دلالة الأمر على التكرار:
اختلف العلماء في الأمر المطلق هل يدل على تكرار الفعل المأمور به بحسب الإمكان؟ بمعنى أن المكلف مأمور بتكرار ما أمر به على وجه لا يستحيل عقلاً ولا شرعًا، فأما التكرار المؤدي إلى منعه من الاشتغال بما تقوم به حياته، أو إلى الجمع بين الضدين فهو ممنوع عقلاً، وأما التكرار المؤدي إلى إسقاط أوامر الله الأخرى وترك امتثالها فهو ممتنع شرعًا.
فهذان النوعان من التكرار غير داخلين في محل النزاع؛ إذ لا يقول أحد بوجوب تكرار الفعل المأمور به في جميع الأوقات؛ لأنه ممتنع عقلاً وشرعًا.
ومحل النزاع هو في التكرار الذي لا يؤدي إلى مستحيل عقلاً أو شرعًا، وفي الأمر الذي ليس مقيدًا بمرة ولا بتكرار ولا معلقًا على شرط ولا صفة، وفيه قولان مشهوران:
· أن الأمر المطلق يقتضـي التكرار بحسب الإمكان.
وهو منسوب للإمام أحمد وأكثر أصحابه، وحكاه ابن القصار عن مالك، وحكاه الغزالي عن أبي حنيفة، والمشهور عند الحنفية خلافه، فقد نص عبد العزيز البخاري في كشف الأسرار[1] على أنه لا يقتضي التكرار.
1- أن الأمر بالإيمان والتقوى لا يكفي فيه مرة واحدة، ولو لم يكن الأمر للتكرار لكفى الإنسان أن يؤمن ساعة ويتقي الله ساعة، ولا خلاف في أنه لا يكفيه ذلك، وأنه لا بد من الاستمرار في ذلك.
2- أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وموجب النهي ترك المنهي عنه في جميع الأوقات، فينبغي أن يكون موجب الأمر فعل المأمور به في جميع الأوقات إلا ما دل العقل أو الشرع على استثنائه.
3- أن الأمر يقتضي وجوب الفعل ووجوب الاعتقاد والعزم، ثم إنه في جانب الاعتقاد والعزم يفيد الاستمرار والاستدامة فينبغي أن يكون كذلك في الفعل.
· أن الأمر المطلق لا يفيد التكرار.
وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين، ورواية عن أحمد اختارها أبو الخطاب وابن قدامة.
1- أن صيغة الأمر لا تعرض فيها لعدد مرات الفعل، وإنما وجبت المرة الواحدة ضرورة دخول الفعل في الوجود؛ إذ لا يمكن وجوده إلا بفعله مرة واحدة.
2- قياس الأمر المطلق على اليمين والنذر والوكالة والخبر، فلو حلف أن يصوم أو نذر أن يصوم بر بصيام يوم واحد، ولو قال لوكيله: طلق زوجتي، لم يكن له أكثر من طلقة واحدة، ولو أخبر عن صيامه فقال: صمت، صدق بصيام يوم واحد.
3- قياس استيعاب الأزمنة على استيعاب الأمكنة، فكما لا يجب أن يفعل في كل مكان لا يجب أن يفعل في كل زمان.
4- أن القول بأن الأمر يقتضي التكرار يؤدي حتما إلى تعارض الأوامر بحيث يبطل بعضها بعضًا وهو ممنوع شرعًا.
وهذا القول هو الراجح، ويجاب عن أدلة القول الأول بما يلي:
قولهم: لو لم يجب التكرار لكفى المرء أن يؤمن ساعة، إلخ... يجاب بأن الإيمان يضاد الكفر، فإذا تخلى عن الإيمان لحظة وقع في الكفر، والكفر منهي عنه على الدوام، وأما إذا ذهل عن الإيمان ولم يقع في قلبه ضده فلا شيء عليه ويبقى حكم الإيمان مستصحبًا، ولهذا فإن النائم يسمى مؤمنًا، ولا يسوى بين الأمر بالإيمان والتقوى والأمر بالفعل.
دليلهم الثاني: قياس الأمر على النهي، وهو قياس في اللغة فلا يصح، ثم إن الأمر ضد النهي فكيف يقاس الشيء على ضده؟!.
دليلهم الثالث: التسوية بين الاعتقاد والعزم والفعل لا يصح؛ لأن الفعل يحول بينه وبين أفعال أخرى مأمور بها، أو يحتاج إليها بمقتضى العادة والطبيعة، وأما الاعتقاد فلا يصرفه عن فعل مأمور به ولا عن فعل يحتاجه بمقتضى العادة والطبيعة.
ومن وجه آخر فإن الأفعال القلبية كالاعتقاد والعزم، استمرارها يتحقق بعدم وجود ما يضادها، بخلاف أفعال الجوارح فلا تتحقق بانتفاء الضد، بل لا بد من جهد زائد على ذلك.
من الفروع التي بنوها على هذا الأصل ما يلي:
1- لو قال لوكيله: طلق زوجتي، فهل يملك طلقة واحدة أو ثلاثًا؟ من قال: إن الأمر يفيد التكرار، فقياس مذهبه أنه يملك ثلاثًا، ومن قال: لا يفيد التكرار، فمقتضـى قوله أن لا يملك إلا واحدة.
2- الأمر بالعمرة، هل يفيد التكرار؟ وهذا الفرع وجدت فيه أدلة أخرى كالقياس على الحج، وقوله ﷺ: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة».
3- تكرار غسل النجاسة مما لم يرد في تكراره نص.
4- تكرار الفاتحة إذا فرغ المأموم من قراءتها في الصلاة السرية ولم يركع الإمام.
الأمر المعلق على شرط هل يقتضي التكرار؟
اختلفوا في الأمر المعلق على شرط هل يفيد التكرار بتكرر الشرط؟ ومثاله قوله ﷺ: «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» [متفق عليه].
فالأمر بصلاة الركعتين معلق على شرط دخول المسجد، فإذا خرج ثم دخل فهل يؤمر بتكرار الصلاة.
ومن قال: إن الأمر المطلق يقتضي التكرار فلا شك أنه يقول كذلك في الأمر المعلق على شرط من باب أولى.
وأما الذين قالوا إن الأمرالمطلق لا يقتضي التكرار فقد قال أكثرهم كذلك في الأمر المعلق على شرط.
واستدلوا بما ذكرته سابقًا من أن الأمر ليس فيه تعرض لعدد مرات الفعل فلا يدل عل تكرار ولا غيره، وأن ثبوت الفعل مرة واحدة إنما هو لضرورة إدخاله في الوجود.
وقال بعضهم: إن الأمر المعلق على شرط يقتضي التكرار بخلاف الأمر المطلق.
واستدلوا بأن تعليق الأمر على الشـرط كتعليقه على العلة، والتعليق على العلة يوجب التكرار.
والراجح - والله أعلم - أن الأمر المعلق على شرط يتكرر بتكرر الشرط؛ لما ذكرته سابقًا من أن تعليق الفعل على شرط دليل على كون هذا الشـرط علة للفعل، وإذا تكررت العلة تكرر الحكم المعلق عليها.
· ولكن قد تتداخل الأحكام تخفيفا على المكلفين.
· وقد تقدم أن الشـروط اللغوية أسباب، والأسباب يتكرر الحكم بتكررها ما لم تتداخل.
1- إذا سمع الأذان أكثر من مرة فهل يستحب له تكرار القول كما يقول المؤذن، عملاً بقوله ﷺ: «إذا سمعتم النداء، فقولوا مثل ما يقول المؤذن» الحديث.
2- إذا كرر السلام، فهل يلزم تكرار رده، عملاً بقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ ﴾ [النساء:86].
3- إذا تكرر دخوله للمسجد فهل يكرر صلاة تحية المسجد، عملاً بقوله ﷺ: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين».
4- إذا تكرر ذكر الرسول ﷺ فهل يكرر الصلاة عليه، عملاً بالأحاديث الواردة في ذلك.
هذه المسائل اختلف الفقهاء فيها، فذهب بعضهم إلى وجوب التكرار إذا تكرر الشرط، وذهب بعضهم إلى عدم التكرار، إما لأجل أنه لا يرى أن الأمر المعلق على شرط يقتضي التكرار بتكرر الشرط، وإما لأنه يرى التداخل مع قرب الزمن، ولهذا قال بعضهم - في الصلاة على الرسول ﷺ - تكرر إذا اختلف المجلس، وقال بعضهم: تكرر مع طول الفاصل.