حجم الخط:

محتوى الدرس (8)

القسم الثاني: الحكم الوضعي

تعريفه:

الحكم الوضعي: هو خطاب الله تعالى بجعْلِ الشـيء سببًا أو شرطًا أو مانعًا أو صحيحًا أو فاسدًا.

أقسام الحكم الوضعي:

أ- السبب:

السبب في اللغة: ما يحصل الشيءُ عنده لا به. ومنه سمي الحَبْل سببًا، كما في قوله تعالى: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ [الحج:15].

وفي الاصطلاح: يطلق على عدة معانٍ هي:

1- العلامة المعرِّفة للحكم، مثل قولهم: غروب الشمس سبب للفطر، وطلوع الفجر سبب لوجوب الإمساك في رمضان.

2- العلة الكاملة، أي: العلة المستكملة شروطها المنتفية موانعها، كما يقال: أخذ المكلف، المال البالغ ربع دينار فصاعدًا، خفية، من حرز مثله، بلا شبهة، سبب القطع في السرقة. وكقولهم: الوطء في فرج محرم، بلا شبهة، من مكلف، هو سبب حد الزنى.

وبالنظر إلى هذين المعنيين عرفه بعضهم بأنه: (ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته).

وهذا التعريف ينطبق على المعنى الثاني (العلة الكاملة)؛ وذلك لأن السـرقة إذا توافرت فيها الشروط وانتفت الموانع لزم من وجودها وجوب القطع، وإذا انعدمت انعدم القطع لأجلها، ولا يمتنع قصاصًا، وهذا فائدة قولهم: (لذاته) أي: أن وجود المسبب لذات السبب وعدمه لعدم ذات السبب.

3- العلة مع تخلف شرطها، كما يقولون: ملك النصاب سبب لوجوب الزكاة وإن لم يحُلِ الحول.

4- ما يقابل المباشرة، فمن حرَّض على القتل ولم يقتل يسمى متسببًا، والقاتل يسمى مباشرًا، والفقهاء يقولون: إذا اجتمع المباشر والمتسبب في الجناية يكون الحكم على المباشر إلا إذا كان غير مكلف لجنون أو لصغر فيحكم على المتسبب.

ب- العلة:

العلة في اللغة: المرض، أو ما اقتضى تغييرًا في المحل.

وفي الاصطلاح: (وصف ظاهر منضبط دل الدليل على كونه مناطًا للحكم).

ومثالها: الإسكار علة لتحريم الخمر، والطعم مع اتحاد الجنس علة لتحريم التفاضل في بيع البر بالبر والتمر بالتمر وما جرى مجراهما.

والفقهاء قد يجعلون العلة مرادفة للسبب، وقد يجعلونها مباينة له، فيطلقون السبب على ما لا تعرف حكمته مما هو علامة على ثبوت حكم أو نفيه، مثل غروب الشمس، الذي هو علامة على وجوب صلاة المغرب، ويطلقون العلة على ما عرفت حكمته مما هو علامة على ثبوت حكم أو نفيه، مثل الإسكار علة للتحريم.

وقد يجعلون السبب أعم من العلة، فيقولون: السبب يطلق على ما عرفت حكمته وما لم تعرف. وأما العلة فلا تطلق إلا على ما عرفت حكمته. فهذه ثلاثة اصطلاحات لهم مشهورة.

ج- الشرط:

وهو في اللغة: التأثير، أو العلامة.

وفي الاصطلاح: وصف يلزم من عدمه عدم ما علق عليه، ولا يلزم من وجوده وجوده ولا عدمه.

مثاله: الطهارة شرط لصحة الصلاة، فيلزم من عدم الطهارة عدم صحة الصلاة، ولا يلزم من وجود الطهارة صحة الصلاة ولا عدمها؛ لأن الطهارة قد تحصل ولا تحصل صلاة، أو تحصل صلاة غير مستوفية لبقية الشروط والأركان.

· والشرط ينقسم أربعة أقسام بالنظر إلى طريق معرفته:

1- شرعي: وهو ما عرف اشتراطه بالشرع، مثل: الطهارة للصلاة.

2- عقلي: وهو ما عرف اشتراطه بالعقل، مثل: الحياة شرط للعلم.

3- عادي: وهو ما عرف اشتراطه بالعادة، مثل: وجود السلم شرط لصعود السطح.

4- لغوي: وهو التعليق الحاصل بإحدى أدوات الشـرط المعروفة في اللغة، كإن وإذا ونحوهما.

وهذا النوع الأخير يسمى شرطًا من حيث الاسم، وهو سبب من حيث المعنى؛ لأنه ينطبق عليه تعريف السبب؛ لأنه يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته. وهذا معنى قولهم: (الشروط اللغوية أسباب).

د- المانع:

هو في اللغة بمعنى: الحاجز أو الحائل.

وفي الاصطلاح: وصفٌ يلزم من وجوده عدم متعلقه، ولا يلزم من عدمه وجوده ولا عدمه.

مثل: الرق مانع من الإرث، والدَّين الحال مانع من الزكاة على الصحيح. فالرق وصف متعلق بشخص هو ابن للميت مثلاً، فلولا هذا الوصف لورث من تركته، ولكن لوجود هذا الوصف منع من الإرث، فيكون هذا الوصف مانعًا من موانع الإرث. وعدم الرق لا أثر له في وجود الإرث ولا عدمه، فقد يعدم الرق ولكن يكون الشخص ليس من الوارثين أصلاً أو محجوبًا بوارث آخر، كأن يكون الميت له ابن وابن ابن وكلاهما حر غير رقيق، فابن الابن لا يرث مع أنه ليس برقيق؛ لأنه محجوب بالابن.

ه‍- الصحة:

الصحة في اللغة: ضد المرض.

وفي الاصطلاح: ترتب الآثار المقصودة من الفعل عليه.

وهذا التعريف يصلح للصحة في العبادات وفي المعاملات؛ فإن الآثار المقصودة من فعل العبادة عند الفقهاء هي براءة الذمة وسقوط المطالبة به، وهذه تحصل من الفعل الصحيح للعبادة. وعند المتكلمين المقصود من فعل العبادة موافقة الأمر، ولهذا جعلوا الصحة هي موافقة الأمر، سواء أسقط القضاء بالفعل أم لا.

والآثار المقصودة من المعاملة تختلف باختلاف نوعها، فإن كانت بيعًا فهي دخول الثمن في ملك البائع والمبيع في ملك المشتري، وهذا يترتب على العقد الصحيح، وإن كانت إجارة فالمقصود منها تمكين المستأجر من العين المستأجرة لينتفع بها، وتمكين المؤجر من تملك الأجرة لينتفع بها، وهذا كله يحصل من العقد الصحيح.

ومن العلماء من فرق بين تعريف الصحة في العبادات وتعريفها في المعاملات؛ فجعل التعريف الذي ذكرته صالحًا لتعريف الصحة في المعاملات، وأما تعريف الصحة في العبادات فقد ذكروا له تعريفين: أحدهما للمتكلمين، وهو: موافقة الفعل لأمر الشارع. والآخر للفقهاء، وهو: سقوط القضاء.

والصحيح: ما ترتبت آثاره المقصودة منه عليه، وهذا يصدق على الصحيح من العبادات والعقود والإيقاعات كالطلاق والعتاق.

و- الفساد والبطلان:

الفساد في اللغة: ضد الصلاح.

والبطلان: ذهابُ الشيء خُسْرًا وهَدَرًا.

وفي الاصطلاح: تخلف الآثار المقصودة من الفعل عنه. فإن كانت عبادة ففسادها أن لا تبرأ بها الذمة، ولا يحصل بها الثواب. وإن كان عقدًا أو نحوه ففساده أن لا يترتب عليه أثره من نقل الملك أو حل الاستمتاع ونحو ذلك.

· الفرق بين الفاسد والباطل:

الفاسد والباطل عند الجمهور بمعنى واحد، وهو: ما لا يترتب عليه أثره.

وعند الحنفية يفرق بينهما بأن الفاسد: ما شرع بأصله ولم يشرع بوصفه، والباطل: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه.

ومثال الفاسد عندهم: العقود الربوية، فإذا باع رشيد من رشيد درهما بدرهمين فالعقد فاسد وليس بباطل، ومثال الباطل عندهم: إذا باعه حمل الحمل الذي في بطن ناقته، أو باع الدم بدراهم، فالعقد باطل في الصورتين؛ لأن الخلل في المبيع، فحمل حمل الناقة معدوم، والدم نجس.

وبين العقدين - عندهم - فرق كبير؛ فإن العقد الفاسد إذا اتصل بالقبض يفيد الملك الخبيث، والباطل لا يفيد شيئًا. والعقد الفاسد يمكن إصلاحه برد الزيادة إذا كانت هي سبب الفساد فيكون الباقي حلالاً طيبًا، أما الباطل فهو لغو لا فائدة فيه ولا يمكن إصلاحه.

· تنبيه:

وقع التفريق بين الفاسد والباطل للشافعية في عقد الكتابة، فجعلوا منها فاسدًا وباطلاً، وفرقوا بينهما. ووقع مثل ذلك للحنابلة في النكاح ففرقوا بين العقد الفاسد والباطل وجعلوا الباطل ما اختل ركنه ككون الزوجة معتدة، والفاسد ما اختل شرطه كالنكاح بلا ولي.

والصحة والفساد جعلهما الرازي وأتباعه من الأحكام التكليفية، وقالوا الصحة ليست شيئًا زائدًا على الاقتضاء والتخيير، بل هي راجعة إلى واحد من الأحكام التكليفية الخمسة.

وجعلها ابن الحاجب من الأحكام العقلية لا من الأحكام الشرعية.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة