حجم الخط:

محتوى الدرس (42)

الأمر بالأمر بالشيء :

المراد بالمسألة:

المراد بالمسألة: أن الأمر إذا كان مضمونه أمرًا لشخص ثالث مثلاً فهل يعد الشخص الثالث مأمورًا من قبل الآمر الأول؟

وبعبارة أخرى إذا أمر المكلف بأن يأمر غيره بشيء فهل يكون ذلك أمرًا من الشارع لذلك الغير بفعل الشيء المذكور في الأمر؟

مثاله: أن النبي قال: «مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها لعشر» [أخرجه أبو داود وصححه الحاكم] فهل يقال إن الصبيان مأمورون بالصلاة من قبل الرسول ؟

تحرير محل النزاع:

أخرج بعضهم عن محل النزاع إذا قال الآمر الأول: قل لفلان إني آمرك بكذا أو قل له أن يفعل كذا لأن المأمور بالأمر حينئذ يكون مبلِّغا فحسب.

وأخرج بعضهم عن محل النزاع أمر الله رسوله أن يأمر الناس فإنه يعد أمرًا من الله للناس.

ووضع بعضهم للصورة الخارجة عن محل النزاع ضابطًا، فقال: إذا كان الآمر الأول تجب طاعته على المأمور الأول والثاني فيكون الأمر بالأمر بالشـيء أمرًا بذلك الشيء في حق المأمور.

والصحيح عدم خروج هذه الصورة عن محل النزاع، إذ لو خرجت لم يبق للنزاع فائدة، فإن بحث الأصوليين إنما هو في أوامر الله وأوامر رسوله ، وطاعتهما واجبة على الكل.

وبهذا نستطيع أن نقول: ظاهر كلام الأصوليين أن النزاع في كل أمر تعلق بأمر الغير بشيء هل يعد أمرًا لذلك الغير من الآمر الأول؟ ولكن خروج الصورة الأولى - التي يكون فيها المأمور الأول مبلغًا - له وجه؛ لتصريح الآمر الأول بأنه يأمر المأمور الثاني (قل لفلان إني آمره بكذا).

الأقوال في المسألة:

القول الأول:

· أن الأمر بالشيء ليس أمرًا بذلك الشيء في حق الطرف الثالث.

وهذا القول هو مذهب جمهور الأصوليين ولا يكاد يوجد في كتب الأصول المشهورة من يختار خلافه.

واستدلوا له بما يلي:

1- قول الرسول : «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع» الحديث [أخرجه أبو داود والترمذي وصححه الحاكم].

ووجه الدلالة من الحديث لا تتضح إلا بضم الإجماع إلى هذا الدليل، فيقال في تقريره: لو كان الأمر بالأمر أمرًا لكان قول الرسول «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع» أمرًا من الرسول للصبيان، وإلإجماع قائم على أن الصبيان غير مأمورين بالصلاة بأمر الرسول المذكور.

ويمكن أن يقرر الاستدلال بالحديث بضم حديث آخر إليه فيقال: لو كان الأمر بالأمر أمرًا لكان قول الرسول : «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع» أمرًا للصبيان وتكليفًا لهم، ولكن الصبيان غير مكلفين بدليل قوله : «رفع القلم عن ثلاثة» وذكر منهم: «الصبي حتى يحتلم» [رواه أحمد وأصحاب السنن].

2- لو كان الأمر بالأمر أمرًا، لكان الرجل إذا قال لمالك العبد: مُرْ عبدك أن يفعل كذا، متعديًا على حق المخاطب بأمر عبده دون إذنه، وليس كذلك عند أهل اللغة فعرفنا أن الأمر بالأمر ليس أمرًا.

3- أنه يجوز أن يأمر أحد عبيده بأن يأمر عبده الآخر بشيء ثم يقول للآخر لا تطعه ولا يعد ذلك تناقضًا، ولو كان الأمر بالأمر أمرًا لكان تناقضًا من السيد[1].

القول الثاني:

· أن الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء.

وهذا القول نسب لبعض الشافعية وقيل إنه اختيار العبدري وابن الحاج في شرحيهما للمستصفى[2].

واستدل لهذا القول بأدلة أهمها:

ما ورد أن ابن عمر طلق زوجته وهي حائض فأخبر عمر رضي الله عنه الرسول ، فقال: «مره فليراجعها». الحديث، وروي بلفظ: «أن ابن عمر طلق زوجته وهي حائض فأمره النبي أن يراجعها» والقصة واحدة[3].

وجه الدلالة: أن أمر الرسول لعمر أن يأمر ابنه بالمراجعة عد أمرًا لابن عمر بالمراجعة؛ لذا روي الحديث بلفظ: أمر رسول الله ابن عمر أن يراجع زوجته. لأن القصة واحدة، ولولا أن الأمر بالأمر أمر لما عد ذلك أمرًا لابن عمر من الرسول ، ولما صحت رواية من روى أن النبي أمر ابن عمر بالمراجعة.

[الترجيح]:

والراجح: هو القول الأول، مع استثناء ما لو قال الأول: قل لفلان: إني آمره بكذا. لما تقدم في تحرير محل النزاع.

ودليل المخالف يجاب عنه بأجوبة وهي:

1- أن الرسول أمر عمر بأن يأمر ابنه، ثم لما لقيه ابن عمر أمره بالمراجعة، فصحت رواية كل من اللفظين.

2- أن هذا استدلال بمحل النزاع فلا يصح؛ لأنا نقول: لا يجب على ابن عمر أن يراجع زوجته بمقتضى هذا النص.

3- أن عمر رضي الله عنه جاء إلى الرسول مستفتيًا فأفتاه وأمره بنقل الفتوى إلى ابنه.

وأقواها الوجه الأول.

ثمرة الخلاف:

خرّج بعض العلماء على هذه القاعدة مسائل فرعية منها:

1- مراجعة الزوجة المطلقة في أثناء الحيض. ذهب بعض العلماء إلى وجوب مراجعتها، إما بناء على أن الأمر بالأمر أمر، وإما بناء على أن الرسول أمر ابن عمر مباشرة أو أفتى فنقل عمر الفتوى لابنه وذهب بعض العلماء إلى أن مراجعة المطلقة في الحيض لا تجب بناء على أن الأمر بالأمر ليس أمرًا، ولم يثبت أن النبي باشر ابن عمر بالأمر.

2- قوله - في شأن أبي إسرائيل -: «مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه» [أخرجه أبو داود وابن ماجه، ومعناه في البخاري]. فهل يعد ذلك أمر إيجاب موجهًا لأبي إسرائيل أن يترك الوفاء ببعض ما نذر لعدم مشروعيته؟

3- قوله - حين مرض -: «مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس» [أخرجه البخاري]. هل يعدُّ أمرًا لأبي بكر؟

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة