حجية القياس
[القياس حجة عند جماهير العلماء]:
القياس حجة عند جماهير العلماء ومنهم الأئمة الأربعة، ولم يخالف في ذلك سوى الظاهرية وبعض المعتزلة وبعض الرافضة.
والدليل على كون القياس حجة من وجوه كثيرة، نكتفي منها بما يلي:
1- قوله تعالى: ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴿ ٢ ﴾ ﴾ [الحشر:2].
وجه الاستدلال أن الله أمر بالاعتبار بحال الكفار، والمراد بالاعتبار أن يقيس المرء حاله بحالهم ليعلم أنه إن فعل مثل فعلهم استحق جزاء مثل جزائهم، وما أمر الله به فهو واجب.
2- قوله تعالى: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ۚ ﴾ [الأنبياء:104].
وجه الاستدلال: أن الله سبحانه قد نبه إلى وجوب القياس؛ حيث قاس البعث على الخلق الأول، فبين أنه قادر على البعث كما أنه قادر على الخلق من العدم.
3- ما روي أن أعرابيًا أتى إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود - وهو يُعَرِّض لنفيه - فقال له رسول الله ﷺ: «هل لك من إبل؟» قال: نعم، قال: «فما ألوانها؟» قال: حمر، قال: «فهل فيها من أورق؟» قال: إن فيها لورقًا، قال: «فأنى ترى ذلك جاءها؟» فقال الرجل لعل عرقا نزعه، فقال عليه السلام: «وهذا لعل عرقا نزعه» [متفق عليه من حديث أبي هريرة].
وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ قاس الغلام الأسود من أبوين أبيضين على الجمل الأورق من الإبل الحمر، فكما أن ذلك الجمل يحتمل أن يكون نزعه عرق من عروق أجداده، فكذلك الغلام.
4- حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: «لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟» قال: نعم، قال: «فدَينُ الله أحق أن يقضى» [متفق عليه].
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قاس الصوم على الدين في وجوب قضائه.
5- أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقيسون ويلحقون النظير بنظيره، فمن ذلك أنهم أدخلوا العول على أنصبة الورثة إذا كانت سهامهم أكثر من سهام المسألة، قياسًا على إدخال النقص على الغرماء إذا كانت ديونهم أكثر من مال المدين، وقاسوا العبد على الأمة في تنصيف الحد، وقاسوا سائر المطعومات المكيلة على البر في تحريم بيعه بجنسه متفاضلاً.
وقال علي رضي الله عنه حين استشاره عمر في عقوبة شارب الخمر: «أرى أن تجلده ثمانين فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى» [أخرجه مالك في الموطأ].
وقال عمر لأبي موسى الأشعري في الكتاب الذي بعثه إليه: «الفهمَ الفهمَ فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب أو السنة، اعرف الأمثال والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك فاعمد إلى أحبها عند الله وأشبهها بالحق فيما ترى». [أخرجه الدارقطني في سننه والبيهقي في المعرفة].
6- أنه لو لم يشرع العمل بالقياس لأفضـى ذلك إلى خلو كثير من الوقائع عن الأحكام الشـرعية؛ لأن النصوص محصورة والوقائع تتجدد، وخلو الوقائع عن الأحكام يؤدي إلى قصور الشريعة ونقصانها وهو محال.
بعض أدلة منكري القياس والجواب عنها:
أولاً: أن الصحابة رضي الله عنهم نقل عنهم ذم العمل بالرأي، فمن ذلك:
أ- قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إياكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا». [أخرجه الدارقطني في سننه وفيه ضعف].
ب- قول علي رضي الله عنه: «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفيه». [أخرجه أبو داود والدارقطني].
ج- قول ابن مسعود رضي الله عنه: «لا يأتي عام إلا وهو شر من الذي قبله، أما أني لست أعني عامًا أخصب من عام ولا أميرًا خير من أمير، ولكن علماؤكم وخياركم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفًا، ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم». [أخرجه الدارمي في سننه].
والجواب عن هذا من وجهين:
1- أن الصحابة رضي الله عنهم ذموا من استعمل الرأي والقياس في غير موضعه أو بدون شرطه، فذمُّ عمر رضي الله عنه ينصرف إلى من قال بالرأي مع جهله بالنصوص من الكتاب والسنة، ألا تراه يقول: أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، أي: عجزوا عن حفظ الأحاديث. وذم علي ينصرف إلى من استعمل الرأي فيما لا يدرك بالرأي وهو الأمور التعبدية كالمسح على الخفين.
2- أنهم ذموا الرأي الصادر من الجاهل الذي ليس أهلا للاجتهاد، وهذا هو المفهوم من الأثر المروي عن ابن مسعود رضي الله عنه، ولا شك أن رأي الجاهل مهلكة، ولا سيما إذا كان في أمور الدين.
ومما يدل على أن الرأي المذموم هو ما ذكرناه أن أولئك الصحابة الذين نقل عنهم ذم الرأي كانوا أكثر الصحابة عملاً بالرأي والقياس، والمتتبع لسيرتهم يدرك ذلك.
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ ﴾ [النساء:105].
وجه الاستدلال: أن الله أمر نبيه أن يحكم بما أراه الله لا بما يراه هو، فإذا كان الرسول ليس له أن يحكم برأيه فغيره من باب أولى.
والجواب عن ذلك: أن القياس قد ثبت بالأدلة النقلية والعقلية التي سبق ذكرها فيكون العمل به من العمل بما أمر الله به فلا يكون ممنوعًا، بل هو مما مَنّ الله به عليه وهداه إليه وأراه إياه.
· يذكر الأصوليون مسائل تتعلق بحجية القياس، من أهمها:
1- مسألة الاحتجاج بالقياس في الحدود.
فالمسألة الأولى خالف فيها الحنفية وقالوا الحدود لا قياس فيها، واستدلوا بأن الحدود تدرأ بالشبهات، والقياس فيه شبهة فلا يصلح لإثبات حد من حدود الله.
والجمهور أجازوا القياس في الحدود واستدلوا بأنها أحكام لا تختلف عن غيرها من الأحكام الشرعية، فما جاز في غيرها جاز فيها، وبأن الأدلة الدالة على حجية القياس عامة لم تخصص بعض الأحكام دون بعض، ثم إن الصحابة قاسوا شرب الخمر على القذف فأوجبوا فيه ثمانين جلدة لكونه يفضي إلى القذف: (إذا سكر هذى وإذا هذى افترى).
وأجابوا عن استدلال الحنفية بأن الشبهة التي تدرأ بها الحدود ليست موجودة في القياس؛ إذ المراد بها وجود الظن بكون مرتكب المحرم معذورًا، والقياس لا شبهة فيه إلا كونه ظنيا، وهذا ليس مانعًا من العمل به في الحدود؛ بدليل أن الحدود تثبت بشهادة اثنين والشهادة لا توجب العلم القطعي وإنما تورث ظنًا غالبًا، فتبين أن الظن الغالب كاف لإثبات الحدود وهو يحصل بالقياس، ولهذا قضى الجمهور بقطع النباش قياسًا على السارق عند بعضهم، وعند آخرين لكونه سارقًا حقيقة، وكذلك جلد اللوطي عند بعضهم قياسًا على الزاني غير المحصن ورجمه إذا كان محصنًا، والذين قضوا بقتله مطلقًا استدلوا بأدلة نقلية ليس هذا موطن ذكرها.
2- ومسألة القياس في الرخص والتقديرات.
وأما القياس في الرخص فقد منعه بعض العلماء. والصحيح جوازه مع وضوح الشبه والاشتراك في المناسبة، ومثاله: قياس الوحل والريح الشديدة والثلج على المطر، في الترخص لأجلها في الجمع، وقياس المريض على الممطور في الجمع بين الصلاتين في الحضر.
وأما القياس في الكفارات فإن أريد بالقياس إثبات كفارة جديدة بمجرد الرأي فلا يصح ذلك.
وأما قياس فعل على فعل في كونه موجبًا للكفارة مثله فهذا صحيح، وهو الذي ينبغي أن يحمل عليه كلام العلماء الذين أجازوا القياس في الكفارات حيث قاس المالكية الأكل والشـرب عمدًا في رمضان على الوطء في وجوب الكفارة. وقاس الشافعي قتل العمد على قتل الخطأ في وجوب الكفارة.
والحنفية نقل عنهم منع القياس في الكفارات، واعتذروا عن إلحاق الأكل عمدًا بالوطء بأنه ليس قياسًا بل من باب تنقيح المناط وهو عندهم ليس من القياس، فلا يكون بينهم وبين غيرهم من الجمهور خلاف حقيقي؛ لأنهم حين منعوا القياس في الكفارات قصدوا منع تحديد كفارة على عمل محرم بطريق القياس والاجتهاد؛ لأن العقل مهما بلغ لا يمكن أن يعرف القدر الذي يحصل عنده تكفير الذنب وإنما يعرف ذلك بالنص وما في معناه.
والذين أجازوا القياس في الكفارات لم يمثلوا له إلا بقياس اليمين الغموس على اليمين الحانثة، وقتل العمد على قتل الخطأ.
والحنفية لهم مأخذ آخر لرد هذا القياس، وهو أنه زيادة على النص؛ فإن القرآن نص على الكفارة في قتل الخطأ دون العمد، واليمين الحانثة وهي التي تكون على أمر مستقبل كأن يحلف أن يفعل كذا أو أن لا يفعل كذا ثم لا يبر بيمينه، دون اليمين الغموس وهي اليمين الكاذبة على إثبات شيء أو نفيه.