان وضوحه لأجل قرينة في النص أو لدليل خارجي أخرجه من الإجمال إلى الوضوح، أو من احتمال التأويل إلى عدم احتماله.

مثاله: ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿٣٠﴾ [الحجر:30] فهذا مفسـر لكونه أكد فيه العموم على وجه يمنع احتمال التأويل والتخصيص.

والمفسر عند الحنفية لا يقبل التأويل ولا التخصيص، ولكنه يحتمل النسخ في عهد الرسالة.

4- المحكم:

وهو ما ازداد قوة وأُحكِم المراد به عن احتمال النسخ والتبديل.

مثاله: قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٢٩﴾ [البقرة:29] ونحوها من الآيات التي تقرر حكمًا كليًا أساسًا في الإسلام، ولا يمكن أن يتطرق إليه التأويل أو التخصيص أو النسخ.

أقسام خفي الدلالة:

1- الخفي:

وهو: اسم لما اشتبه معناه وخفي المراد منه بعارض في الصيغة يمنع نيل المراد بها إلا بالطلب[4].

والمعنى: أن الخفي لم يظهر المراد منه، والسبب في خفائه راجع إلى عارض عرض للصيغة فجعلها ليست ظاهرة الدلالة عليه.

ومثاله قوله تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، في دلالته على النباش الذي ينبش القبور فيأخذ أكفان الموتى، فإن دلالة الآية على قطع النباش دلالة خفية، والسبب في خفائها أن النباش اختص باسم يخصه، فقد يكون إطلاق هذا الاسم عليه لا يخل بمعنى السرقة الذي علق عليه القطع، وإنما هو لبيان سبب السـرقة، وقد يكون اختصاصه بهذا الاسم لبيان اختلاف حاله عن حال السارق، كما نقل عن أبي حنيفة أن السارق يأخذ المال خفية وهو يسارق عين مالكه أو حارسه، أما النباش فلا يسارق عين صاحب الكفن؛ لأنه ميت.

وأيضًا فإن السارق أخذ مالاً يستفيد منه صاحبه لو لم يسرق، وأما النباش فإنه أخذ مالاً آيلاً للتلف، ولهذا ذهب أكثر الحنفية إلى عدم قطع النباش ولم يأخذوا بالدلالة الخفية الموجودة في الآية.

والواجب على المجتهد زيادة الطلب حتى يتبين له المراد من اللفظ.

2- المشكل:

وهو اسم لما يشتبه المراد منه؛ بدخوله في أشكاله على وجه لا يعرف المراد إلا بدليل يتميز به من بين سائر الأشكال[5]. وهو عندهم ضد النص، وهو قريب من المجمل، ويختلف عنه بأنه يعرف المراد منه بزيادة التأمل.

مثاله: قوله تعالى: ﴿ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ [البقرة:223]، فيحتمل أنه يدل على إتيان المرأة في دبرها، ودلالته على المنع من ذلك دلالة خفية تتبين بالنظر إلى فائدة الحرث وهو الإنتاج، ومعلوم أن الوطء في الدبر لا ينتج الولد فيكون غير داخل في مقصود الشارع بالآية.

وحكمه: اعتقاد أنه حق، والتأمل فيه إلى أن يَبين المراد.

3- المجمل:

وهو اللفظ الذي لا يفهم المراد منه إلا باستفسار المجمِل وبيان من جهته يعرف به المراد[6].

ومثاله: قوله تعالى: ﴿ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ [البقرة:275]؛ فإن الربا في اللغة: الزيادة، وليس ذلك المعنى مرادًا؛ لأن البيع ما شرع إلا للاسترباح وطلب الزيادة، ولذا فإن لفظ الربا كان مجملاً حتى جاء بيانه من قبل الشارع نفسه، ولا يمكن أن يعرف المراد منه في الآية إلا ببيان من جهة الشارع.

وهذا هو الفرق بين المجمل والمشكل، فإن المشكل قد يعرف المراد منه بالتأمل والنظر في القرائن المصاحبة ونحو ذلك، بخلاف المجمل فإنه لا يمكن معرفة المراد منه إلا ببيان من المتكلم به.

وحكمه: اعتقاد أنه حق، والتوقف فيه إلى الوقوف على البيان من قبل الشارع.

4- المتشابه:

وهو اسم لما انقطع رجاء معرفة المراد منه لمن اشتبه فيه[7].

مثاله: الحروف المقطعة في أوائل السور، وكيفيات صفات الله جل وعلا، فإنها من المتشابه مع أن أصل الصفات معلومة، وإنما التشابه في كيفياتها.

وحكم هذا القسم: اعتقاد أنه حق، والإيمان به على مراد الله جل وعلا ومراد رسوله .

ومما تقدم يتبين أن الأقسام الثلاثة الأولى يدخلها الجمهور فيما يسمى بالمجمل عندهم، ولكن بينها تفاوت في درجة الإجمال، فبعضها يزول ما فيه من إجمال بالتأمل اليسير، وبعضها يحتاج إلى مزيد تأمل، وبعضها لا بد فيه من البحث في أدلة الشـرع الأخرى لمعرفة المراد منه.

وأما القسم الرابع - وهو المتشابه - فهو الذي انقطع الأمل في بيانه، ويطلق عليه الجمهورُ الاسمَ نفسَه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة