حجم الخط:

محتوى الدرس (25)

طرق معرفة العلة

[تمهيد]:

يتعرف المجتهد على العلة بعدة طرق، بعضها محل وفاق وبعضها محل خلاف، أهمها ما يلي:

1- النص:

والمقصود به أن يرد بيان العلة في النص من قرآن أو سنة، وهو أقوى الطرق لمعرفة العلة.

· والنص على العلة قسمان:

أ- نص صريح، مثل قوله تعالى: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32]. ومثل قوله : «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» [متفق عليه].

ب- النص غير الصريح، ويقصد به الظاهر في التعليل الذي يحتمل غيره.

ومن أمثلته قوله في الهرة: «إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات» [أخرجه الخمسة]، فقوله إنها من الطوافين، يفيد أن علة طهارتها كونها من الطوافين، وصعوبة التحرز منها فيلحق بها الفأرة ونحوها من سواكن البيوت.

2- الإجماع:

الإجماع طريق صحيح من الطرق التي تعرف بها العلة عند جماهير العلماء، وقد استشكل ذلك بعضهم فقال: كيف يكون الإجماع على العلة دليلاً على صحتها، مع أن المخالفين للقياس لا يقولون بالتعليل وهم بعض الأمة؟

وقد أجاب عن ذلك إمام الحرمين فقال: (الذي ذهب إليه ذوو التحقيق أنا لا نعد منكري القياس من علماء الأمة وحملة الشريعة؛ فإنهم مباهتون أولاً على عنادهم فيما ثبت استفاضة وتواترًا، ومن لم يزعه التواتر ولم يحتفل بمخالفته لم يوثق بقوله ومذهبه، وأيضًا فإن معظم الشريعة صدر عن الاجتهاد، والنصوص لا تفي بالعشر من معشار الشريعة، وهؤلاء ملتحقون بالعوام، وكيف يدعون مجتهدين ولا اجتهاد لهم؟)[1].

ومثال العلة المجمع عليها: الصغر علة للولاية على مال اليتيم، فيقاس عليه الولاية في النكاح. والتعدي على المال علة لوجوب الضمان على الغاصب، فيقاس عليه ضمان المسروق.

ولا يلزم من الإجماع على العلة الإجماع على كل قياس تكون ركنًا فيه، فقد يتفقون على علة حكم الأصل ولكن يختلفون في وجودها في الفرع، أو في صحة قياس الفرع عليه؛ لوجود نص يخص الفرع، ونحو ذلك.

3- الإيماء:

وهو في اللغة: الإشارة باليد أو بالرأس ونحو ذلك.

وفي الاصطلاح: فهم التعليل من لازم النص لا من وضعه للتعليل. وله أنواع يصعب حصرها، وأهمها:

أ- أن يرتب الحكم على الوصف بالفاء، مثل قوله تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، وقوله: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ [النور:2]، وقوله : «من أحيا أرضًا ميتة فهي له»، وقد عد بعض العلماء هذا النوع من النص الظاهر على العلة[2].

ب- أن يأتي الحكم جوابًا على سؤال سائل، فيجعل ما في السؤال علة للحكم كما في سؤال الأعرابي الذي قال: هلكت يا رسول الله، قال: «ما أهلكك؟» قال: وقعت على أهلي وأنا صائم، قال: «فهل تجد ما تعتق رقبة؟» الحديث [متفق عليه] فما ذكره الرسول بعد سؤال السائل يدل على أن الحكم سببه المذكور في السؤال وهو الجماع من الصائم في رمضان.

ج- أن يعلق الشارع الحكم على وصف لو لم يجعل علة لما كانت له فائدة، وكلام الشارع يجب أن يصان عن العبث.

مثاله: أن النبي سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: «أينقص الرطب إذا جف؟» قالوا: نعم، قال: «فلا إذن» [أخرجه مالك وأصحاب السنن] فقوله: «أينقص الرطب إذا جف»، إيماء إلى أن العلة في التحريم هي النقصان.

د- أن يذكر الشارع مع الحكم وصفًا مناسبًا لأن يكون علة لذلك الحكم، كقوله : «لا يقضي القاضي وهو غضبان» [أخرجه الترمذي صححه وابن ماجه]، وقد ذكره بعضهم مثالاً للنوع الثالث الوارد في فقرة (ج).

هـ- ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الشرط والجزاء، كقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴿ ٢ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ [الطلاق:2-3]. فالتقوى علة للخروج من المحن، وعلة للرزق.

4- المناسبة والإخالة:

المناسبة في اللغة: المشاكلة، يقال: بينهما مناسبة أي مشاكلة، وبمعنى المشاركة في النسب، يقال: ناسبه إذا شاركه في نسبه، وبمعنى الملاءمة، يقال: هذا اللباس يناسب الشتاء، أي: يلائمه.

والإخالة: الظن، مأخوذة من قولهم خلت هذا الغلام ابني، أي: ظننته كذلك، أو من الخيال، وهو الظل.

وفي الاصطلاح: تعرف المناسبة بأنها: ملاءمة الوصف المعلل به للحكم الثابت في الأصل.

والإخالة: غلبة الظن بعلية الوصف.

والوصف المناسب هو: الوصف الظاهر الذي يحصل من ترتب الحكم عليه مصلحة أو تندفع به مفسدة.

وقيل: ما لو عرض على العقول لتلقته بالقبول.

وقيل: الملائم لأفعال العقلاء في العادات[3].

وقال ابن الحاجب: (هو وصف ظاهر منضبط يحصل من ترتب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودًا للعقلاء من حصول مصلحة دينية أو دنيوية أو دفع مفسدة)[4].

وهذه التعريفات متقاربة المعنى.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة