دلالة الأمر على الفورية:
اتفق العلماء على أن الأمر إذا صحبته قرينة تدل على الفور يحمل على ذلك، وإذا صحبته قرينة تدل على جواز التراخي حمل على ذلك، وإذا حدد له وقت معين حمل على ذلك.
واختلفوا في الأمر الذي لم تصحبه قرينة تدل على فور ولا على تراخ، ولم يوقت بوقت معين علام يحمل؟
فذهب أكثر الحنابلة والمالكية وبعض الحنفية والشافعية[1] إلى أنه يدل على الفور.
1- قول الله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ ﴾ [آل عمران:133]، حيث أمر بالمسارعة إلى المغفرة، والمقصود أسباب المغفرة، وامتثال أمر الله من أسباب المغفرة ولا شك، والمسارعة تعني: المبادرة في أول أوقات الإمكان.
2- قوله تعالى: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ ﴾ [البقرة:148]، حيث أمر بالاستباق إلى الخيرات، والمأمور به خير فيدخل فيما أمرنا بالاستباق إليه، والأمر للوجوب فيكون الاستباق إلى فعله واجبًا.
3- قوله تعالى - لإبليس -: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ ﴾ [الأعراف:12]، حيث ذمه على ترك السجود عند سماع الأمر.
وأجيب بأن الأمر هنا مقيد بوقت؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴿ ٢٩ ﴾ ﴾ [الحجر:29]، وإذا تفيد الظرفية، والفاء في قوله: فقعوا، للتعقيب.
4- أن الأمر لو لم يكن للفور لجاز تأخيره، والتأخير إما أن يكون إلى أمد محدد أو غير محدد بوقت، فإن قلتم يؤخر إلى زمن محدد كان التحديد تحكمًا لا دليل عليه، وإن قلتم يؤخر من غير تحديد بزمن معين أدى ذلك إلى ترك الفعل، وهو ممنوع، فلم يبق إلا أن نقول إن وقته هو أول أوقات التمكن من الفعل.
فإن قيل يجوز له أن يؤخر بشرط سلامة العاقبة أي: بشرط أن يفعل قبل موته، قلنا: وما يدريه متى يموت؟ فإذا كان التأخير جائزًا فلا يصح أن يعاقب من أخر الفعل إلى وقت يجوز تأخيره إليه ثم مات، كالمصلي لو أخر الصلاة عن أول وقتها ثم مات لا يأثم إذا كان عازما على الفعل في آخر الوقت.
أنه للقدر المشترك بين الفور والتراخي ولا تعرض فيه لوقت الفعل.
وهو اختيار الرازي والآمدي وابن الحاجب والبيضاوي، مع اختلافهم في التعبير عنه. ونسب هذا القول للإمام الشافعي.
وقد يعبر بعض الأصوليين عن هذا القول بعبارة فيها نظر، فيقول: قال بعض العلماء: (إن الأمر المطلق للتراخي)[2]، وهذا التعبير إذا أخذ على ظاهره لا يصح وإنما هو من باب التسامح في العبارة؛ إذ لم يقل أحد إن الأمر المطلق يجب التريث فيه وعدم المبادرة إلى امتثاله، وإنما خلافهم في أنه هل يجوز التراخي فيه؟ أما المبادرة فلا يختلفون في جوازها وفضلها، ولهذا فلا يصح التفريق بين قول الرازي ومن تبعه: (إن الأمر للقدر المشترك بين الفور والتراخي)، وقول من قال: إن الأمر المطلق يحمل على التراخي، كابن السمعاني والإسفراييني وابن برهان[3].
ولهذا قال ابن السمعاني: (واعلم أن قولنا: إنه على التراخي، ليس معناه أنه يؤخر عن أول أوقات الفعل، لكن معناه أنه ليس على التعجيل)[4].
1- أن الزمان كالمكان، فكلاهما ظرف للفعل المأمور به، فكما أن الأمر لا دلالة فيه على مكان الفعل باتفاق، فكذلك ينبغي أن يقال لا دلالة فيه على زمانه.
2- أن الأمر يرد للفور حينًا ولجواز التراخي حينًا آخر، فلا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك وإلا لزم المجاز أو الاشتراك، وكلاهما خلاف الأصل.
ولو أردنا إيضاح هذا الدليل أكثر لقلنا: إن الأمر يرد مرادًا به الفور كما في الأمر بإنقاذ الغريق فإنه لا يحتمل التأخير، ويرد مرادًا به جواز التراخي كما في الأمر بجهاد الطلب، ولو قلنا إنه للفور لزم أن يكون استعماله في غيره مجازًا أو من باب الاشتراك اللفظي، والمجاز والاشتراك كلاهما خلاف الأصل ولا يلجأ إلى حمل الكلام عليهما إلا عند عدم إمكان حمله على الحقيقة، وهنا يمكن أن يحمل على الحقيقة فنقول: الأمر لمجرد طلب الفعل من غير التفات إلى وقته، فيكون المكلف مطالبًا بإيجاده في أي وقت، ويكون تحديد الوقت من دليل آخر.
والراجح - والله أعلم - أن الأمر المطلق يحمل على الفور.
وقول المخالف: إن الزمان كالمكان مردود؛ فإن الزمان الأول تتعلق به فوائد ربما لا تحصل في الزمان الثاني، فالمبادرة إلى الفعل يحصل بها براءة الذمة والخروج من العهدة، والتأخير ربما ترتب عليه تفويت الفعل؛ لما قلناه من أنه لا دليل على تحديد حد معين للتأخير، وما ذكروه من تحديد لا يصح.
وأما قولهم: إن الأمر يرد للفور حينًا ولجواز التراخي حينًا.. إلخ. فيجاب بأن الخلاف في الخالي من القرينة الدالة على التوقيت، وقد أقمنا الدلالة على وجوب المبادرة إليه.
وقد اعترض الرازي على أدلة القائلين بالفور باعتراض كرره في كتابه وقال:إنه يرد على أكثر أدلتهم وهو أنها تنتقض بما لو قال الآمر: افعل في أي وقت شئت.
وقد تأملت هذا الاعتراض فوجدته ضعيفًا؛ حيث لم يوجد في نصوص الشرع مثال له وإنما هو افتراض محض، ولكنه قد يقع من السيد لعبده، والسيد ليس مبرأ من التناقض ولا من الظلم والاعتداء، فقد يعاقب عبده من غير أن يستحق العقوبة، ثم إن حصول هذا الأمر من السيد لعبده لا يخلو عن قرينة تبين الحد الأقصى للتأخير، كما أن العبد متمكن من سؤال سيده عن ذلك، وهذا بخلاف ما نحن فيه من الكلام عن أوامر الله ورسوله ﷺ.
ينبني على هذا الخلاف خلاف في مسائل كثيرة، ومن الفقهاء من اطرد قوله فيها مع قوله في القاعدة، ومنهم من لم يطرد قوله لأدلة أخرى أو قرائن ظهرت له.
ومن تلك المسائل:
1- إخراج الزكاة ودفعها إلى مستحقيها، هل يجوز التأخر فيها عن رأس السنة؟ من قال: إن الأمر على الفور قال يحرم التأخير عن رأس الحول، ومن قال: لا يفيد الفور لم يؤثم المؤخر إذا فعل ولو بعد حين.
2- الكفارات والنذور غير المؤقتة بوقت، هل يجوز تأخيرها عن أول أوقات الإمكان؟ من قال: بالفور، يقول: لا يجوز بل يأثم بالتأخير، ومن لم يقل به أجاز التأخير.
3- الحج مع الاستطاعة هل يجوز تأخيره؟ ومن الواضح أن كثيرًا من الأصوليين تكلم في المسألة الأصولية وهو يراعي مذهب إمامه في الحج هل يجب على الفور؟ فقرر الراجح في المسألة بناء على ما عرفه من مذهب إمامه في الحج أهو على الفور أم لا؟
والخلاف في ذلك مشهور في كتب الفقه لا نطيل بذكره هنا، وله أدلة خاصة فيها تصريح بالمبادرة إليه.
4- قضاء الفوائت هل يجوز تأخيرها؟
5- أداء النفقات التي لا تسقط بفوات وقتها كنفقة الزوجة هل يأثم بتأخيرها إذا أداها في وقت متأخر؟