حجم الخط:

محتوى الدرس (37)

صيغ الأمر:

يرى جمهور الأصوليين وأهل اللغة أن الأمر له صيغ تدل عليه حقيقة، من غير حاجة إلى قرينة، وهذه الصيغ هي:

1- فعل الأمر، مثل: «صلوا كما رأيتموني أصلي».

2- المضارع المقرون بلام الأمر، مثل: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ۖ [الطلاق:7].

3- المصدر النائب عن فعل الأمر، مثل: ﴿ فَضَرْبَ الرِّقَابِ [محمد:4] أي: فاضربوا الرقاب.

4- اسم فعل الأمر، مثل: صه، بمعنى: اسكت.

وهناك أساليب أخرى يستفاد منها الأمر لم يشتغل الأصوليون بحصــرها لصعوبة ضبطها، غير أنهم قالوا: إن الخبر قد يأتي بمعنى الأمر، ومن أمثلته قوله تبارك وتعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ [البقرة:228]، ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ [الطلاق:4].

فهذان الخبران يقصد بهما الأمر، فكأنه قال: المطلقات مأمورات بالانتظار ثلاثة قروء قبل زواجهن، وأولات الأحمال مأمورات بالانتظار حتى يضعن حملهن.

ويرى علماء المعاني من البلاغيين أن الأمر الوارد بصيغة الخبر أبلغ من الأمر الوارد بصيغته المعتادة.

وذهب بعض الأشاعرة إلى أن الأمر ليس له صيغة تخصه، وإنما يعرف كون اللفظ أمرًا بالقرينة، وزعموا أن هذا مذهب أبي الحسن الأشعري رحمه الله.

واستشكل ابن عقيل في الواضح قولهم: للأمر صيغة، وقال: (هذه الترجمة لا تصح؛ لأن الأمر هو الصيغة، فكيف نقول: هل للأمر صيغة؟).

والذي يظهر لي أن الإشكال لا يرد؛ لأنهم عنوا بالأمر هنا المعنى دون اللفظ، أي: هل للمعنى الذي يقوم بالذهن وهو طلب الفعل صيغة تدل عليه وضعًا؟

وعبروا بلفظ الصيغة دون اللفظ لأن الخلاف ليس في وجود ألفاظ تدل على طلب الفعل طلبًا جازمًا، وإنما في وجود صيغة محددة إذا جاء اللفظ عليها عد أمرًا، وهي صيغة (افعل) أو (لتفعل) ونحوهما.

وإنكار بعض الأشعرية وجود صيغة تدل على طلب الفعل طلبًا جازمًا مبني على رأيهم في الكلام، وأنه اسم لما في النفس لا للفظ المسموع.

مقتضى الأمر:

[تمهيد]:

ينبغي أن نعرف أن مرادهم بالأمر هنا: صيغة افعل وما جرى مجراها، كلفظ: أمرتكم أو أنتم مأمورون أو إن الله يأمركم.

ومقتضى الأمر يشمل:

1- دلالة الأمر على الوجوب.

2- دلالته على الفور.

3- دلالته على التكرار.

4- دلالته على الإجزاء بفعل المأمور به.

دلالة الأمر على الوجوب:

[تفصيل المسألة]:

اختلف العلماء في الأمر المجرد عن القرائن علام يحمل؟ مع أنه لا يكاد يوجد أمر إلا ومعه قرائن تدل على المراد منه، ولكن لما كانت القرائن قد يتنازع فيها أراد الأصوليون أن يبينوا الأصل في الأمر ما هو؟

[الأقوال]:

[القول الأول]:

· فذهب أكثر الأصوليين إلى أن الأصل حمله على الوجوب:

واستدلوا بعدة أدلة منها:

1- قوله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63] وجه الدلالة على الوجوب: أن الله توعد من يخالف أمر الرسول بالفتنة والعذاب الأليم، ولا يكون هذا إلا على ترك واجب، فدل على أن امتثال الأمر واجب.

2- قوله تعالى - على لسان موسى مخاطبًا أخاه هارون -: ﴿ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي [طه:93]، مع قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا [النساء:14].

وجه الاستدلال: أن الآية الأولى جعلت مخالفة الأمر معصية، والآية الثانية جعلت المعصية سببًا لدخول جهنم.

فهاتان الآيتان تدلان بمجموعهما على أن الأمر للوجوب.

3- قوله : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» [متفق عليه].

وجه الاستدلال: أن الرسول بين أن سبب عدم الأمر بالسواك هو خوفه المشقة على الأمة، ولا مشقة إلا في ترك الواجب؛ لأنه هو الذي فيه عقوبة.

والحديث يدل على بطلان القول بأن الأمر للندب، حيث نفى الرسول أن يكون أمر أمته بالسواك مع أنه ندبهم إليه بلا خلاف، فهذا يدل على أن الأمر لما هو أعلى من الندب والأعلى من الندب هو الوجوب.

4- ما روي في الصحيح أن النبي دعا أبي بن كعب وهو يصلي فلم يجبه فلما قضى صلاته جاء، فقال: لم يمنعني من إجابتك إلا أني كنت أصلي، فقال له النبي : «ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ [الأنفال:24]» [أخرجه البخاري].

فهذا الحديث يدل على أن الأمر يفيد الوجوب؛ لأن الرسول لام أبي بن كعب على عدم فهمه الوجوب من الآية.

5- إجماع الصحابة على الاستدلال بالأمر على الوجوب، ويدل على ذلك رجوعهم إلى أمر الرسول من غير بحث عن قرينة، كما رجعوا إلى حديث: «إذا دخل الطاعون في بلد وأنتم فيها فلا تخرجوا منها، وإن حدث في بلد فلا تدخلوها».

القول الثاني:

· أنه موضوع للقدر المشترك بين الوجوب والندب:

وهو مطلق الطلب، وذهب إلى هذا كثير من الأصوليين كالرازي وشراح كلامه، وهو مذهب أبي هاشم الجبائي، ونسب إلى أبي منصور الماتريدي ومشايخ سمرقند[1].

واستدلوا بأن ألفاظ الأمر الواردة في الكتاب والسنة منها ما حمل على الوجوب ومنها ما حمل على الندب، مما يدل على أن الأمر صالح لكلا المعنيين.

واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ [النحل:90]، وهذه المأمورات منها ما هو واجب ومنها ما هو مندوب.

وهذا القول في حقيقته يؤول إلى القول الثالث؛ لأن المتيقن عندهم هو الندب ولا يحمل على ما زاد عليه إلا بدليل.

القول الثالث:

· أنه موضوع للندب:

ونسبه السمعاني لبعض الفقهاء[2]، ونسب للشافعي وأحمد[3]، ونسب لأبي هاشم الجبائي وعامة المعتزلة[4].

واستدلوا بأن الأمر طلب الفعل، وهذا يتحقق بحمله على الندب فلا نزيد عليه.

وهناك قول بأن مدلول الأمر الإباحة، ونسب لبعض المالكية[5]، والمشهور عنهم خلاف ذلك.

وهناك أقوال أخر أعرضت عن ذكرها؛ لأنها ليست عليها حجة تستحق المناقشة.

[الترجيح]:

والراجح هو القول الأول، واستدلال المخالفين بأن أوامر الكتاب والسنة، بعضها محمول على الندب وبعضها محمول على الوجوب، يجاب بأن المحمول على الندب منها وجدت قرائن تصرفه عن الوجوب، وكلامنا فيما لم توجد معه قرينة صارفة.

وقولهم: الأمر طلب، والندب هو المتيقن فيحمل عليه، يجاب بأن الأمر طلب الفعل من الأعلى رتبة، وأدلة الشرع السابقة دلت على حمله على الوجوب، والاحتياط يقتضي ذلك؛ إذ إن حمله على الندب ربما دفع المكلف إلى الترك وهو مراد به الوجوب فيأثم، وإذا حمله على الوجوب فعله وسلم من الإثم.

ولما كانت الأوامر في الكتاب والسنة لا تخلو - غالبًا - عن قرائن حالية أو مقالية، متقدمة أو متأخرة أو مصاحبة، وجدنا كلام العلماء في حمل الأوامر على الندب أو الوجوب لا يقف عند ذكر الأصل في معنى الأمر، وإنما يؤيد كل منهم رأيه في المسألة الخاصة الوارد الأمر بها بأدلة وقرائن أخرى.

والمتتبع لكلام الفقهاء يجدهم يحملون الأمر على الوجوب، إلا إذا وجدت قرينة صارفة أو عارض الأمر دليل آخر.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة