7- الإكراه:
وهو حمل غيره على فعل لا يفعله لو خلي ونفسه.
وقد قسمه الحنفية والجمهور إلى ملجئ وغير ملجئ، ولكن اختَلَف اصطلاحهم في تعريف الإكراه الملجئ وغير الملجئ على النحو التالي:
هو الذي لا يكون للمكره فيه قدرة على الامتناع ويكون كالآلة في يد المكره، ومثلوه بما لو ألقاه من مكان مرتفع على صبي فمات، أو ربطه وأدخله في دار حلف ألا يدخلها.
وغير الملجئ عندهم ماعدا ذلك من أنواع الإكراه كالتهديد بالقتل أو الضـرب أو السجن.
هو أن يكون التهديد فيه بقتل أو قطع طرف أو جرح أو ضرب مبرح أو حبس مدة طويلة ممن يستطيع أن يفعل ذلك.
فهم حددوا ما يسمى إكراهًا ملجئًا بالنظر إلى نوع التهديد فإن كان متَحَمَّلاً سُمّي غير ملجئ وإن كان غير متحمل عادة سُمي ملجئًا. ولهذا اختلفوا في بعض أنواع من التهديد هل يعد الإكراه بها مُلجئًا؟ مثل حبس الوالد أو الولد، أو ضربهما أو قتلهما، إلى غير ذلك.
وغير الملجئ عند أكثر الحنفية هو ما كان التهديد فيه بأقل مما ذكر في الملجئ.
أما الإكراه الملجئ باصطلاح الشافعية ومن وافقهم فهو يمنع التكليف باتفاق؛ لأن المكلف لا ينسب إليه شيء من العمل فهو كالآلة.
ولكن الحنفية لا يسمون هذا النوع إكراهًا، بل يقولون الفعل لا ينسب إلى الإنسان أصلاً، فلا يقال أكره عليه، فإذا أُلقِي الإنسان من مكان مرتفع على طفل فمات الطفل فالقاتل ليس الملقَى، بل الملقي، والملقى لا يعدو أن يكون آلةً، فهو كالحجر.
وأما الإكراه غير الملجئ باصطلاح الحنفية فهو لا يمنع التكليف باتفاق، لأنه تهديد بما يمكن تحمله، فإقدام المكره على الفعل يكون باختياره؛ لأنه متمكن من الصبر على الأذى الذي هدد به. ويبقى الإكراه الملجئ باصطلاح الحنفية وهو ما كان التهديد فيه بقتل أو قطع طرف أو جرح أو ضرب مؤلم ونحو ذلك ممن يمكنه فعل ما هدد به.
فهذا مختلف فيه على أقوال:
القول الأول: أن الإكراه لا يمنع التكليف وهو مذهب الشافعية والحنفية وجمهور الأصوليين، ولكن الحنفية يعبرون بعبارة أخرى وهي قولهم: (لا يؤثر في أهلية الوجوب ولا في أهلية الأداء) لأنهم لا يعبرون بالتكليف.
القول الثاني: أنه يمنع التكليف بما يوافق مراد الشارع ولا يمنع التكليف بنقيضه، وهذا مذهب أكثر المعتزلة. ومعناه أن من أكره على فعل مراد للشارع فَفَعَله لأجل الإكراه لا يعد مكلفًا فلا يثاب على هذا الفعل. وإن امتنع يعد مكلفًا فيعاقب على الترك، وإن أكره على فعل يخالف مراد الشارع كالزنا وسب الرسول ﷺ فإن امتنع فهو مكلف ويثاب، وإن فعل فليس بمكلف، فلا يعاقب.
والسبب في هذا القول أنهم يربطون بين التكليف والثواب والعقاب، فحيث وجد التكليف فلا بد من الثواب أو العقاب، وحيث عدم التكليف فلا ثواب ولا عقاب.
والجمهور مع قولهم إن الإكراه لا يمنع التكليف لا يقولون إن المكره يؤاخذ على كل ما يقوله أو يفعله؛ لأن التكليف عندهم الخطاب بأمر أو نهي، والمكره مخاطب، وكونه مخاطبًا لا يلزم منه حصول الثواب أو العقاب ولا يلزم منه صحة جميع تصرفاته.
والحكم الفقهي لما يفعله المكره فيه تفصيل على النحو التالي:
الإكراه بحق على بيع ماله لسداد الغرماء أو على عتق عبده، ونحو ذلك فهذا ينفذ ويصح.
الإكراه بغير حق، وهذا يختلف حكمه باختلاف المكره عليه، فهو إما أن يكون قولاً أو فعلاً.
أ- فأما الأقوال فهي أنواع نجمل أهمها فيما يلي:
1- العقود المالية، كالبيع والإجارة ونحو ذلك، وهذه لا تصح ولا تنعقد عند الجمهور، وذهب الحنفية إلى أنها فاسدة لا باطلة، ويمكن تصحيحها برضا العاقدين بعد ارتفاع التهديد والإكراه.
2- العتق والنكاح والطلاق، وهي عقود لا تقبل الفسخ، وهذه لا تقع مع الإكراه عند الجمهور، وعند الحنفية تقع؛ لأنها تقع مع الهزل فمع عدم الرضا كذلك، ولكن يرجع على من أكرهه لضمان ما لحقه من الخسارة.
3- الأقوال المحرمة كالنطق بكلمة الكفر وسب الرسول ﷺ، وهذه يعد الإكراه عذرًا مسقطًا لعقوبتها إن نطق بها وقلبه مطمئن بالإيمان كما قال تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾ [النحل:106]. والنطق بها رخصة فإن صبر على الأذى وامتنع أثيب على ذلك، وأما القذف ونحوه فالإكراه يسقط عقوبته والإثم المترتب عليه.
ب- الأفعال، وهي أنواع، أهمها ما يلي:
1- أفعال الكفر، كتمزيق المصحف وإهانته والذبح للصنم ونحو ذلك، وهذه كالنطق بالكفر يرخص للمكره في فعلها إن فعلها وقلبه مطمئن بالإيمان على الصحيح. وذهب بعض العلماء إلى أنه يؤاخذ عليها؛ لحديث الرجلين اللذين مرَّا على صنم لا يجوزه أحد حتى يقرِّب إليه قربانًا، فامتنع أحدهما فقتلوه فدخل الجنة، وقال الآخر: لا أجد ما أقرِّبه له، فقالوا: قَرِّب ولو ذبابًا، فقرب ذبابًا فدخل النار. [أخرجه ابن أبي شيبة من حديث سلمان رضي الله عنه].
والصواب عدم مؤاخذته، وهذا الحديث لا دليل فيه على مسألتنا؛ لأن الرجل الذي قرب ذبابًا قربه مختارًا طائعًا بدليل أنه علل عدم التقريب للصنم بعدم وجوده ما يقربه، ولم يعلله بالتحريم والخوف من غضب الله جل وعلا.
ويمكن أن يجاب بأن هذا في شرع من قبلنا وقد جاء شرعنا بخلافه فأباح لنا النطق بكلمة الكفر مع طمأنينة القلب فقال تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ﴾ [النحل:106]، وقال ﷺ: «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» [أخرجه ابن ماجه] ولا فرق بين الأقوال والأفعال الكفرية.
2- قتل المعصوم أو جرحه أو قطع طرف من أطرافه، والإكراه لا يبيح ذلك باتفاق؛ فالفاعل يأثم باتفاق، وهل يقتص منه؟ اختلف في ذلك، فقيل: يقتص من المكرَه، وقيل: يقتص من المكرَه والمكرِه، وقيل: يُقتص من المكرِه (بالكسر) فقط، وقيل: يسقط القصاص، والصواب الاقتصاص من المكرَه (بالفتح).
3- الزنى: والإكراه عليه لا يبيحه باتفاق، واختلفوا في إقامة الحد على المكره، والصواب أنه لا حد عليه؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، والإكراه شبهة قوية، وأما المكرِه فلا حد عليه باتفاق.
وفرق بعضهم بين المرأة والرجل، فقال إذا أكرهت المرأة على الزنى فلا إثم عليها، وإن أكره الرجل ففعل فعليه الإثم؛ لأن زناه لا يكون إلا باختياره؛ إذ لا جماع بغير شهوة وانتشار، فإن حصل منه ذلك كان مطاوعًا مختارًا.
وبهذا يتبين أن قول جمهور العلماء: (إن المكرَه مكلفٌ، وإن الإكراه لا يمنع التكليف) لا يعني مؤاخذته على كل ما أكره عليه.
ولَمَّا رأى بعض العلماء أن الله قد عفا عن المكره إلا في الحالات التي قدم فيها صيانة نفسه على صيانة غيره من المسلمين، قال: إن المكره غير مكلف، وهو وإن خالف الجمهور في ذلك من حيث اللفظ لكنه موافق لهم في المعنى، غير أنه نظر إلى آثار التكليف - وأهمها المؤاخذة الأخروية - فوجدها منتفية فنفى التكليف.
والقول بعدم تكليف المكره هو الأليق بمذهب السلف، والأقرب إلى ظاهر القرآن والسنة؛ لأن الله تعالى لم يؤاخذ من نطق بكلمة الكفر مكرهًا فقال تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ﴾ [النحل:106] والرسول ﷺ قال: «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» [أخرجه ابن ماجه].
والتكليف مع الإكراه فيه حرج شديد ومشقة عظيمة، والله تعالى يقول: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ ﴾ [البقرة:286]، ويقول: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ ﴾ [الحج:78] ويقول: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ﴾ [المائدة:6].
والإجماع الذي حكوه على أن الإكراه لا يبيح قتل المعصوم والزنى، يحمل على أنه لم يسقط عنه الإثم؛ لأنه في القتل قدم مصلحة نفسه على مصلحة أخيه المسلم، والرسول ﷺ يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [متفق عليه من حديث أنس]. وفي مسألة الزنى لأن القرينة تدل على أنه أقدم على الزنى لشهوة وإلا لما استطاع أن يجامع. وأما المرأة المغتصبة غير المطاوعة فهي غير مكلفة على الصحيح.
وقد تكون مسألة تكليف المكره ذات صلة بمسألة أخرى وهي مسألة التكليف بما لا يطاق، فإن أكثر الأشعرية على صحة هذا التكليف كما تقدم، ولهذا ناسبهم أن يقولوا هنا بتكليف المكره.
وعلى القول الصحيح هناك أنه لا يجوز التكليف بما لا يطاق ينبغي أن نقول هنا بمنع تكليفه.