حجم الخط:

محتوى الدرس (2)

2- تعريف أصول الفقه:

لا أظن أن هذا العلم بعد اشتهاره وكثرة المؤلفات فيه بحاجة إلى تعريف، فهو أشهر من أن يعرف، ولكن العادة جرت بأن كل من كتب في أصول الفقه يذكر تعريفه، إما لأن هذا العلم متداخل مع علوم شتى من علوم الشـريعة مثل الفقه والحديث والتفسير، ومتداخل مع علوم اللغة كعلم المعاني والبيان والنحو، وإما لأن الذين كتبوا في هذا العلم من المتقدمين اعتادوا أن يذكروا تعريفه لأنه لم يتميز في عهدهم تميزًا كاملاً عن غيره من العلوم ثم جاء من بعدهم فقلدهم، وإما لأنهم تأثروا بما يقوله أهل المنطق من أنه يجب على كل من درس علمًا أن يعرف تعريفه وموضوعه وغايته، ثم يشـرع في تعلم مسائله.

وإرضاء لرغبة عامة طلاب العلم أذكر التعريف المختار لهذا العلم بالنظر إلى كونه مركبًا إضافيًا، وبالنظر إلى كونه عَلَمًا على عِلم مخصوص من علوم الشريعة.

أ- تعريف أصول الفقه بالنظر الأول:

تمهيد:

أصول الفقه مركب من مضاف ومضاف إليه، وتعريفه يقتضـي معرفة جزءيه، والمضاف إليه آصل من المضاف، فينبغي أن نعرفه أولاً ثم نعرف المضاف.

تعريف الفقه:

الفقه في اللغة: الفهم، أو هو معرفة باطن الشيء والوصول إلى أعماقه، كما يقول الراغب الأصفهاني في المفردات، أو هو فهم الأشياء الدقيقة، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ [الإسراء:44]، ﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ [هود:91].

وفي الاصطلاح: (العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية).

شرح التعريف:

قولهم: (العلم): جنس، يشمل العلم بالأحكام الشرعية وبغيرها من التصورات والأحكام. والمراد به هنا مطلق الإدراك الشامل للظن واليقين. وليس المراد به الإدراك القطعي اليقيني؛ لأن كثيرًا من مسائل الفقه ظنية، بل إن من العلماء من خص الفقه بمعرفة المسائل الاجتهادية ولم يجعل المسائل الظاهرة التي يشترك في معرفتها العامة والخاصة من الفقه. أو يقال: المراد بالعلم مجموعة المعارف المندرجة تحت هدف كلي واحد، كما يقال: علم الطب، وعلم الفلك، مع أن كثيرًا من قضاياهما ظني. وهذا أولى من جواب الرازي الذي زعم فيه أن الفقه ليس من باب الظنون؛ لأنه مبني على مقدمتين قطعيتين فيكون قطعيًا.

وهاتان المقدمتان هما:

1- مقدمة وجدانية، وهي ما يجده المجتهد في نفسه من الظن بأن هذا حكم الله.

2- مقدمة إجماعية، وهي الإجماع على أن ما هذا شأنه يجب العمل به.

وإنما قلت: إن هذا أولى؛ لما في جواب الرازي من التكلف.

وقولهم: (بالأحكام): قيد أخرج العلم بما لا حكم فيه وهو التصور. والحكم يراد به هنا: إثبات أمر لآخر أو نفيه عنه.

وقولهم: (الشرعية): أخرج العلم بالأحكام غير الشرعية كالحكم بصحة العبارة لغة أو بخطئها، وكالعلم بنفع هذا الدواء للمريض وضرره، فالأول حكم لغوي، والثاني طبي.

وقولهم: (العملية) أي: المتعلقة بما يصدر عن الناس من أعمال كالصلاة والزكاة والصوم والبيع، وهذا القيد يخرج الأحكام الاعتقادية، فإن العلم بها لا يسمى فقهًا في الاصطلاح؛ لاختصاص الفقه بالعلم بالأحكام العملية، وهذا لا ينفي أنهم كانوا يطلقون اسم الفقه الأكبر على مسائل الاعتقاد، ولكن هذا العلم اختص باسم آخر وهو علم التوحيد أو علم الكلام.

وقولهم: (المكتسب): صفة للعلم، والعلم المكتسب هو الحادث الذي يحصل باجتهاد وعمل، فيخرج علم الله جل وعلا فإنه أزلي، وعلم جبريل عليه السلام فإنه حصل بإعلام الله له ولا كسب له فيه، وعلم الرسول بما أوحي إليه فإنه علم لدُنِّيٌّ فلا يسمى فقهًا في الاصطلاح، وأما ما حصل باجتهاد من الرسول فيدخل في مسمى الفقه.

وقولهم: (من أدلتها التفصيلية)، متعلق بقولهم المكتسب، فالأدلة هي وسيلة اكتساب هذا العلم، وهذا يخرج علم المقلد فإنه ليس مكتسبًا من الأدلة بل اكتسبه بتقليد غيره.

والأدلة التفصيلية: هي الأدلة الجزئية الخاصة بكل مسألة فقهية، مثل آية: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة:3] الدالة على تحريم كل أجزاء الميتة. وحديث: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» [أخرجه أحمد وأصحاب السنن من حديث ابن عباس مرفوعًا، ومعناه في صحيح مسلم] الدال على طهارة جلد الميتة بالدبغ، وقياس الخنزير على الكلب في وجوب غسل الإناء من سؤره سبعًا، وهكذا سائر الأدلة التفصيلية.

ومع أن كلمة الفقه لم تكن تطلق في الاصطلاح الأول إلا على الأحكام الشـرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية بنوع من الاجتهاد، غير أن المتأخرين أصبحوا يطلقون هذه الكلمة على جميع الأحكام العملية التي تحويها كتب الفقه المصنفة مع أن فيها ما يشترك في معرفته الخاص والعام من المسلمين؛ لدلالة النصوص القطعية المشتهرة عليه، فيكون الفقه اسمًا لمجموع تلك المسائل لا للعلم بها أو ببعضها.

وتأسيسًا على ما سبق أصبح اسم الفقيه يطلق على من عرف تلك الأحكام، سواء عرفها بنظر واجتهاد، أو عرفها تقليدًا لإمام من الأئمة.

ولو راعينا المعنى المراد من كلمة الفقه في عرف القرآن والسنة وعرف الصحابة والتابعين، لقصرنا اسم الفقيه على من عرف الأحكام الشرعية التي تحتاج في إدراكها إلى نظر واجتهاد دون ما يشترك فيه عامة المسلمين، وكانت معرفته مبنية على إدراك أدلتها لا تقليدًا لغيره، ولم نفرق بين الأحكام الاعتقادية والعملية.

وهاهنا سؤال أورده الآمدي وغيره، خلاصته: أن الفقه إذا كان هو العلم بالأحكام.. إلخ، فينبغي أن لا يسمى فقيهًا إلا من علم تلك الأحكـام كلها، وهذا لا يجتمع لواحد بعد رسول الله ، وقد ثبت عن العلماء توقفهم في بعض المسائل ولم يمنع ذلك من إطلاق وصف الفقه عليهم، ولم يخرجوا من الفقهاء لتوقفهم.

والجواب عنه: أن المراد بالعلم بتلك الأحكام ليس حضورها في ذهن العالم بالفعل، وإنما حضور أكثرها في ذهنه، وقدرته على استنباط بعضها بعد النظر والاجتهاد، فيكون علمه لبعضها بالفعل وللباقي بالقوة القريبة بحيث يستطيع معرفتها دون حاجة إلى تعلم علم جديد.

تعريف الأصول:

الأصول: جمع أصل، وهو في اللغة: ما يبنى عليه غيره. ويطلق على منشأ الشيء.

وفي الاصطلاح: أطلق لفظ الأصل على عدة معان، أهمها ما يلي:

1- الدليل: كما يقول الفقهاء: الأصل في هذه المسألة الكتاب والسنة والإجماع، أي: الدليل عليها.

2- القاعدة المستمرة: كما يقول الأصوليون: الأصل أن الخاص مقدم على العام عند التعارض، وكما يقول النحاة: الأصل في المبتدأ التقديم وفي الخبر التأخير.

3- الراجح: كما يقول الأصوليون: الأصل بقاء ما كان على ما كان. والأصل براءة الذمة من التكاليف الشرعية.

4- مخرج المسألة الفرضية، أي: العدد الذي تخرج منه الفروض المقدرة بلا كسـر، كما يقول الفرضيون: أصل هذه المسألة كذا، وأصول المسائل 2، 3، 4، 6، 8، 12، 18، 24.

5- المقيس عليه، كما يقول الأصوليون في باب القياس: أركان القياس أربعة: الأصل، والفرع، والعلة، والحكم.

وأقرب هذه المعاني لإطلاق الأصل هنا هو: المعنى الأول، ثم الثاني.

ب- تعريف أصول الفقه باعتباره علَمًا:

تمهيد:

وأما أصول الفقه الذي هو علَم على علم من علوم الشريعة فهو: كما عرفه الرازي: (مجموع طرق الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد).

شرح التعريف:

قوله: (مجموع طرق الفقه) أي: مجموع الطرق التي توصل إلى إدراك الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.

وعبَّر بالطرق دون الأدلة؛ لأن الأدلة عند كثير من العلماء لا تشمل ما يفيد الظن مثل القياس والاستصلاح ونحوهما من الطرق التي جعلها الفقهاء أمارات على الأحكام، وإنما تطلق على النصوص القطعية والإجماع القطعي فحسب.

قوله: (الإجمالية): نسبة إلى الإجمال وهو ضد التفصيل، وعبر بالإجمالية ليخرج طرق الفقه التفصيلية التي يعد الاشتغال بها من عمل الفقيه كما أسلفنا.

وبحث الأصولي لا يتعلق بآية من القرآن بخصوصها كيف تدل على ما دلت عليه من الأحكام، ولا حديث بعينه، ولا قياس بعينه، وإنما يبحث في حجية الكتاب وحجية السنة وحجية القياس، وهكذا.

فهو يبحث في عوارض تلك الأدلة وما توصف به من قوة أو ضعف وإحكام أو نسخ، وفي شروطها وترتيبها وكيفية الجمع بينها عند تعارضها في نظر من لم يتأملها جيدًا.

قوله: (وكيفية الاستفادة منها) أي: طرق استفادة الأحكام من الأدلة والأمارات الموصلة إليها، وهذا يشمل طرق الدلالة اللفظية والعقلية، وطرق نصب الدليل الذي يوصل إلى معرفة الحكم الشرعي، سواء أكان الدليل نصًّا من قرآن أو سنة ونحوهما أم معقولاً من النص كالقياس والاستصلاح وغيرهما، وهذا يدخل ما ذكره الأصوليون في دلالات الألفاظ من العام والخاص والمطلق والمقيد، والأمر والنهي، والمنطوق والمفهوم، كما يُدخل طرق معرفة العلة المستنبطة ونحو ذلك مما لا يخفى.

قوله: (وحال المستفيد) أي: وكيفية حال المستفيد، والمراد بالمستفيد صنفان: المجتهد والمقلد، فالمجتهد يستفيد الحكم من الدليل أو الأمارة التي نصبها الشـرع لتهدي إلى الحكم. والمقلد يستفيد الحكم من المجتهد بسؤاله عنه.

وحال المجتهد والمقلد مما يدخل في أصول الفقه، فالعلم بشروط الاجتهاد وحكمه، وأنواع المجتهدين وآداب الاجتهاد وحكم التقليد وآداب الاستفتاء، وما يتبع ذلك كله داخل في أصول الفقه.

وهذا التعريف من أجود التعريفات التي ذكرها الأصوليون، غير أنه عبر بلفظ الكيفية، وهي مصدر صناعي من الكيف، وليست فصيحة كما يقول أهل اللغة، والأولى أن يستعاض عنها بلفظ صفة.

كما أنه يمكن الاستعاضة عن قوله: (طرق الفقه) بـ (أدلة الفقه)؛ لأن الدليل يطلق على القطعي والظني على الصحيح من قولي العلماء كما سيأتي.

وهناك من جعل أصول الفقه هو العلم بتلك الأدلة على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها.. إلخ.

والأصولي: هو من عرف طرق الفقه الإجمالية وصفة الاستفادة منها وحال المستفيد.

وقد شاع إطلاق اسم الأصولي على كل من له اشتغال بعلم أصول الفقه تعليمًا وتأليفًا، كما شاع إطلاق أصول الفقه على الجملة الغالبة من مسائل هذا العلم، فصح أن يسمى أصوليًا من أدرك غالب مسائله بالفعل وكانت له ملكة تمكنه من إدراك ما عداها دون حاجة إلى تعلم علم جديد أو التلقي عن عالم آخر.

3- موضوع أصول الفقه:

موضوع هذا العلم: الأدلة، سواء أكانتAdobe SystemsAdobe Systems قطعية أم ظنية.

وقيل: موضوعه: الأدلة والأحكام.

والذي يظهر من تعريف الفخر الرازي الذي نقلناه فيما سبق، أن هذا العلم له ثلاثة موضوعات رئيسة هي:

1- طرق الفقه على سبيل الإجمال، ويقصد بها الأدلة بنوعيها القطعي والظني، أو المتفق عليه والمختلف فيه، والبحث فيها يشمل حجيتها وقوتها في الإيصال إلى الحكم، وشروط حجيتها وترتيبها وجميع عوارضها.

2- صفة الاستفادة منها، وهذا يشمل طرق الدلالة أهي عقلية أم لفظية؟ حقيقية أم مجازية؟ بطريق المنطوق أم المفهوم؟ بطريق الخصوص أم العموم؟ وهذا يعرف عند المتأخرين بطرق الاستنباط، كما يشمل طرف معرفة العلة وإجراء الأقيسة.

3- صفة المجتهد والمقلد وما يتبع ذلك من شروط الاجتهاد وأحكامه، وسبيل دفع التعارض والمرجحات، ومعنى التقليد وأحكامه.

4- فوائد علم أصول الفقه:

لا شك أن العلم يشرف بشرف الغاية من تعلمه، وأصول الفقه له غايات عظيمة وفوائد كبيرة في الدنيا والآخرة، وأهم غاياته وأهدافه ما يلي:

1- التفقه في الدين، ومعرفة ما للمكلف وما عليه من الحقوق والواجبات، وهذا يحصل بمعرفة أصول الفقه وتطبيق قواعده على الأدلة التفصيلية وعلى الحوادث الجزئية.

وقد يقول قائل: إن الفقه قد جمع من قبل العلماء السابقين، ودونت فيه الدواوين الكبيرة فلا حاجة إلى البدء من حيث بدأوا، فلم تبق حاجة لدراسة علم أصول الفقه.

والجواب: أن كثرة ما كتب في علم الفقه يدعو طالب العلم إلى تعلم أصول الفقه؛ ليعرض هذه الثروة الفقهية الضخمة التي اختلفت فيها أقوال الفقهاء وتعددت أدلتهم على الميزان العادل، والمحك المظهر للخطأ من الصواب، وهو أصول الفقه، فمن عرف أصول الفقه نظرًا وتطبيقًا يمكنه أن يعرف من تلك الأقوال والمذاهب ما هو أقرب إلى الحق وأجرى على قواعد الشريعة. والخلاصة أن كثرة المؤلفات الفقهية تدعو إلى تعلم هذا العلم والتعمق فيه لنقد الأقوال وبيان الراجح من المرجوح.

2- معرفة الحكم الشرعي لكل ما يجدُّ من الحوادث والوقائع التي لم يرد فيها بخصوصها نص صريح ولا ظاهر بيِّن، ولم يتكلم عنها الفقهاء السابقون لعدم وجودها في عصرهم. ونحن نرى في هذه الأيام حجم المسائل التي تعرض على المجامع الفقهية من حيث عددها ومن حيث خطورتها وأهميتها وتعقيدها، حتى إن بعضها يتوقف فيه علماء المجمع الفقهي ولا يصدرون فيه فتوى لعدم اكتمال صورته في أذهانهم، أو للحاجة إلى مزيد بحث في الأدلة، أو للاختلاف في تكييفه.

ومن القضايا التي جدت في هذا العصر على غير مثال سابق: التلقيح الصناعي، وأطفال الأنابيب، والرحم المستعار، وتجميد الأجنة والبويضات، والاستنساخ، وقضايا الحاسوب وبرامجه، وقضايا الانترنت، وإجراء العقود عن طريقه، والقضايا السياسية وكيفية حلها كالقضايا الحدودية بين الدول وما أشبه ذلك.

3- معرفة حِكَم الشريعة وأسرارها بالتأمل في علل الأحكام ومقاصدها ومعرفة المقاصد الشرعية الضرورية والحاجية والتحسينية، وتنزيل كل مقصد في منزلته عند التزاحم، ومعرفة ترتيب الواجبات والمستحبات لتقديم الأقوى دليلاً والأكثر نفعًا على ما سواه، ومعرفة المصالح والمفاسد ومعرفة المعتبر منها في الشرع والملغى، ومعرفة درجات المعتبر لتقديم ما يستحق التقديم.

4- مواجهة خصوم الشريعة الإسلامية الذين يزعمون أن الشريعة لم تعد صالحة للتطبيق في هذا الزمن، وذلك ببيان قدرة الشـريعة على استيعاب حاجات الناس في الحاضر والمستقبل، وقدرتها على حل مشاكل الناس بما يتفق مع نصوص الوحي وعمل الصحابة والتابعين، وهذا لا يتم إلا بمعرفة أصول الفقه والقدرة على القياس والتخريج، والإحاطة بطرق الاستنباط من منطوق ومفهوم، وخصوص وعموم، وإطلاق وتقييد ونحو ذلك مما يدرس في أصول الفقه، ولو انصرف الناس عن دراسة هذا العلم لانسد باب الاجتهاد، ووقف الناس عندما اشتملت عليه كتب الفقه القديمة التي كتبت لتستوعب مشاكل العصر الذي هي فيه.

5- حماية الفقيه من التناقض، فالفقيه الذي لم يتعمق في دراسة هذا العلم تأتي فتاواه متناقضة فيفرق بين المتماثلات، ويسوي بين المختلفات، وهذا يضعف الثقة فيما يقول، ويسيء إلى الشريعة ويقلل من قيمتها في نفوس الجاهلين بها من المسلمين أو غيرهم. وأما من أحاط بأصول الفقه تأصيلاً وتطبيقًا فإنه يبرز الوجه المشرق للشريعة الربانية، ويكون بفتاواه وآرائه داعيًا للإسلام مرغبًا فيه ذابًا عنه شبه الأعداء.

وأخيرًا.. ربما يظن كثير من الناس أن أصول الفقه تقتصـر فائدته على الفقه في المسائل العملية، والحق خلاف ذلك؛ فإن فائدة هذا العلم لا يستغني عنها المفسـر والمحدث والمتكلم والباحث في العقائد، وكل من يحتاج إلى فهم نصوص الوحي والاستدلال بها، فإن هذا العلم عبارة عن قواعد للفهم الصحيح والاستدلال الصحيح، والجمع بين ما ظاهره التعارض، ولهذا نستطيع القول إن تسميته بأصول الفقه لا يعني اقتصار فائدته على استنباط الأحكام الفقهية، ولعل الذين سموا مؤلفاتهم بالأصول من غير تقييد بالفقه لحظوا هذا الملحظ فعمموا، ومن هؤلاء الغزالي الذي سمى كتابه: (المستصفى من علم الأصول) والرازي سمى كتابه: (المحصول من علم الأصول) والبيضاوي سماه: (منهاج الأصول في علم الأصول) والشوكاني سماه: (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول).

والناظر في مسائل هذا العلم يجد كلامهم عن أصول التفسير وأصول الحديث إلى جانب طرق الاستنباط من الأدلة النقلية التي يستوي في الحاجة إليها المفسر والمحدث وغيرهما.

5- استمداد أصول الفقه:

يستمد علم أصول الفقه مادته مما يلي:

1- القرآن الكريم والسنة النبوية:

فإن هذين المصدرين هما أساس العلوم الشرعية كلها، فكل علم لا أصل له في الكتاب والسنة فليس من علوم الشريعة.

ووجه استمداده من هذين المصدرين أن موضوعات علم أصول الفقه ثلاثة أنواع كما سبق، أهمها أدلة الأحكام، والقرآن والسنة ترجع إليهما جميع الأدلة التي يذكرها الأصوليون سواء أكانت نقلية أم عقلية، محل اتفاق أم محل اختلاف، فحجية الإجماع والقياس والمصالح والاستحسان والعرف وشرع من قبلنا وأقوال الصحابة، راجعة إلى الكتاب والسنة، وطرق الدلالة، وطرق دفع التعارض بين الأدلة، وبيان منزلة كل دليل، راجع إلى الكتاب والسنة، ولهذا نجد أن أكثر القواعد الأصولية قد استدل عليها بالقرآن أو بالسنة أو بهما معًا.

2- علم أصول الدين، ويعبر عنه أكثرهم بعلم الكلام:

ووجه استمداد أصول الفقه منه أن العلم بالأدلة الإجمالية وصحة الاستدلال بها مبني على معرفة الله تعالى وصفاته وما يجب له سبحانه وما يجوز له وما يمتنع إطلاقه عليه، والعلم بصدق الرسول فيما جاء به عن ربه وما يجوز أن يقع من الرسول وما لا يجوز.

3- اللغة العربية:

ووجه استمداده من اللغة العربية: أن اللغة هي وعاء الكتاب والسنة، والكتاب نزل بلغة العرب، والسنة القولية جاءت بلسان الرسول العربي، والاستدلال بهما مبني على معرفة طرق العرب في الإفهام والفهم، ومن جملة أصول الفقه طرق دلالة الألفاظ على المعاني من عموم وخصوص، وإطلاق وتقييد، واشتراك وإجمال، ومنطوق ومفهوم، وحقيقة ومجاز، وهذه كلها إنما يتبع فيها ما جرى عليه عرف أهل اللغة الذين نزل القرآن بلغتهم وتكلم الرسول بها، إلا أن يكون للشـرع عرف حادث فيقدم عند الاحتمال.

وفي هذا يقول إمام الحرمين: (ومن مواد أصول الفقه العربية؛ فإنه يتعلق طرف صالح منه بالكلام على مقتضى الألفاظ، ولن يكون المرء على ثقة من هذا الطرف حتى يكون محققًا مستقلاً باللغة العربية)[1].

4- الفقه:

وجَعْل الفقه مما يستمد منه أصول الفقه مشكل؛ من جهة أن الفقه كما عرفوه هو: (العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية) فلو كان الأصول مستمدًا من الفقه لما عرف إلا بعد معرفة الفقه، والحال أن الفقه لا يعرف إلا بعد معرفة الأصول فيكون دورًا ممتنعًا.

وعدل الآمدي وغيره إلى الاستعاضة عن الفقه بالأحكام الشـرعية، وأوضح أن المقصود تصوُّر تلك الأحكام ومعرفة حقائقها حتى يتصور إثباتها أو نفيها، ولا يقصد معرفة وجودها أو نفيها في آحاد المسائل؛ فإن هذا لا يعرف إلا بمعرفة أصول الفقه.

ومراد من عبر بالفقه: أن أصول الفقه يحتاج في إدراكه إلى إدراك أمثلة من الفقه يمثل بها لتتضح القواعد الأصولية، فالأصولي حين يتكلم عن طرق الدلالة يحتاج إلى ضرب أمثلة فقهية توضح مقصده، وإلا كان كلامه نظريًا يصعب استيعابه وفهمه، كما أنه لا بد له من معرفة معنى الأحكام الفقهية كالواجب والمندوب والحرام والمكروه.. إلخ؛ لأنه حين يقرر حجية السنة يقرر أن طاعة الرسول واجبة، وأن معصيته حرام، ولا بد من تصور معنى الواجب والحرام، وهكذا سائر القواعد الأصولية.

وأما من جعل المستمد منه الأحكام الشرعية كالآمدي ومن تبعه، فمراده تصور معنى المحرم والمكروه والمباح والواجب والمندوب والصحيح والفاسد، ونحو ذلك من الأحكام.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة