حجم الخط:

محتوى الدرس (15)

الدليل الأول: الكتاب

القراءة الصحيحة والقراءة الشاذة:

[تمهيد]:

القرآن الكريم نزل على سبعة أحرف تسهيلاً وتيسيرًا على الناس، يدل على ذلك قول الرسول : «أنزل القرآن على سبعة أحرف» [متفق عليه].

والأحرف السبعة التي نزل القرآن بها كلها عربية، ولما جمع القرآن في المصاحف الجمعة الأخيرة اقتصر فيه على حرف واحد، وهو الحرف الذي كانت قريش تقرأ به.

والقراءات العشر لا تخرج عن الحرف الذي أثبت في المصحف العثماني. وقيل إن مصحف عثمان مشتمل على الأحرف السبعة[1] وليس هذا موضع بسط الكلام في ذلك.

والقراءات منها ما هو صحيح، ومنها ما هو شاذ، ومنها ما هو باطل.

فالقراءة الصحيحة هي: ما صح سندها، ووافقت اللغة ولو من وجه، ووافقت رسم المصحف العثماني.

والقراءة الشاذة: ما صح سندها ووافقت اللغة ولو من وجه، وخالفت رسم المصحف العثماني.

والمخالفة قد تكون بزيادة كلمة أو تغييرها ونحو ذلك، ومثالها قراءة ابن مسعود: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات»، فكلمة (متتابعات) غير موجودة في المصحف العثماني، ولهذا أطلق عليها بعض العلماء اسم القراءة الشاذة أو الآحادية.

والقراءة الباطلة: ما اختل فيها أحد الشرطين الأولين، وهما: صحة السند، وموافقة اللغة العربية. فأي قراءة لم يصح سندها أو لم توافق العربية بوجه من الوجوه هي قراءة باطلة لا تجوز القراءة بها ولا الاحتجاج بها باتفاق.

ولما كان رسم المصحف العثماني متواترًا، عدوا ما خرج عنه آحادًا أو شاذًا.

واختلفوا في القراءة الشاذة أو الآحادية هل تجوز القراءة بها في الصلاة؟:

فذهب الجمهور إلى عدم صحة القراءة بها؛ لأنها ليست قرآنـًا؛ إذ القرآن متواتر وهي ليست متواترة. وذهب بعض العلماء إلى صحة القراءة بها في الصلاة إذا صح سندها، واستدل بأن ابن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما كانوا يقرأون بها ولا يمكن أن نقول ببطلان صلاة هؤلاء وأمثالهم.

وهذا القول إحدى الروايتين عن مالك وإحدى الروايتين عن أحمد واختاره ابن القيم رحمه الله[2]، ومذهب الجمهور أحوط. وكون القراءة نقلت عن أحد الصحابة بطريق الآحاد لا يلزم منه كونها قرآنًا، ولا يلزم أنه كان يقرأ بها في الصلاة؛ لاحتمال أنه كان يقولها تفسيرًا لما في القرآن من إجمال، وتقييدًا لما فيه من إطلاق.

حجية القراءة الشاذة:

اختلف العلماء في حجية القراءة الشاذة (الآحادية) على قولين:

القول الأول: أنها حجة، وهو منسوب لأبي حنيفة وأحمد، وأكثر أصحابهم، وحكاه البويطي عن الشافعي.

ودليل هذا القول: أن هذه القراءة نقلت عن الرسول بسند صحيح فهي لا تخلو إما أن تكون قرآنًا أو سنة، وعلى كلا الاحتمالين فهي حجة.

القول الثاني: أنها ليست بحجة، وهو المشهور عن الشافعي رحمه الله.

والدليل على ذلك أن الصحابي نقلها على أنها قرآن، لا على أنها سنة، وهي لا يمكن أن تكون قرآنًا؛ لأن القرآن متواتر وهي غير متواترة، ولأن الظاهر أنها تفسير من الصحابي نفسه، ومذهب الصحابي ليس حجة عند الشافعي.

والصواب الأول، وقولهم: لا يمكن أن تكون قرآنًا، لا يصح إلا على التسليم باشتراط التواتر في كل كلمة من كلمات القرآن وهذا محل خلاف، قال الشوكاني: (وقد ادُّعِي تواتر كل من القراءات السبع... وليس على ذلك أثارة من علم؛ فإن هذه القراءات كل واحدة منها منقولة نقلاً آحاديًا كما يعرف ذلك من يعرف أسانيد هؤلاء القراء، وإنما هو قول قاله بعض أهل الأصول، وأهل الفن أخبر بفنهم)[3].

وقولهم: إنها قول صحابي، يجاب بأن قول الصحابي في تفسير القرآن حجة؛ لما علمناه من تورعهم عن القول في كتاب الله بما لا علم لهم به. والله أعلم.

ومن الفروع التي بنيت على هذا الأصل ما يلي:

1- وجوب التتابع في صيام كفارة اليمين، فمن أوجبه استدل بقراءة ابن مسعود «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» كالحنفية والحنابلة، ومن لم يوجبه لم يستدل بهذه القراءة كالشافعية والمالكية في الأظهر.

2- المراد بالصلاة الوسطى في قوله تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ [البقرة:238] ورد في قراءة عائشة: «والصلاة الوسطى وصلاة العصـر»[4]، فمن احتج بالقراءة الآحادية احتج بهذه القراءة على أن الصلاة الوسطى ليست صلاة العصـر؛ لعطفها بالواو على الصلاة الوسطى، والعطف يقتضـي المغايرة، ومن لم يحتج بالقراءة الآحادية لم يحتج بهذه القراءة، وربما ذهب إلى أنها صلاة العصر أو غيرها بأدلة أخرى.

ومن العلماء من لم يستدل بهذه القراءة؛ لعدم ثبوتها عنده، لا لأنه لا يقول بحجية القراءة الآحادية.

3- تفسير القروء الوارد في العدة بالأطهار.

قال تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ [البقرة:228] واختلفوا في المراد بالأقراء: أهي الحيض أم الأطهار؟ فذهب أبو حنيفة وأحمد إلى أنها الحيض، وذهب مالك والشافعي إلى أنها الأطهار.

ومما استدل به من قال إنها الأطهار، قراءة: «فطلقوهن لقبل عدتهن» بدل قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1] ذكر ذلك الإمام الشافعي في الأم[5]، مع أن المشهور عن الشافعي عدم الاحتجاج بالقراءة الآحادية، ولعله احتج بهذه القراءة لأنها مسندة للنبي لا إلى أحد من الصحابة كما في قراءتي ابن مسعود وعائشة السابقتين، وأما أبو حنيفة وأحمد فلعل القراءة لم تصح عندهما، فتركا الاحتجاج بها. والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة