حجم الخط:

محتوى الدرس (11)

شروط الفعل المكلف به:

1- أن يكون معلومًا:

والمراد بهذا الشرط أن تكون حقيقة الفعل المأمور به معلومة، والأمر به معلومًا لدى أهل العلم من المكلفين، والدلائل عليه منصوبة؛ لأن الأمر بغير المعلوم عبث يتنزه الله عنه. وليس معناه أن يعلمه كل مكلف، بل يكفي نصب الدلائل على التكليف به بحيث يعرفها من طلبها.

وهذا الشرط يختلف عن الشرط السابق الذي ذكرناه في شروط المكلف؛ لأن ذلك الشرط يشمل كل مكلف، ولذلك وقع الخلاف في اشتراطه.

أما هذا فهو شرط في الفعل نفسه بغض النظر عن آحاد المكلفين، فإذا كان معلوم المقدار وعُلِم الأمر به من بعض المكلفين صح التكليف به، ويجب على من جهل مقداره أن يطلب العلم به من أهله، وأما مؤاخذة كل مكلف بتقصيره فكما تقدم، تختلف باختلاف اشتهار التكليف به وعدمه، فيعذر في جهل بعض الأفعال دون بعض كما تقدم، ويعذر حديث الإسلام، ومن عاش ببادية فيما لا يعذر به غيره.

2- أن يكون معدومًا:

ومعناه أن يكون غير حاصل حال الأمر به إن كان مأمورًا به؛ وذلك لأن الحاصل لا يمكن تحصيله، فمن صلى الفجر لا يؤمر به بعد فعله، وهذا الشرط لا ينطبق إلا على المأمور به، أما المنهي عنه فيمكن أن يكون معدومًا كما ينهى المسلم عن الزنا وهو لم يرتكبه، وعن الكذب وهو لم يكذب، ويكون موجودًا كما ينهى الكاذب عن الكذب، وشارب الخمر عن شربه، مع مباشرته للفعل المحرم، ولم أجد من نبه على اختصاص هذا الشرط بالمأمور به مع ظهوره لمن تأمله، وقد يقال: إن النهي عن الفعل المستقبل - وهو معدوم - لا عن الموجود الواقع، والأول أظهر.

3- أن يكون ممكنًا:

[معنى الإمكان]:

ومعنى الإمكان أن لا يكون واجب الوقوع ولا ممتنع الوقوع عقلاً، وخالف الأشعرية فأجازوا التكليف بالمحال، واختلفوا في وقوعه في الشرع، وأكثرهم لا يرى وقوعه.

ومحل النزاع هو المستحيل عقلاً كالجمع بين الضدين، أو عادة كالصعود إلى السطح بلا سلم، أو ما يقوم مقامه.

أما المستحيل لتعلق علم الله الأزلي بعدم وقوعه فلا خلاف في جواز التكليف به ووقوعه، والصواب أنه لا يسمى مستحيلاً؛ لأنه ممكن بمقتضى العقل والعادة، ولأن علم الله بعدم وقوعه غيب عنا ولم نكلَّف بمعرفته ولا ببناء الأحكام عليه.

ومثاله: تكليف من علم الله أنه يموت على الكفر بالإيمان، وتكليف من علم الله أنه لا يدرك الصلاة، بالصلاة، فالمثال الأول لا خلاف في جوازه ووقوعه، والمثال الثاني وقع فيه خلاف لفظي؛ لاتفاقهم على أنه معذور إذا مات وهو عازم على الصلاة في آخر وقتها أو ساه عنها، أما إذا كان ذاكرًا عازمًا على الترك فيأثم على ذلك القصد السيء على الصحيح، وقد قيل لا يلزمه العزم بل يكون معذورًا إذا مات قبل ضيق الوقت.

الأدلة على امتناع التكليف شرعًا بما لا يطاق عقلاً أو عادة:

1- قوله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ [البقرة:286]، ووجه الدلالة أن الله أخبر - وخبره صدق - أنه لا يكلف الإنسان ما لا يطيق، ولا شك أن المستحيل غير داخل تحت الوسع والطاقة.

2- قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ [الحج:78]، وجه الدلالة: أن الله أخبر - وخبره صدق - أنه لم يجعل في ديننا حرجًا، ولا شك أن التكليف بالمستحيل حرج عظيم.

3- قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، وجه الدلالة: أن التكليف بالمستحيل عسر ومشقة، والله أخبر - وخبره صدق وحق - أنه لا يريد بنا العسر.

4- قوله : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» [متفق عليه]. وجه الدلالة: أن الحديث يدل على عدم وجوب الإتيان بالعمل الشاق الذي لا يستطيعه الإنسان وإن كان ممكنًا، ومن باب أولى لا يكلف بالمستحيل.

5- استقراء فروع الشريعة الإسلامية يدل على عدم وقوع التكليف بالمستحيل.

6- أن المستحيل لا يتصور وقوعه، وما لا يتصور وقوعه فليس بشيء فلا يؤمر به.

7- ما ثبت في صحيح مسلم أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ۖ [البقرة:284] اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ، فأتوا رسول الله ثم بركوا على الركب فقالوا: أيْ رسولَ الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟! بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير» قالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ إلى قوله: ﴿ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿ ٢٨٥ [البقرة:285] فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ قال: نعم، ﴿ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ قال: نعم ﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ [البقرة:286] قال: نعم ﴿ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿ ٢٨٦ [البقرة:286] قال: نعم. [رواه مسلم].

[من قال بجواز التكليف بما لا يطاق]:

وذهب أكثر الأشعرية إلى جواز التكليف بما لا يطاق، وزعموا أنه مذهب أهل السنة والجماعة، واختلفوا في وقوعه، فذهب بعضهم إلى أنه جائز وواقع، وذهب آخرون إلى عدم وقوعه رأفة ورحمة من الله سبحانه وتعالى، وساق الرازي في المحصول عليه أدلة كثيرة أكثرها تدل - لو سلمت - على وقوعه في الشريعة الإسلامية.

ومن قال بجواز التكليف بما لا يطاق، إن كان مراده الجواز العقلي فإننا لا ندعي أن العقل هو المانع منه بل الدليل على امتناعه الشرع.

وإن ادعوا الجواز الشرعي فهو مردود بالأدلة السابقة.

· وأما القائلون بالوقوع شرعًا فقد استدلوا على الجواز والوقوع بأدلة منها:

1- قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ [البقرة:286]، ووجه الدلالة: قالوا: لو لم يكن ذلك ممكن الحصول لما سألوا الله أن لا يحملهم ما لا طاقة لهم به؛ لأن الممتنع لا يشرع أن يسأل الله منعه، فلا يجوز أن تقول اللهم لا تظلمني.

والجواب من وجهين:

أ- أن المراد بما لا طاقة لهم به: الشاق، وليس المستحيل الوقوع عقلاً أو عادة.

ب- أن الله قد استجاب دعاءهم كما ثبت في صحيح مسلم أن الله قال: قد فعلت، وقد تقدم الحديث بطوله، واستجابته تدل على عدم وقوعه.

2- أن أبا لهب مكلف بالإيمان، مع علم الله جل وعلا بأنه لا يؤمن، ووقوع خلاف علم الله محال، فيكون قد كلف بالإيمان وهو محال.

وساق الآمدي هذا الدليل بوجه آخر فقال: (إن الله أخبر أن أبا لهب من أهل النار، بقوله: ﴿ سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴿ ٣ [المسد:3]، ومع ذلك أمره بالإيمان بما جاء به محمد ، ومما جاء به محمد هذه الآية التي تدل على عدم إيمانه، فيكون قد أمر أن يؤمن بأنه لن يؤمن، وهذا محال).

· والجواب من وجهين:

أ- أن هذا ليس تكليفًا بالمحال؛ لأن إيمان أبي لهب لم يكن محالاً في حياته؛ إذ لم يحل بينه وبين الإيمان حائل، وإنما منعه كبره وعناده، ومرادنا بالمحال المستحيل عقلاً أو عادة.

ب- أن الآية ليس فيها نص على أنه لن يؤمن، بل فيها أنه سيصلى النار، وقد يدخل النار المؤمن لتمحص ذنوبه ثم يخرج منها كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ﴿ ٧١ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ﴿ ٧٢ [مريم:71-72].

وقد نسب الآمدي وغيره إلى أبي الحسن الأشعري القول بأن التكاليف الشـرعية كلها مما لا يطاق تفريعًا على قوله بأن أفعال العباد مخلوقة والله خالقها، وقوله: إن القدرة على الفعل لا تتقدم الفعل.

والصحيح أنه لا يلزم على القول بأن أفعال العباد مخلوقة لله أن تكون التكاليف الشرعية مما لا يطاق؛ لأن القول بخلق الأفعال لا يناقض القول بأن العبد هو الفاعل لفعله حقيقة، فإذا أثيب أو عوقب فإنما يثاب ويعاقب على فعله. وأما قوله بعدم تقدم القدرة على الفعل فغير مسلم، والكلام فيه ليس من غرض الأصولي والفقيه، ومحله علم الكلام.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة