3- تقسيم الواجب بالنظر إلى المخاطب بفعله:
ينقسم الواجب بالنظر إلى المخاطب بفعله قسمين:
عيني وكفائي:
الواجب العيني: وهو ما طلب الشرع فعله من كل مكلف بعينه، كالصلاة والزكاة والحج.
الواجب الكفائي: وهو ما طلب الشرع حصوله من غير تعيين فاعله.
وهذا النوع يدخل فيه ما أوجبه الله على الأمة بمجموعها من غير تخصيص أفراد بأعيانهم كالجهاد، وما أوجبه على جماعة محصورة من غير تحديد من يقوم به منهم بعينه كوجوب غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه، فإن ذلك واجب على من حوله من المسلمين.
أهم الفروق بين الواجب العيني والواجب الكفائي:
1- أن الواجب العيني مطلوب من كل واحد من المكلفين بعينه، فلا يقوم فعل غيره مقام فعله إلا بإذنه، فإن أذن له في فعله نيابة عنه فإن كان الواجب مما تدخله النيابة أجزأه ما يفعله ذلك الغير عنه وإلا فلا. وأما الواجب الكفائي فلا يطلب من كل واحد ولا من واحد معين، بل إذا قام به من يكفي أجزأ، ولا يشترط فيه الإذن، بل مهما فعل أجزأ عمن لم يفعل وسقط عنه الإثم.
2- أن الواجب العيني مصلحته ترجع إلى فاعله، أما الواجب الكفائي فمصلحته عامة.
3- الواجب الكفائي ينوب فيه البعض عن الكل، وأما الواجب العيني فلا يكفي فعل بعض المكلفين عن بعضهم الآخر.
4- الأمر في الواجب العيني موجه لجميع المكلفين، أي: لكل واحد منهم.
والأمر في الواجب الكفائي اختلف فيه:
فقيل: إنه موجه للجميع لكن يسقط بفعل البعض.
وقيل: موجه إلى بعض غير معين.
وقيل: متوجه إلى المجموع من حيث هو مجموع.
· واستدل الأولون بأدلة منها:
1- أن الواجبات الكفائية الواردة في القرآن والسنة جاءت بصيغة العموم كالواجبات العينية، فقوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ ﴾ [البقرة:216]، كقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴾ [البقرة:183]، مع أن الأول كفائي والثاني عيني.
2- أن الإثم يلحق الجميع إذا تركوا، ولو لم يكونوا مخاطبين به ما أثموا.
· واستدل القائلون بأنه موجه إلى بعض مبهم بدليلين:
1- قوله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴿ ١٢٢ ﴾ ﴾ [التوبة:122]. فالخطاب هنا موجه إلى بعض مبهم وهو متعلق بواجب كفائي.
2- أنه يسقط بفعل بعض المكلفين، ولو خوطب به الجميع لما سقط إلا بفعل الجميع كسائر الواجبات العينية.
وأما القائلون إن الخطاب موجه إلى المجموع لا إلى الجميع، أي إلى الهيئة الاجتماعية، فاستدلوا بدليل واحد هو: أنه لو وجه الخطاب فيه إلى الجميع (إلى كل فرد) لما سقط بفعل بعضهم، ولو وجه إلى بعض مبهم لترك؛ لأن كل مكلف سيقول لست مقصودًا، فلم يبق إلا أن نقول متوجه إلى المجموع من حيث هو مجموع.
· والراجح:
أنه متوجه إلى الجميع ويسقط بفعل بعضهم؛ لرجحان أدلة هذا القول.
وأما استدلال من أوجبه على بعض مبهم بقوله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ﴾ [التوبة:122] فيجاب بأن الأمر هنا ليس أمر إيجاب بل ندب واستحباب؛ بدليل أنه جاء بصيغة الحض والترغيب في النفقة.
وأما استدلالهم بأنه يسقط بفعل بعض المكلفين، فيجاب بأنه لا تلازم بين الأمر بالشيء والمخاطبة به، وسقوط الفعل، فإن الواجب العيني لا خلاف في توجه الأمر فيه إلى كل واحد من المكلفين، ومع ذلك يسقط من غير فعل بالنسخ، أو بفوات الوقت المحدد للعبادة عند من يرى ذلك، أو بأخذ الواجب منه دون إذنه، أو بإسقاط صاحب الحق إن كان حقًا لآدمي.
وأيضًا فإن سقوط الواجب الكفائي بفعل بعض الأمة؛ لأجل أن المقصود من فرضيته إيجاده بغض النظر عن موجده. ومما يدل على صحة هذا القول أنهم لو فعلوه جميعًا أثيبوا ثواب الفرض، ولو تركوه جميعًا عوقبوا عقاب تارك الفرض.
4- انقسام الواجب إلى محدد وغير محدد:
مما يذكره الأصوليون هنا انقسام الواجب إلى محدد وغير محدد.
ويعنون بالمحدد: ما ورد تقديره في الشرع بمقدار ظاهر لكل أحد، كمقادير الزكاة، وأروش الجنايات، ومدة المسح.
ويعنون بغير المحدد: ما طلب فعله من غير تحديد مقداره، مثل الطمأنينة في الركوع والسجود. وهو تقسيم لا يترتب عليه كبير فائدة.
هذه القاعدة من القواعد الأصولية المهمة التي انبنى عليها فقه كثير، وهي ليست على الإطلاق المذكور في العنوان، ولا تصدق بعمومها. وإنما نقول: ما لا يتم الواجب إلا به ينقسم قسمين:
كشروط الوجوب، وأسبابه، وانتفاء موانعه، فهذه ليست واجبة باتفاق، فليس على المكلف أن يمسك عن إنفاق ما عنده من مال حتى يتم الحول ويزكيه، وليس عليه أن يمسك ما عنده من بهيمة الأنعام أو يزيدها حتى تبلغ نصابًا لتجب فيها الزكاة مثلاً. وإنما يتصرف في ماله تصرفًا عاديًا من غير هروب من الزكاة، فإذا حال الحول وعنده نصاب زكاة زكاه وإلا فلا. فهذه الشـروط والأسباب وإن كانت داخلة في عموم (ما لا يتم الواجب إلا به) لكنها غير مرادة.
2- ما لا يمكن عقلاً أو شرعًا أو عادةً أن يفعل الواجب تامًا إلا بفعله،
وهذا ينقسم أيضًا قسمين:
أ- ما ليس بمقدور للمكلف، كغسل اليد في الوضوء إذا تعذر لقطع ونحوه، وكالركوع والسجود إذا تعذر ليبس في ظهره ونحو ذلك. فهذا خارج عن القاعدة فلا يجب باتفاق.
ب- ما هو مقدور للمكلف، مثل غسل جميع الثوب الذي أصابته نجاسة ولا يدري موضعها، وإمساك جزء من الليل مع النهار حتى يتم صيام النهار، والوضوء للصلاة، ونيتها.
· وهذا ينقسم أيضًا قسمين:
1- ما ورد في إيجابه نص مستقل كالوضوء والنية للصلاة، وهذا واجب باتفاق، ولم ينقل عن أحد فيه خلاف.
2- ما لم يرد فيه بخصوصه دليل مستقل، وهذا هو موضع النزاع، وهو الذي قال بعض العلماء فيه: لا نسميه واجبًا وإن وجب فعله تبعًا.
والخلاف في هذه القاعدة ضعيف، والقاعدة معمول بها عند جميع الأئمة، ومن نقل فيها خلافًا فإنما هو في التسمية، وفي استحقاق هذه الزيادة ثوابًا مستقلاً. وإنما قال الجمهور: تسمى هذه الزيادة واجبًا؛ لأنها لا يجوز تركها أبدًا إلا بترك الواجب، وترك الواجب يذم عليه المكلف فكذلك ما لازمه.
1- إذا اشتبهت أخته بأجنبية اشتباهًا لا يمكن معه معرفة المحرمة عليه منهما بأي طريق، وجب عليه ترك نكاح الاثنتين. ويؤيده حديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». ولكن لو اشتبهت أخته بنساء قرية لا يحرم عليه النكاح من نساء تلك القرية؛ لأن القاعدة هنا عارضتها قاعدة أخرى وهي قاعدة: (العبرة بالغالب لا بالنادر).
2- إذا اشتبهت الميتة بمذكاة وجب اجتنابهما معًا؛ لأن إحداهما منصوص على تحريمها، والأخرى لا يتم اجتناب الحرام إلا باجتنابها.
3- إذا أصابت النجاسة طرفًا من ثوبه كالكم - مثلاً - ولم يعرف موضعها، فإنه يغسل ما يتيقن بغسله أنه غسل النجاسة، وحينئذ يكون قد غسل ما وجب غسله بالنص وما لا يتم فعل ذلك الواجب إلا به.
4- إذا امتنع المدين من سداد الدين وعنده عقار زائد عن حاجة السكنى وجب عليه بيعه لسداد الغرماء، فإن امتنع أجبره القاضي.
زيادة الواجب غير المحددة هل تكون واجبة؟
هذه المسألة تذكر بعد قاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)؛ لشبهها بها، وذلك لأن كلاً منهما زيادة في الواجب، غير أن الأولى كالشرط للواجب فلا يتم بدونها، والثانية متصلة به من آخره، وهذه الزيادة إذا كانت متميزة لا يختلفون في أنها ليست واجبة، مثل أن يدفع في زكاة الفطر كيسًا من الأرز فيه عشـرون صاعًا، وزكاته هو وأسرته خمسة عشر صاعًا، فهذه الزيادة مندوبة، وأما إن كانت غير متميزة مثل الزيادة في الركوع والسجود على القدر الذي تحصل به الطمأنينة، فهذه اختلفوا فيها على قولين، ولا يترتب على الخلاف فيها كبير فائدة؛ إذ لا يظهر للخلاف فائدة إلا مقدار الثواب أيثاب عليها ثواب فرض أم ثواب نافلة؟ ومقدار الثواب يرجع إلى أمور أخرى من الإخلاص وإتقان العمل، وهو أمر مغيب عنا، فلا نطيل بذكر الأدلة.