التكليـف
التكليف في اللغة: مصدر كلف يكلف وهو الإلزام بما فيه كلفة، والكلفة هي المشقة، فيكون التكليف بمعنى الأمر بما فيه مشقة. وكلف بالشيء كلفًا وكلفه: أحبه، والمتكلف: الواقع فيما لا يعنيه[1].
والتكليف في الاصطلاح: (الخطاب بأمر أو نهي) وعرفه بعضهم بأنه: (الإلزام بما فيه كلفة ومشقة).
ومن عرف التكليف بأنه: الخطاب بأمر أو نهي، جعل الأحكام التي تسمى تكليفية حقيقة أربعة، هي: الواجب، والمندوب، والمحرم، والمكروه، وأما الإباحة فسميت تكليفًا إما بالنظر إلى اعتقادها وإما من باب التغليب. وقد تقدم أن الأولى إخراج الإباحة عن الأحكام التكليفية.
ومن عرف التكليف في الاصطلاح بمثل التعريف اللغوي فقال: (هو الإلزام بما فيه كلفة). فقد قصر الأحكام التكليفية على الواجب والمحرم؛ لأنها هي التي فيها إلزام.
صحة تسمية أوامر الشرع ونواهيه تكاليف:
أنكر بعض العلماء أن تسمى أوامر الشـرع ونواهيه تكاليف؛ لأنها ليس فيها مشقة[2].
والصواب: صحة الإطلاق؛ إما من جهة أن الإطلاق جاء من قولهم: كَلِفت بالأمر، إذا أحببته، وتكاليف الشـرع محبوبة للمؤمن، وإما من جهة أن التكاليف الشرعية لا تخلو من مشقة، ولكنها مشقة معتادة؛ ولذلك قال النبي ﷺ: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» [رواه مسلم من حديث أنس مرفوعًا]، وتكون المشقة المنفية هي المشقة الخارجة عن المعتاد المؤدية إلى اختلال الحياة أو المعاش.
ومما يدل على صحة تسمية أوامر الشرع تكليفًا قوله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ ﴾ [البقرة:286] فالآية تدل على امتناع التكليف بما خرج عن الوسع والطاقة، وتدل على صحة التكليف بما يدخل تحت الوسع والقدرة بطريق المفهوم.
للتكليف ثلاثة أركان: المكلِّف، والمكلَّف، والمكلَّف به، وقد يزاد ركن رابع هو الصيغة والطلب.
فالمكلِّف: هو الآمر وهو الله جل وعلا.
والمكلَّف: هو البالغ العاقل.
والمكلَّف به: هو الفعل أو الترك.
وصيغة التكليف: هي الأمر والنهي وما جرى مجراهما.
التكليف له شروط بعضها يرجع إلى المكلف وبعضها يرجع إلى الفعل المكلف به.
والشروط التي ترجع إلى المكلَّف قسمان:
أ- شروط عامة.
ب- شروط خاصة ببعض التكاليف.
فالشروط العامة في كل التكاليف هي:
وهو يحصل ببلوغ الذكر أو الأنثى خمس عشرة سنة، كما يحصل بالإنزال باحتلام أو بجماع، أو بنبات الشعر الخشن حول العانة. وتزيد الأنثى بالحيض والحمل فإنها من علامات بلوغها.
والدليل على كون البلوغ شرطًا للتكليف حديث: «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر منهم: «الصغير حتى يحتلم» [أخرجه أحمد وأصحاب السنن].
واختلف العلماء في مَن بلغ عشر سنين ولم تظهر عليه علامات البلوغ هل يعد مكلفًا؟
فذهب الجمهور إلى أنه ليس بمكلف؛ للحديث السابق.
وذهب الإمام أحمد في رواية إلى أنه مكلف بالصلاة دون غيرها؛ لحديث: «واضربوهم عليها لعشر»، ولا يضرب على الترك من ليس بمكلف. وذهب بعض المالكية إلى أنه مكلف بالمندوبات والمكروهات دون الواجبات والمحرمات؛ لأنه يثاب على الطاعات إذا فعلها فتكون مندوبة في حقه، ولا يعاقب على المعاصي فتكون مكروهة في حقه.
فمن لا يعقل الخطاب ولا يفهمه لا يمكن أن يخاطب، وخطابه عبث وسفه يتنزه الله عنه.
والدليل على عدم خطاب المجنون قوله ﷺ: «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر منهم: «المجنون حتى يفيق». ويلحق بالمجنون كل من لا يعقل الخطاب من نائم أو مغمى عليه أو ذاهل ناس فإنه حال نسيانه لا يخاطب. وهذا لا يمنع وجوب الفعل في ذمته ووجوب قضائه، وقد يسمى مخاطبًا بهذا المعنى أي بمعنى لزوم الفعل في ذمته.
فالعاجز لا يكلف؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ ﴾ [البقرة:286]، وقوله: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ ﴾ [الطلاق:7]، وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ ﴾ [الحج:78].
وهو أن لا يكون مكرهًا على الفعل ولا على الترك، والدليل على اشتراط هذا الشرط قوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾ [النحل:106]، فالآية تدل على عدم مؤاخذة من أكره على النطق بكلمة الكفر، وإذا عذر في النطق بكلمة الكفر فمن باب أولى عذره فيما عدا ذلك من حقوق الله جل وعلا.
وأما حقوق الآدميين فلا تسقط بالإكراه؛ لأن إيجابها من باب الربط بين الأسباب ومسبباتها. وسيأتي بيان للمسألة في موانع التكليف.
فمن لم يعلم بالتكليف لا يُعدُّ مكلفًا، قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا ﴿ ١٥ ﴾ ﴾ [الإسراء:15]، والحكمة من بعثة الرسل تعليم الناس حكم الله تعالى، ومفهوم الغاية في هذه الآية يدل على أنه بعد بعثة الرسل يمكن مؤاخذة المكلفين على تقصيرهم وتفريطهم.
والتكاليف الشرعية منها ما لا يعذر أحد بجهله بعد الدخول في الإسلام؛ لكونها مما علم من الدين بالضرورة، مثل وجوب الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وتحريم الزنا، والكذب، والظلم، ونحو ذلك.
فهذه الأحكام من ادعى الجهل بها من المسلمين إما أن يكون كاذبًا في دعواه أو يكون مفرطًا ومضيعًا لدينه؛ لأن العلم بها يقارن العلم بالإسلام.
والصنف الثاني من الأحكام يمكن أن يجهلها المسلم لعدم اشتهارها أو لغموض أدلتها أو لحاجتها إلى نظر واستنباط، مثل حرمة بيع العينة، وبعض أنواع البيوع التي قد يجهلها الإنسان العادي، وبعض أحكام الطهارة كالمسح على الخفين، وبعض أحكام الصلاة كصلاة المسبوق وصلاة من لا يجد ما يستره، وبعض أحكام الزكاة كزكاة الحلي وأنصبة الزكاة، وبعض أحكام الصوم كاستعمال الإبر المغذية ونحوها.
فهذا النوع من الأحكام يعذر الجاهل بدعوى الجهل به فلا يلحقه إثم بما فعله أو تركه مما يخالف حكم الله، ولكن يجب عليه استدراك ما فاته إذا علم بحكم الله جل وعلا، ومن العلماء من رأى أنه لا يطالب باستدراك ما فاته ولا يؤاخذ إلا بحقوق الآدميين؛ فإنها لا تسقط بجهله؛ لأن الاضطرار لا يبطل حق الغير.
والقول الأول هو الصحيح إن شاء الله، ولكن قد يعذر في استدراك ما فاته بجهله إذا كانت مطالبته بذلك توقعه في حرج ومشقة، كمن صلى أكثر عمره وهو يمسح على خف لا يستر محل الفرض أو يمسح على خف لم يلبسه على طهارة ونحو ذلك. وسيأتي للمسألة مزيد بيان في موانع التكليف.
وأما الشروط التي تختلف باختلاف المكلف به فمنها: الحرية، فهي شرط للتكليف بالجهاد والجمعة، وليست شرطًا للتكليف بالصلاة والصوم. ومنها: الذكورية، وهي شرط للتكليف بالجمعة، ومنها: الإقامة، شرط للجمعة، ونحو ذلك.