حجم الخط:

محتوى الدرس (31)

شرع من قبلنا

[تعريفه]:

بعث الله محمدًا بدين الحق، وجعله خاتم النبيين، وجعل شريعته خاتمة الشرائع، والأحكام في كل شريعة قسمان: أصول، وفروع:

فالأصول: هي الإيمان بالله وأسمائه وصفاته، والإيمان بالبعث والجزاء وبالجنة والنار، والاستسلام لله وحده وإفراده بالعبادة.

وهذا القسم قد اتفقت عليه شرائع الأنبياء جميعًا، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ [آل عمران:19]، وقال: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿ ٨٥ [آل عمران:85].

وأما الفروع: فقد اختلفت فيها الشرائع، وهي المقصودة في هذا الباب.

والمراد بشرع من قبلنا: ما نقل إلينا بطريق صحيح من الشرائع السماوية السابقة.

والطريق الصحيح لمعرفة شرع من قبلنا هو نقل القرآن والسنة النبوية الثابتة، ولا عبرة بما في الكتب التي في أيدي اليهود والنصارى اليوم؛ لأنها قد طرأ عليها التحريف والتبديل.

[أقسامه]:

وما حكي في القرآن والسنة من شرائع الأنبياء السابقين، يمكن تقسيمه إلى الأقسام التالية:

· 1- ما حكاه الله عنهم أو حكاه رسوله ﷺ وورد في شريعتنا ما يبطله:

وهذا لا خلاف في أنه ليس بحجة، ومثاله قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ [الأنعام:146].

· 2- ما حكاه الله عنهم ووجد في شريعتنا ما يؤيده:

وهذا لا خلاف في أنه شرع لنا، ولكن الدليل على ثبوته هو ما ورد في شريعتنا لا ما ورد في شرائع الأنبياء السابقين.

ومثاله: قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] فهذه الآية تدل على أن الصيام كان مشروعًا على من قبلنا من الأمم ثم فرض علينا.

· 3- ما نقل إلينا ولم يقترن بما يدل على نسخه أو مشروعيته في حقنا:

فهذا هو محل الخلاف بين العلماء، أهو شرع لنا يلزمنا العمل به أم لا؟

ومثاله: ما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ [يوسف:72]، فهذه الآية تدل على مشروعية الجعالة[1] في شريعة يوسف عليه السلام.

وقوله تعالى في قصة ناقة صالح: ﴿ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ﴿ ٢٨ [القمر:28]. فهذه الآية تدل على مشروعية قسمة الماء مهايأة[2]، فهل يجوز الاستدلال بالآية على جواز ذلك في شرعنا؟

ذهب أكثر العلماء إلى الاحتجاج بشرع من قبلنا ما لم يرد في شرعنا نسخه، وهذا المذهب هو المشهور عند الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو أحد القولين عند الشافعية.

والقول الثاني للشافعية أنه لا يحتج به.

[الدليل عليه]:

والدليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخه شرعنا ما يلي:

1- قوله تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ [الأنعام:90].

وجه الاستدلال: أن الله أمر نبينا بالاقتداء بالأنبياء الذين سبقوه، وأمر الرسول أمر لأمته.

2- قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ [النحل:123].

وجه الاستدلال: أن الله أمر الرسول باتباع ملة إبراهيم عليه السلام، وملته دينه وشرعه.

3- قوله تعالى: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا [الشورى:13].

وجه الاستدلال: أن الله بين أنه قد شرع لنا ما شرعه لنوح عليه السلام، فثبت أن شرعه شرع لنا ما لم ينسخ.

أمثلة على الاستدلال بشرع من قبلنا:

1- الاستدلال على الجعالة بقوله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ [يوسف:72] وقد ذكر هذا في أكثر كتب الحنابلة الفقهية، وذكره الزركشي في البحر المحيط.

2- الاستدلال على مشروعية الضمان بقوله تعالى: ﴿ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ﴿ ٧٢ [يوسف:72] أي: كفيل وضامن. وهذا ذكره الزركشي في البحر المحيط ونسبه للشافعي، وهو مذكور في أكثر كتب الفقه الحنبلي.

3- الاستدلال على جواز مصانعة السلطان ببعض مال اليتيم حتى يسلم الباقي إذا خشي ولي اليتيم أن يأخذ السلطان المال كله أو يتلفه؛ لقوله تعالى: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ [الكهف:71] فإن الخضر خرق السفينة لعلمه أن الملك الظالم كان يأخذ السفينة الصالحة، فرأى أن انتفاعهم بها بعد إصلاحها أفضل من ذهابها ﴿ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴿ ٧٩ [الكهف:79] والمعنى: كل سفينة صالحة[3].

4- الاستدلال على عدم تضمين الراعي إذا ذكى الشاة المشـرفة على الهلاك، بالقياس على خرق الخضر السفينة لينتفع بها أهلها مرقوعة[4].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة